أفانين
غــــلاف رواية الحب والبندقية
أقلام

قراءة في رواية الحب والبُندُقيّة للأسير المحرر رائد عبد الجليل

ثلاث وعشرون رصاصة وقلبٌ مضيء

صفاء أبو خضرة

الكاتبة صفاء أبو خضرة
الكاتبة صفاء أبو خضرة

يسرد رائد عبد الجليل الروايةـ، ويختبىءُ في ظلّها، كأنهُ أرادَ أن يقول إنها ليست حكايتي وحدي، إنها حكاية كل الشعب الفلسطيني المكلوم، حكاية جيلٍ بأكملهِ، عاش الاحتلال بكلّ عنفه وجبروته حتى اشتعلت الانتفاضة الثانية، وكانَ من ثوارها “رامي”، هذا الفتى الذي بنت يداهُ أسقف القرميد، وزخرف واجهاتها، ليجمع مالاً يكفيه من أجل حلمه للدراسة في الجامعة، لكنْ، كانت طريق الحلم وعرة، ولم يكن أمامهُ من خيارات، إما الحب، وإما البندقية.

اشترى رامي بما كسبهُ من مال بندقية، لتثورَ حبيبته، وتعرف أنّ الطريق التي كانت ستجمعهما صارت بعيدة، ومتفرّعة لاتجاهات لا عودة منها.

يأخذنا رائد في جولة في مدينة نابلس ورام الله، نقفُ معه على الحاجز الذي يحول دون وصول رامي إلى عمله ويعيدهُ إلى منزله مقهوراً، وغصة كبيرة في قلبه، نركبُ في الحافلة التي تقلّ الركاب داخل المدينة، نشمّ رائحة خبز بالزعتر تحمله امرأة في سلتها عندما تصعد في تلك الحافلة ويساعدها رامي في حملها، نستمع إلى الإذاعة وهي تنقل أخبار عملية فدائية، تسعد قلوب الركاب المكلومة، فترتفع الأصوات بالمباركة والدعاء لصاحبها، نجلس مع شخصيات الرواية في المقهى نشاهد بثاً عبر شاشته لسيارة محترقة تتدلى من نافذتها المحطمة يداً بجلد ٍ ذائب، ومحاولة الناس لإخراج من في السيارة، لكنّ الاشتعال الكبير يحولُ دون ذلك حتى انطفائها، ثمة طفلٌ صغير أيضاً يتصاعد من جسده الدخان، وقد صعدت روحهُ إلى السماء غضّة، طرية، لتكملَ طفولتها هناك، في الأعلى الذي لا يوجد به احتلال، ولا صواريخ ولا طائرات ولا بنادق تقنص الطفولة، وتحرق الأحلام كما تحرق الأجساد، يشاهد رامي كلّ ذلك ويبكي قلبه، بل يحترق، ليختار طريقه.

يحملُ بندقيته، ويخترقُ جداراً ضخماً، تحيط به كاميرات المراقبة من كل الاتجاهات، أعلى البرج وداخله جنود مدججون بالسلاح، يدخل إليهم حاملاَ قلباً ثائراً على الظلم، وروحاً محلّقة تبحث عن حرية مسلوبة، فتخترق جسده ثلاث وعشرون رصاصة وتأبى روحه أن تفارق ذلك الجسد.

في إيقاع يحافظ على التشويق ويمنح الشخصيات عمقاً نفسياً وإنسانياً، يتميز النص ببنية تتنقل بين الماضي والحاضر، في جولة مؤلمة وجارحة جداً، عبرَ غرف التفتيش والتحقيق، لنرى بشاعة وحقداً لا يمكن لنفس بشرية طبيعية أن تحتمله، يعرّفنا على منهجية الاحتلال في تعذيب الأسرى، كيفية التعامل معهم على أنهم ليسوا بشراً، بل أدنى من الحشرات، التفتيش العاري مع قصد الإهانة، يفتشون دمهُ قبل أن يفتشوا جسده، يؤذون روحه قبل أن يؤذوا جروحه، لذلك تبع المحتلّ منهجية التعذيب النفسي، من حيث الانتظار الطويل التي تتجاوز ست عشرة ساعة وربما أياماً بينما الأسير مشبوحاً على كرسي الشبح والقيود في قدميه ويديه دون مراعاة الجروح والأورام التي يعاني منها، محاولة خنقه لأخذ معلومة، التحقيق العنيف الضرب المبرح والشتيمة، ثم نقل الأسير من مكانٍ إلى مكان لمراتٍ كثيرة وعديدة مع الأسئلة ذاتها وتبدّل المحققين، دون السماح له بالراحة لو لبضع ساعات وهو مغمى العينين ودون السماح له بأن ينام، لا يرى إلا العتمة ولا يفكر إلا بالمجهول، وإخباره أيضاً أنه بالنسبة لأهله وأصدقائه ميت، عندها بكى قلب رامي، عندما تخيل أمهُ تبكيه وهو حيّ يرزق، هذا بالاضافة إلى وسائل التعذيب الجسدي، غير الشبح والضرب، التعذيب بالتبريد والتجويع، والعتمة، والعزل الانفرادي.

رائد عبد الجليل
رائد عبد الجليل

 ما لفتني في هذا العمل، وقد تبيّن لي في مقدمتها أنّ من كتب الرواية أسير، وقدم لها أسير، وكُتبت عن أسير.

رامي، الشاب الجرىء الثابت، الصورة المثالية التي برزت وجرّدت المحتلّ من إنسانيته، رغم كل محاولاته لتجريده منها، ونهب كرامته كما نهب الأرض وخيراتها، لكنهُ أيضاً يُبرز خيبة هذا الغاصب، وإحساسه الواضح بأنّ كل جبروته لم يفلح، في البدء عندما تمكن رامي من اختراق مكان محصن بكل الوسائل الحديثة، وحدهُ ببندقية، وبعض الذخيرة، والمرة الثانية بإفشال كل وسائل كسر إرادته، والثالثة عندما يشعر هذا الغاصب بالاعجاب وربما الاعتراف أخيراً، ببطولة هذا الثائر، وظهر ذلك في حوار بين رامي والجنرال أوري آدم، عندما سأله رامي:

-لو كنت أنت رامي الفلسطيني، ماذا كنت لتصنع؟

وبينما يواري إعجابه خلف عنجهيته يجيب: ليتني أستطيع أن أصنع ما صنعت؟

هنا، ندرك تماماً أن صاحب الحق دائماً أقوى، وأن الحقيقة مهما ووريت سبتقى مثل الشمس ظاهرة وواضحة.

أيضاً، يبرز الكاتب التفاصيل اليومية في مدينة نابلس وعلاقة رامي بأمه وأبيه وأصدقائه لتصبح هذه التفاصيل جزءاً من سردية المقاومة وليست مجرد سردٍ للأحداث. ويظهر ذلك جلياً عندما يتركنا رائد في حالة من الاشتعال الطويل دون أن يطفئنا، ينقلنا مع رامي إلى سراديب معتمة وصولاً إلى غرفة  صغيرة جداً تحت الأرض وعفنة، لها رائحة الجيف والموت، والقوارض تسرحُ وتمرحُ فيها، دون نافذة، بل ببابٍ موصد له صوت كأزيز الرصاص عندما يخترق الجسد، يبقى فيها رامي يقاوم أوجاعه وجروحه التي لم تتم علاجها، ينظر إلى يده المتورمة والمزرقة، يسرح في خياله باحثاً عن نقطة أمل، يتذكر عيني حبيبته الخضراوين، وصوت أمه المتهدج بـ (الله يرضى عليك)، مع أصدقائه عدلي ومحمود والطفل عميد الذي يحمله بين يديه يلاعبه ويسعد نفسه بكركرة ضحكاته البريئة، بعمله وهو يصنع القرميد ومحاولة تثبيته دون مسامير أو أي أدوات أخرى، لينهار السقف الذي بناه كما انهار جهازه العصبي جرّاء الآلام التي يعيشها، والتي تنتظره خلف ذلك الباب الموصد.

تجاوز رائد في هذه الرواية تجربة الفرد، عبرَ أحداثها وأبطالها، لتصبح رواية فلسطين، ورواية الإنسان وهو يحاول الحفاظ عل كرامته في مواجهة القهر والظلم.

هذه الرواية كُتبت من داخل الذاكرة الفلسطينية، قدمت مزيجاً من التوثيق والسرد في آن، فنجج رائد بالفعل بأنسنة رامي،  بوصفه إنساناً قبل وصفه مقاتلاً، وما آل إليه ما هو إلا نتاج فعلٍ منافٍ للأخلاق والمبادىء الإنسانية، نتاج الإجرام والذل والقهر.

هذه الرواية ممتلئة بالتفاصيل والأحداث، ممتلئة بالهمّ الفلسطيني بكلّ أطيافه، ولا يمكن حصرُها في مقالٍ بل تحتاج إلى الكثير من الحديث والنقاش.

وأخيراً، لا يطلب منا رائد أن ننحاز إلى البندقية، إنما إلى الإنسان الذي اضطرّ يوماً إلى حملها.

ذات صلة

أرسان الروح: فضاء مشبع بالذاكرة

suwaih

جليل العطية: من «جهين» إلى المخطوط، الخبر اليقين

suwaih

اغتيال الرواية في معرض القاهرة للكتاب: أسئلة الوعي والارتباك الأخلاقي

suwaih

الرواية والمدينة الفاضلة

suwaih

قراءة في كتاب “استعادة غسان كنفاني”:

suwaih

مستقبل الإذاعة بين الذكاء الاصطناعي وثقة الجمهور

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد