- ما وراء كواليس التحقيقات البصرية وتبويب “شاهد”.. هكذا أعادت “نيويورك تايمز” هندسة الإعلام المرئي
في عصر لم يعد فيه الجمهور مجرد قارئ أو مستمع، بل مستهلكاً عابراً للمنصات والأشكال التحريرية المختلفة في آن واحد، باتت صناعة الإعلام المرئي تتطلب رؤية تفوق مجرد زيادة حجم الإنتاج. هذا ما كشف عنه تقرير حديث للصحفي تيمو هنريكسون، نشره الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار “وان-إيفرا” (WAN-IFRA)، مستعرضاً التجربة الرائدة لصحيفة “نيويورك تايمز” في إعادة تنظيم عمليات إنتاج الفيديو وتوزيعه. ومن خلال التركيز على صيغة “القصص التي يجب مشاهدتها” – وهي تلك التي يضيف فيها الفيديو قيمة سردية لا يحققها النص وحده – نجحت الصحيفة في بناء منظومة متكاملة من الفرق المتخصصة؛ بدءاً من التحقيقات البصرية العميقة وصولاً إلى إطلاق تبويب “شاهد” (Watch) القائم على التصفح العمودي السريع، لتقدم نموذجاً ملهماً لكيفية صياغة مستقبل الصحافة المرئية داخل منصاتها وخارجها.
كشف تقرير للصحفي تيمو هنريكسون، نشره الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار “وان-إيفرا” (WAN-IFRA)، عن الكيفية التي أعادت بها صحيفة “نيويورك تايمز” تنظيم عمليات إنتاج الفيديو وتوزيعه، في محاولة لمواكبة التحولات المتسارعة في سلوك الجمهور الرقمي.
ونقل التقرير عن سولانا باين، مديرة الفيديو في صحيفة نيويورك تايمز، تأكيدها أن السؤال لم يعد ما إذا كان الجمهور يتجه نحو الفيديو، بل كيف يستهلك الجمهور الأخبار عبر أشكال متعددة في الوقت نفسه.
وأوضحت باين، خلال مشاركتها في المؤتمر العالمي لوسائل الإعلام الإخبارية بمدينة مرسيليا الفرنسية، أن البيانات الحديثة تشير إلى ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يشاهدون مقاطع إخبارية مصورة أسبوعيا من نحو نصف السكان عام 2021 إلى ما يقارب ثلاثة أرباع السكان حاليا، وهو ما يعادل نحو 250 مليون مشاهد أسبوعيا.
وأضافت أن المؤسسات الإعلامية لم تعد قادرة على التعامل مع الجمهور باعتباره قارئا أو مشاهدا أو مستمعا فقط، مشيرة إلى أن البيئة الرقمية دفعت المستخدمين إلى استهلاك المحتوى الإخباري بمختلف أشكاله في الوقت نفسه.
وبحسب التقرير، فإن “نيويورك تايمز” لا تتبنى سياسة تحويل كل قصة صحفية إلى فيديو، بل تركز على إنتاج ما تصفه بـ”القصص التي يجب مشاهدتها”، أي القصص التي يضيف لها الفيديو قيمة تحريرية لا يمكن تحقيقها بالنص وحده.
منظومة الفرق المتخصصة في غرف الأخبار
ولتحقيق ذلك، أنشأت الصحيفة مجموعة من الفرق المتخصصة ذات المهام الواضحة، وهي:
- فريق التحقيقات البصرية: يعتمد على صور الأقمار الصناعية ومقاطع الشهود والبيانات المفتوحة لإعادة بناء الأحداث المعقدة والتحقق منها.
- صحفيو الفيديو الميدانيون: يتولون التصوير وإجراء المقابلات ونقل الجمهور مباشرة إلى مواقع الأحداث.
- فريق تحويل التقارير: يتخصص في تحويل التقارير الصحفية المكتوبة التي تنتجها غرفة الأخبار إلى محتوى مرئي عندما يكون ذلك مناسباً.
- فريق الأخبار العاجلة والبث المباشر: يتولى التعامل مع الأحداث فور وقوعها، من خلال جمع المواد المصورة المتاحة وإنتاج فيديوهات سريعة مدعومة بالتقارير الأصلية للصحيفة.
- قسم البرامج (أحدث الإضافات): تطور انطلاقاً من نجاح الصحيفة في إنتاج برامج الفيديو الطويلة والبودكاست المرئي، ومن أبرز منتجاته برنامج “المقابلة” (The Interview) وسلسلة “بوب كاست” (Popcast)، اللذان يقدمان محتوى حوارياً يعتمد على المقابلات مع الشخصيات العامة وصناع الثقافة والفن.
حادثة مينيابوليس 2026: نموذج للتكامل التحريري
واستعرضت سولانا باين، مديرة الفيديو في صحيفة نيويورك تايمز، وفق ما أورده التقرير، حادثة إطلاق النار التي شهدتها مدينة مينيابوليس مطلع عام 2026 كنموذج عملي لكيفية تكامل هذه الفرق المختلفة.
فبعد ساعات قليلة من الحادثة تمكنت الصحيفة من مقارنة الروايات الرسمية بمقاطع مصورة التقطها شهود عيان، بينما واصل فريق التحقيقات البصرية جمع الأدلة وتحليلها لإنتاج رواية بصرية مفصلة خلال أقل من 24 ساعة.
وأضاف التقرير أن الصحيفة استفادت في الوقت نفسه من مقابلة كانت مرتبة مسبقاً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث جرى توظيف التسجيلات الصوتية والصور الملتقطة خلال اللقاء لإنتاج محتوى مرئي مرتبط بالحدث، إلى جانب شهادات ميدانية جمعها مصورون وصحفيون كانوا في محيط الواقعة.
إستراتيجية التوزيع المزدوجة وتبويب “شاهد”
وفي جانب التوزيع، أوضح التقرير أن “نيويورك تايمز” تعتمد إستراتيجية مزدوجة تقوم على نشر الفيديوهات داخل منصاتها وخارجها:
النشر الخارجي: يهدف إلى الوصول إلى جماهير جديدة تستهلك الأخبار عبر التطبيقات والمنصات الخارجية التي تركز أساساً على الفيديو.
النشر الداخلي: أطلقت الصحيفة داخل تطبيقها الخاص تبويباً جديداً يحمل اسم “شاهد” (Watch)، وهو مستوحى من آلية التصفح العمودي السريع المنتشرة في تطبيقات الفيديو القصير، ويشرف على هذا القسم محرر متخصص يتولى اختيار الفيديوهات وترتيبها بما يضمن تقديم تجربة مشاهدة متكاملة ومتنوعة.
ويخلص تقرير تيمو هنريكسون” المنشور في “وان-إيفرا” إلى أن نجاح الفيديو داخل المؤسسات الإخبارية لا يرتبط بزيادة حجم الإنتاج فحسب، بل بقدرة غرف الأخبار على تطوير هياكل تحريرية متخصصة، وإنتاج قصص تستفيد فعلياً من الإمكانات السردية التي يوفرها الفيديو.
الكلمات المفتاحية (Keywords): نيويورك تايمز، إستراتيجية الفيديو، وان-إيفرا، سولانا باين، التحقيقات البصرية، تبويب شاهد، تيمو هنريكسون، الصحافة الرقمية، الفيديو القصير، مينيابوليس 2026.
الوسوم (Tags): #نيويورك_تايمز، #إستراتيجية_الفيديو، #الصحافة_الرقمية

