في عمل فني معبّر، لا يقدّم الفنان الليبي العجيلي العبيدي مجرد لوحة، بل يضعنا أمام مرآة صادمة لواقع الصحافة الليبية—بين ماضٍ عريق كان فيه الصوت حرًا ومؤثرًا، وحاضر مثقل بالتحديات والانكسارات.
تظهر الصحافة في هذه اللوحة كعجوز أنهكته السنوات، ينحني تحت وطأة التعب، يستند على عصاه، بينما تحاول قدماه—إحداهما قلم—أن تواصل السير رغم العجز.
هذا المشهد ليس خيالًا فنيًا، بل اختزال مؤلم لمسيرة طويلة من العطاء انتهت إلى واقع هشّ يبحث عن توازن مفقود.
الصحافة الليبية التي امتدت جذورها لعشرات السنين، لم تصل إلى هذا الحال صدفة، ولم تتراجع بشكل طبيعي… بل تم إسقاطها تدريجيًا.
تم تهميشها، إضعافها، وتجريدها من دورها الحقيقي، حتى تحولت من سلطة رقابية تُخيف الفساد، إلى جسد مُنهك يصارع من أجل البقاء.
الرجل العجوز في اللوحة ليس مجرد رمز… إنه الصحافة نفسها.
عجوز، مُثقلة، تسير ببطء، تتكئ على عكاز، بينما قدمها الأخرى—القلم—لم يعد قادرًا على حملها كما كان.
قلمٌ فقد تأثيره… أو ربما فُقدت له المساحة ليؤثر.
أين هي الصحافة التي كانت تُحرّك الرأي العام؟
أين الصوت الحر الذي لا يُشترى ولا يُكمم؟
أين الكلمة التي كانت تُقلق الفاسدين وتكشف المستور؟
ما نراه اليوم ليس مجرد ضعف… بل نتيجة تراكمات من الإهمال، والتجاهل، والتضييق، وغياب الدعم الحقيقي.
صحافة تُترك لتصارع وحدها، في زمن تُدار فيه المعارك بالكلمة والصورة والمعلومة، بينما العالم من حولنا يبني إمبراطوريات إعلامية حديثة.
المؤلم أكثر، أننا لا نواجه فقط أزمة إمكانيات، بل أزمة اهتمام.
فالصحافة التي كانت ذاكرة وطن وصوت شعب، أصبحت اليوم تبحث عن من يعيد لها الاعتبار، ويمنحها فرصة للنهوض من جديد.
هذه اللوحة ليست فنًا فقط… بل اتهام صريح.
اتهام لكل من ساهم في تهميش الصحافة، لكل من صمت، ولكل من قبل أن تتحول الحقيقة إلى عكاز، والكلمة إلى حمل ثقيل بدل أن تكون قوة.
📌 الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها:
الصحافة الليبية لم تمت… لكنها تُترك لتشيخ ببطء، وهي تحاول—بآخر ما تبقى لها—أن تواصل السير.

