أفانين
المعرض الفني "رؤى معاصرة"… حين يلتقي الجمال بالنقد.
أقلام

المعرض الفني “رؤى معاصرة”… حين يلتقي الجمال بالنقد.

د.عائشة محمد المسلاتي

لا تُقاس قيمة المعارض الفنية بعدد الأعمال المعروضة أو كثافة الحضور، وإنما بقدرتها على عكس نبض الحركة التشكيلية، وإثارة الحوار بين الفنان والعمل الفني والمتلقي. ومن هذا المنطلق، جاء المعرض الذي جمع نحو تسعين فنانًا ليؤكد أن المشهد التشكيلي لا يزال يمتلك طاقات إبداعية قادرة على تقديم رؤى بصرية متنوعة، تثري الذائقة وتفتح آفاقًا جديدة للتأمل. منذ اللحظة الأولى، يلفت انتباه الزائر ذلك التنوع الكبير في الأعمال والأساليب والخامات. فقد تنقلت العين بين اللوحة التشكيلية، والخزف، والنحت، وغيرها من الفنون البصرية، لتكتشف تعددًا في اللغات التعبيرية واختلافًا في المرجعيات الفكرية والجمالية. ولم يكن هذا التنوع مجرد اختلاف في التقنيات، بل كان انعكاسًا لتباين الرؤى التي يحملها الفنانون، الأمر الذي منح المعرض حيوية خاصة، وجعل كل عمل يضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد العام. ومن أبرز ما ميّز هذه التظاهرة الفنية تنظيم ورش عمل للأطفال والكبار، في خطوة تؤكد أن الفن ليس حكرًا على الفنانين وحدهم، بل هو مساحة مفتوحة للمشاركة والتفاعل. فقد أتاحت هذه الورش للزائر أن ينتقل من موقع المشاهد إلى موقع المشارك، ليعيش التجربة الجمالية بكل أبعادها، ويكتشف أن الفن ليس منتجًا يُشاهد فحسب، بل خبرة إنسانية تُمارس وتُحس وتُبنى من خلال التفاعل المباشر مع اللون والخامة والشكل. غير أن القراءة النقدية لأي معرض لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الإشادة، فنجاح التجربة لا يمنع من مساءلتها والبحث في آفاق تطويرها. فالمعرض، على أهميته، لا يمثل جميع مكونات المشهد التشكيلي، إذ لا تزال هناك تجارب فنية متميزة لم تجد طريقها إلى مثل هذه الفعاليات، رغم ما تمتلكه من قيمة فنية وإبداعية تستحق أن تكون حاضرة أمام الجمهور. كما أن الساحة التشكيلية تضم قامات فنية جمعت بين التعليم الأكاديمي والممارسة الإبداعية، إلى جانب فنانين صنعوا لأنفسهم أساليب خاصة ومتفردة، وأسهموا في إثراء الحركة الفنية بإنتاج أصيل، إلا أنهم لم ينالوا ما يستحقونه من اهتمام أو إنصاف داخل الوسط الفني. وهناك أيضًا من اختار عدم المشاركة، ليس عزوفًا عن الفن، وإنما لأنه يرى أن ازدحام المعارض، وغياب آليات واضحة تكفل العدالة في العرض والاهتمام، قد يفقد المشاركة قيمتها الحقيقية. وفي المقابل، هناك فنانون شباب يمتلكون الموهبة، لكنهم يحتاجون إلى دعوة صادقة، وتشجيع جاد، واحتضان من المؤسسات الثقافية حتى يجدوا مكانهم الطبيعي في المشهد التشكيلي. ومن زاوية أخرى، فإن أي تجربة فنية، مهما بلغت درجة نجاحها، لا تخلو من بعض الملاحظات المتعلقة بآليات العرض، وتنظيم فضاء المعرض، وتوزيع الأعمال، وغيرها من الجوانب التي تؤثر في تجربة الفنان والمتلقي معًا. ولا ينبغي النظر إلى هذه الملاحظات بوصفها انتقاصًا من قيمة الجهد المبذول، بل باعتبارها فرصة للمراجعة والتطوير، لأن الحركة الفنية لا تنمو بالمجاملة، وإنما بالنقد الواعي والحوار المسؤول. ومن هنا، فإن من الضروري أن يعقب هذا المعرض لقاء حواري أو ورشة عمل تجمع الفنانين والمنظمين والنقاد والمهتمين، بهدف تقييم التجربة، ورصد الإيجابيات والمعوقات، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تجنب ما ظهر من إشكالات، وتطوير المعارض القادمة، سواء من حيث آليات التنظيم، أو أساليب العرض، أو معايير المشاركة، بما يضمن حضورًا أكثر شمولًا وعدالةً لجميع التجارب الفنية. لقد أكد هذا المعرض أن الفن التشكيلي ما يزال قادرًا على جمع الناس حول الجمال، وأن المجتمع يمتلك شغفًا حقيقيًا بالفنون البصرية. غير أن مستقبل هذه الحركة مرهون بقدرتها على احتضان جميع الأصوات الإبداعية، وتوفير بيئة ثقافية تؤمن بالحوار، وتحترم الاختلاف، وتمنح كل فنان فرصته العادلة في الظهور. فالمعرض الفني لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لعرض الأعمال، بل محطة للتأمل، والمراجعة، وإعادة طرح الأسئلة حول واقع الفن واتجاهاته ومستقبله. وعندما يتحول النقد إلى ثقافة، والحوار إلى ممارسة، يصبح كل معرض خطوة جديدة نحو بناء مشهد تشكيلي أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على التعبير عن ثراء التجربة الفنية والإنسانية.

ذات صلة

التشريعات الإعلامية في النظام الصحفي الليبي خلال الفترة من 1969 حتى 2011 وإشکالية الحرية

suwaih

محو الأمية وسؤال العزوف عن القراءة .. أمّة تلتقط الصور مع الكتب

suwaih

التاريخي والوجودي: لماذا تنجو ثقافتنا من الصدمة؟

suwaih

عن النيهوم، ورضوان أبوشويشة

suwaih

غربال الجوائز.. ما الذي يبقى ولماذا؟

suwaih

المغربية الفاسية فاطمة بوهراكة خارج حدود الزمن

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد