بقلم عزيزة المبارك/سورية
الكاتبة أميمة ابراهيم من مواليد مدينة حمص في سورية، عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية، لها أعمال شعرية عديدة، ونصوص سردية متنوعة، وعدة إصدارات موجهة لأدب الطفل، ديوانها “على ضفاف المجاز”، الذي سوف أتناول قراءته في مقالي هذا.
حمل العنوان إشارة ذكية إلى رغبة الشاعرة ملامسة أسرار اللغة وعدم الغرق في الغموض، فهي تقف على “الضفة”، تراقب عمق المجاز وتفرق منه ما يخدم المعنى الجمالي الإنساني الموجه للقارئ.
“على ضفاف المجاز”، الدلالة الرمزية العميقة تبدأ منذ البداية، فالمجاز استخدم هنا كأرضية إبداعية، فهو في البلاغة اعتمد الألفاظ في غير معناها الحقيقي، لعلامة ما “كالمشابهة”. فعندما تختار الشاعرة أن تقف “على ضفاف” هذا المجاز، فهي تعلن أن القصائد لا تنقل الواقع بصورة جافة أو حرفية، بل تعيد صياغتها عبر الخيال والأخيلة الاستعارية.
اختيار الشاعرة لمفردة “ضفاف”، يوحي بالوقوف في منطقة برزخية أو نقطة تلاقي عالمين؛ عالم الحقيقة الحسي، وعالم الخيال الشعري الخاص، والضفة هي مكان التأمل، المراقبة، والاستعداد للعبور.
يظهر للقارئ بشكل جلي الدلالات الخفية منذ بداية القراءة، وتبدو الخفايا الجمالية واضحة، من خلال ربط الصفاف تلقائياً بوجود النهر أو البحر، فالماء يرمز إلى تدفق العواطف، استمرارية الكتابة، وتجدد الأفكار، مما يجعل الضفة مكاناً لالتقاط الأنفاس وصيد الصور الشعرية الباذخة.
الكاتبة قدمت الإهداء في الديوان، لقلبها المفعم بالحب والخبرة والتي استخدمتها لنسج الكلمات فيه، ورصف الحروف والمعاني لبناء قصة وحكايه متكاملة البنيان.
استخدمت القصائد الوجدانية المنفصلة لكل منها عنوان ويحمل في طياته أبعاداً فلسفية عميقة، تعكس تجربة عاطفية إنسانية غنية بالمرارة والأمل.
تتأرجح النصوص بين الانكسار والنهوض، مما يعكس صراعاً داخلياً مستمراً.
كما أبرز النص محاولات فهم الوجود، والتعامل مع الذكريات، والبحث عن الهوية والذات والخلاص والراحة.
شرحت الكاتبة مشاعر الارتباط بالأرض والوطن، فقد اظهرت مساحة واسعة للهموم الجماعية والمعاناة المشتركة، ليس المعاناة الفردية فقط.
حملت النصوص شرحاً رافضاً للألم، وصورت الشوق والحنين، واستخدمت الطيبة للرمز لكل ما يجول في خاطر الشاعرة.
الديوان حمل عبارات وتراكيب لفظية تمثل صوراً شعرية واستعارات موحية، ذات أبعاد وجدانية فلسفية عميقة سوف اشرحها فيمايلي:
مشاعر الفقد والألم الكامن من خلال عبارة “أوجاع عالقة، أوجاع البلد”: رمز الوجع العالق إلى الصدمات والآلام التي يرفض الزمن مداواتها، بينما تربط “أوجاع البلد”، الألم الفردي بالخليفة المأساوية للوطن.
رمزت الشاعرة في النص إلى الانكسار والخيبة من خلال نص “بقايا حلم”، حيث العيش على أطلال أمنيات تلاشت ولم يبقى منها إلا الفتات.
نلاحظ في النص الرمزية الإيجابية من خلال عناوين الطبيعة والضوء “إشراقة، ومضات الروح، شروق في سهول المعاني”، الضوء والشروق في النص رمز إلى لحظات التجلي الروحي، والأمل المتجدد، والقدرة على الإبصار الفكري والوجداني بعد العتمة.
استخدمت الزهر والعطر “غواية الزهر، شهقة العطر”، كرمز إلى الجمال الروحي، والمشاعر المرهفة، والجاذبية الفطرية للنقاء وسط تشوهات الحياة.
نلاحظ في النصوص عناوين التناقص والصراع الوجودي “مزاد الحياة”، هنا رمزية قاسية إلى تحول القيم الإنسانية إلى سلع تباع وتشترى، وإلى شعور الاغتراب داخل المجتمع.
نرى المفارقة في نص “اغنيه الصمت”: التي رمزت إلى بلاغة الصمت، حيث تكون المشاعر أعمق من أن تترجم إلى كلمات منطوقة.
جسدت الكاتبة لحظات الضعف الإنساني الطبيعي “خوف وارتباك، استسلام”، هذا الوهن أمام تقلبات القدر والواقع المفروض والظروف الضاغطة للإنسان.
نلاحظ البعد الأسطوري والملحمي من خلال عناوين الأسطورة والتراث “إرث عشتار”، هنا استدعاء لرمزية عشتار آلهة الحب والخصب والتجدد في الميثولوجيا القديمة، مما رمز إلى قوة المرأة، والقدرة على الانبعاث من الموت والدمار، ودلالة إلى استمرارية العيش والحياة.
اعتمدت أسلوب النهي المكرر “لا… لا تقل”، في دلالة على الرفض القاطع أو التوسل لمنع حدوث قول مؤلم، ودلالة معبرة عن صدمة متوقعة، أو رغبة في إنكار حقيقة قاسية “الموت أو الفراق”، مثلاً، قبل النطق بها.
صورت الشوق والحنين، “مسيرة شوق”، كأنه رحلة أو طريق طويل مستمر، في رمز ان العاطفة ليست مجرد شعور عابر، بل مسيرة حياة ممتدة ومليئة بالمعاناة والأمل.
استخدمت الشاعرة استعارة في عبارة “شال من ضياء”، البست النور والضوء صفة مادية “الشال”، الذي يوضع على الأكتاف، في رمز إلى النقاء، الطهر، الأمل، والإحاطة بالدفء والهداية وسط الظلام.
اختارت الشاعرة عنصر الطبيعة “العاصفة”، وهي ظاهرة طبيعية عنيفة تمثل الاضطراب الشديد والتقلب في الأجواء، في رمزية إلى الثورة الداخلية، الغضب، الصراعات النفسية، أو التحولات الجارية المفاجئة في الحياة.
أشارت إلى عدم القدرة على الفعل أو التعبير في قصيدة “عجز”، وهي دلالة تعكس لحظة الضعف الإنساني، قلة الحيلة أمام القدر ربما، أو وقوف الكلمات عاجزة أمام المشاعر الكبرى.
دعت إلى المعرفة والبحث في نص “مقاربة”، هنا رمزت إلى محاولة الوصول إلى فهم أو تفسير لشيء ما دون الإحاطة به، في دعوة منها إلى السعي الفكري، او محاولة فهم الذات والآخر والكون بشكل نسبي.
اعتمدت على التشخيص “قمر يغني”، في صورة سريالية جمعت بين القمر، والفعل الإنساني “الغناء”، رمز القمر هنا إلى الأمل في عتمة الليل، وغناؤه مثل الفرح، الإبداع، وانتصار الجمال على الحزن.
دعت الشاعرة إلى البحث العميق في المعاني في نص “فلسفة”، في دلالة إلى البحث العميق عن المعنى، التساؤل المستمر حول الوجود، ومحاولة عقلنة المشاعر والأحداث.
دعت لفتح باب الأمل في نص “حدوث ممكن”، وأكدت على تخطي العجز، وأن المعجزات او التحولات الإيجابية ليست مستحيلة، بل قابلة للتحقيق.
الرمز الأقوى في النص “قصيدة جناحاي قوسا قزح”، فقد جمع بين الجناحين اللذين يرمزان إلى الحرية، الانعتاق، والتحليق، وبين “قوس قزح”، الذي يرمز للتنوع، البهجة، والأمل الذي يأتي دائماً بعد المطر والعاصفة.
النص عبارة عن ملحمة جماليه وفلسفية، استخدمت الشاعرة نمط الشعر الحديث ، وصفت فيه مشاعر وجدانية و حالات إنسانية واجتماعية، معبقة بالحنين والشوق، وظفت أساليب اللغه لإضفاء إيقاع موسيقى عذب على النص، واختارت المعاني الأنثوية التي من شأنها توضيح المعنى.
برأيي الديوان عبارة عن دفقة شعورية باذخة، مفعمة بالحيوية والإبداع، والصور الفنية الملحمية الموحية، والتي أصفت عليها الكاتبة لمساتها لتقدم هذا العمل الرائع المتعمق في الوجدان الإنساني. أرجو لها المزيد من العطاء والإبداع.

