أفانين
كتاب شخصيات الدكتور محمد حسن البرغتي ومذكرات النخبة الليبية
أقلام

رجال في ذاكرة الوطن: قراءة في كتاب شخصيات للدكتور محمد حسن البرغتي

من قاعات قاريونس إلى السلك الدبلوماسي: محطات إنسانية وتاريخية في كتاب “شخصيات”

شخصيات (الجزء الأول)

الدكتور محمد حسن البرغتي

لا أخفي اهتمامي بالشخصيات التي برزت في ليبيا، خصوصًا ممن تركوا تاريخًا يمكن تتبعه، وكانت لهم إسهامات في الحياة العامة، سواء في المجالات الأدبية والثقافية والأكاديمية، أو في العمل الحكومي والسياسي والدبلوماسي. ويأتي الدكتور محمد حسن البرغتي في مقدمة هؤلاء؛ فقد سمعت عنه وقرأت له، دون أن أتشرف بمعرفته شخصيًا. بحثت عن إصداراته، وتابعت لقاءاته الإعلامية، وها أنا أرصد بعض ما أورده من مواقف مع شخصيات تعرّف إليها خلال مسيرته المهنية، التي أخذته من قاعات جامعة قاريونس إلى تمثيل ليبيا سفيرًا في البلاط الهاشمي بالأردن.

ضم الكتاب لمحات عن أربعين شخصية، اختارها المؤلف لتكون مادة الجزء الأول، واستهلها بشخصية معمر القذافي، لأسباب كثيرة قد لا أدرك جميع أبعادها، غير أن الوفاء يفسر جانبًا منها؛ فقد عرفه طالبًا جامعيًا، ثم خريجًا وأكاديميًا، قبل أن يختاره سفيرًا لليبيا في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو اختيار يحمل دلالات تتجاوز حدود الأردن. ويسرد السفير البرغتي ملامح من شخصية القذافي، وطريقته في التعامل مع السفراء؛ متى يسمع، ومتى يتحدث، ومتى يأمر، ومتى يغضب.

وشدني كثيرًا ما كتبه عن جامعة قاريونس، التي سبقني إليها عام 1975، فقد عاصر أحداث السابع من أبريل، ودوّن بعض ملامحها. كما أن تجربته في رئاسة تحرير مجلة الثقافة العربية فتحت له أبواب التواصل مع مثقفي ليبيا وكتّابها، ثم مع نخبة واسعة من الكتّاب والمفكرين في مختلف البلدان العربية.

شهادات تاريخية وملامح إنسانية من مسيرة السفير البرغتي

ومن الشخصيات التي تناولها الدكتور محمد المفتي، الطبيب الجراح الذي أعتز بأنني كنت أحد المتدربين على يديه، وعرفت عن قرب جوانب من شخصيته. وقد وجدت ما كتبه عنه منصفًا لرجل تحمل الكثير وقدم الكثير لوطنه، فهو شخصية جمعت بين الطب والعلم والعمل الاجتماعي والفن والرسم. كما يروي نبوءة الأستاذ أبوزيد عمر دوردة التي سمعها منه، وكيف تحققت لاحقًا، ليكتب عنه فصلًا من العمل الوطني الذي أُنجز رغم الصعوبات.

وأتاح له عمله في عمّان لقاء شخصيات ليبية وعربية بارزة، من بينها الدكتور علي عتيقة، الذي ترأس منظمة (الأوابك) أربعة عشر عامًا. رجل عصامي، سافر إلى الولايات المتحدة عام 1951 بشهادة إعدادية، وعاد عام 1958 حاصلًا على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ليشارك في بناء مؤسسات الدولة الليبية، من البنك المركزي إلى وزارة النفط والتخطيط، ويضع أول خطة خمسية للتنمية في ليبيا.

وفي عمّان أيضًا التقى طارق الهاشمي، الذي أورد له موقفًا لا يخلو من الدلالة؛ إذ اتصل به عام 2011 ناصحًا بما ينبغي أن يجري في ليبيا، مستندًا إلى تجربته القاسية في العراق.

ولا نغادر شؤون العراق، إذ ينتقل بنا إلى رغد، ابنة الرئيس صدام حسين؛ لقاءها مع الأب، وفراقها مع الزوج. ويروي السفير ذكرياته من جلسات عديدة مع أسرة صدام، التي استضافتها المملكة الأردنية، وحظيت كذلك برعاية من ليبيا. وفي هذه الصفحات لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يغوص في النفس البشرية، مستندًا إلى معرفته بتاريخ المنطقة وصراعاتها. ويأتي حديثه عن خروج رغد من العراق من دون جواز سفر، وسيرها على الأقدام، ليجسد كيف تتبدل الأحوال؛ فالدنيا تدور ولازالت تدور، كما كان يردد المرحوم أبوزيد عمر دوردة. ومن اللافت أيضًا أن السفير البرغتي كان، بطلب من أسرة صدام، وكيل حفيدته عند عقد زواجها، وهو ما يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية التي استطاع نسجها.

وتتواصل الحكايات مع خليفة الفاخري (جنقي)، صاحب موسم الحكايات، الأديب والدبلوماسي الليبي الذي كتب بصدق وإخلاص، واستشرف بيع الريح للمراكب… وأي مراكب!

ومن خلال الفاخري نقترب من الصادق النيهوم، وهما من أبرز أيقونات الثقافة والأدب في ليبيا، في علاقة تكشف جانبًا من طبيعة الوسط الثقافي والظروف الاجتماعية التي عاشاها، من سوق الحشيش إلى استوكهولم. كما ربطت الفاخري علاقة وثيقة بالشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، يورد الكاتب بعض ملامحها، ويختار أبياتًا من قصيدة يوميات العشاق الفقراء:

من أين يأتي النور

ونحن في كل العصور

حجر طاحون

نستبدل الأغلال بالأغلال

يبيعنا الطغاة للطغاة

والملوك للملوك

لكننا نظل صامدين

نكون واقفين

نبحر ميتين

لمدن المستقبل البعيد

نغتصب العالم بالموت والثورة

وبالرحيل

نموت في غربتنا ولكن نولد من جديد

ولا يفوتني ما أورده عن الشاعر والوزير معتوق الرقعي، رحمه الله، الذي تقلد مناصب عديدة في عهد المملكة الليبية، وكانت له مهام في وادي الشاطئ، ارتبطت في ذاكرتي بأشعار طالما سمعتها من زميله ومجايله الحاج محمد الكيلاني، رحمه الله.

يقول في إحدى قصائده:

رجعي وكنت وزير

وكنت في بدايات الشباب صغير

نا وزمرتي ورفاقتي الأحباب

ماشي عملنا في مجال الخير

ما يوم جا قاصد وقصده خاب

نوعدو ونقضوا والوعود تصير

ما عمرها كانت وعود سراب

وتاريخنا ما فيه ما ينعاب

واخذين درب أسلافنا الشهير

اللي بدوه في الخمسين قاب بقاب

وفيه كونوا دولة وشأن كبير

أكتفي في هذه الحلقة بهذه الشخصيات، التي عرضها الكاتب بأسلوب جميل، حاولت من خلال هذا التلخيص أن أقدم لمحة عن كاتب رصين وشخصية معاصرة، قدم للقارئ خلاصة تجربة معرفية وثقافية جديرة بالقراءة.

Keywords (الكلمات المفتاحية)

محمد حسن البرغتي, كتاب شخصيات, النخبة الليبية, تاريخ ليبيا, جامعة قاريونس, خليفة الفاخري, الصادق النيهوم, مذكرات ديبلوماسية.

3 Tags (الوسوم الثلاثة)

  • ثقافة وأدب
  • شخصيات ليبية
  • قراءات في كتب

ذات صلة

عن النيهوم، ورضوان أبوشويشة

suwaih

خضير الحميري: خطوط الكاريكاتير تُضحِك… لكنها لا تُمزِح

suwaih

الفراسة والذكاء العربي

suwaih

لماذا يكثر النقاد والأطباء في جوائز الرواية؟

suwaih

يوسف الختالي يقرأ “ذروة المجد والانهيار” في تاريخ سبتيموس سفيروس

suwaih

قلعة شيزر.. فاجعة خلدتها قصيدة

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد