ياس خضير البياتي
منى سعيد الطاهر، ابنة بابل التي ولدت عام 1955، نشأت في مدينة الحلة، تلك المدينة التي تمتاز بعمقها التاريخي وثرائها الثقافي، حيث تتجاور بقايا الحضارات القديمة مع نهر الفرات الذي يمنحها حياةً وخصوبةً.
في أزقتها وأسواقها الشعبية، وبين بساتينها الغنّاء، تفتحت شخصية منى على حب الكلمة والصورة، لتجد في هذا المكان مزيجًا من الأصالة والحداثة، ومن التراث الشعبي والوعي السياسي.
الحلة، بما تحمله من إرث حضاري وذاكرة شعبية، شكّلت خلفية وجدانية لوعيها المبكر، فكانت بيئتها الأولى التي غذّت شغفها بالثقافة والفن، وأعطتها حسًّا اجتماعيًا جعلها قريبة من الناس وهمومهم.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الحلة لم تكن مجرد مدينة ولادة، بل كانت منبعًا روحيًا وثقافيًا صاغ شخصيتها، وأعطاها ذلك الحس الإنساني الذي ظل حاضرًا في كتاباتها ومقالاتها، حيث الأمل يتجاور مع الألم، والواقع يلتقي بالحلم.
بغداد كانت المحطة الثانية في حياتها، المدينة التي احتضنت طموحها وفتحت أمامها فضاءات أوسع للصحافة والأدب.
هناك، وسط صخب العاصمة وتنوعها الثقافي، وجدت منى نفسها في قلب الحركة الفكرية والسياسية، حيث تتجاور المقاهي الأدبية مع مقرات الصحف، وتلتقي الأصوات المتعددة في جدل لا ينتهي حول الوطن والحرية.
في بغداد، تبلورت شخصيتها الصحفية أكثر، إذ بدأت العمل في جريدة طريق الشعب عام 1975، لتخط أولى خطواتها في عالم التحرير والترجمة، وتصبح جزءًا من جيل يساري حمل هموم الناس وعبّر عنهم بالكلمة.
كانت بغداد بالنسبة لها مختبرًا حيًا للأفكار، ومسرحًا للتجارب، ونافذة على العالم، حيث التقت بالكتاب والفنانين والمثقفين، وشاركت في النقاشات التي صاغت ملامح الثقافة العراقية الحديثة.
مرحلة المهجر والخليج كانت بمثابة الأفق الثالث في حياتها، حيث خرجت من حدود العراق لتصبح صوتًا عربيًا يتجاوز الجغرافيا المحلية.
في الإمارات وقطر والبحرين، وجدت منى فضاءً جديدًا للكتابة والعمل الصحفي، فكتبت في صحف كبرى مثل الخليج والبيان والاتحاد، كما كانت مراسلة لصحيفة الحياة اللندنية في بغداد، وشاركت في تحرير مجلات عربية متنوعة.
وأسهمت في تحرير مجلات متنوعة، لتؤكد حضورها كصحفية محترفة قادرة على التكيف مع بيئات إعلامية مختلفة.
هناك، لم تكن مجرد ناقلة للأخبار، بل صارت جسرًا ثقافيًا بين العراق والعالم العربي، تحمل معها هموم الوطن وتجارب الناس، وتعيد صياغتها بلغة تتجاوز الحدود.
عملها في قناة الجزيرة للأطفال، وفي مجلات تُعنى بالمرأة والأسرة، أضاف إلى تجربتها بعدًا إنسانيًا جديدًا، حيث جمعت بين الصحافة الثقافية والاجتماعية، وبين أدب الأطفال الذي ظل جزءًا أصيلًا من رسالتها.
لقد منحها الخليج فرصة لتوسيع دائرة تأثيرها، فصارت مقالاتها تُقرأ في مدن متعددة، وصوتها يصل إلى جمهور عربي واسع، لتصبح بحق كاتبة عابرة للحدود، تحمل معها روح العراق أينما ذهبت، وتكتب بوعي إنساني يجعلها شاهدة على قضايا الأمة وهمومها المشتركة.
على امتداد عقود، تنقلت منى بين الصحافة العامة والأدب، فكانت محررة ومترجمة في دار ثقافة الأطفال، ورئيسة قسم الترجمة في مجلة ألف باء، وكاتبة أعمدة ثابتة في صحف عراقية وخليجية.
كتبت عن الناس وحكاياتهم، وعن قضايا المرأة والطفولة، لتصنع لنفسها مكانة خاصة كصحفية متعددة الاهتمامات، تجمع بين الحس الأدبي والدقة الصحفية.
في مجال أدب الأطفال، تركت بصمة واضحة عبر مجلات مجلتي والمزمار، وأصدرت كتبًا مترجمة عن الألمانية، إضافة إلى مؤلفات أصلية مثل من يوميات مظلة والجبل يشتري بقرة.
كما عملت في قناة الجزيرة للأطفال، وأسهمت في تطوير محتواها الثقافي والإعلامي.
منى ليست مجرد صحفية، بل كاتبة ومترجمة وباحثة، أصدرت كتبًا أدبية مثل أتكئ على الحنين، وجمر وندى، وصانعو الجمال، ورواية كدمات اليمام.
وقد نالت جوائز وتكريمات عديدة، منها جائزة شمران الياسري للعمود الصحفي عام 2024، وجائزة أفضل صحفية عراقية من اليونسيف ونقابة الصحفيين عام 1999، إضافة إلى تكريمات من مؤسسات عربية ودولية.
هي أيضًا ناشطة نقابية، وعضو في نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد العالمي للصحافة، كما شاركت في إدارة قاعة تشكيلية ببغداد، لتؤكد أن الصحافة والفن عندها وجهان لرسالة واحدة.
في مقالاتها الصحفية، ولا سيما في عمودها الثابت بجريدة طريق الشعب، كانت تُصغي إلى نبض الناس وتكتب بلسانهم، لتجعل من الصحافة مرآة لهمومهم اليومية وصراعاتهم الاجتماعية.
فهي كاتبة يسارية الهوى، ترى أن رسالتها الحقيقية هي التعبير عن الناس والدفاع عن قضاياهم، لا مجرّد تسجيل الأحداث.
في كتاباتها، يتجاور النقد السياسي مع الحكايات الإنسانية، لتتحول المقالة إلى مساحة مفتوحة للوعي الجمعي، وإلى صوت يطالب بالعدالة والكرامة.
بهذا المعنى، لم تكن مقالاتها مجرد نصوص صحفية، بل شهادات حيّة على معاناة الناس وأحلامهم، وعلى إيمانها العميق بأن الصحافة فعل مقاومة ووسيلة لتغيير الواقع.
لقد كان لقائي المباشر بالصحفية في أربيل محطة فارقة، إذ أتاح لي أن أتعرف عن قرب على شخصيتها المشرقة وحبها للحياة. لم ترَ فيها مجرد صحفية وكاتبة، بل امرأة تحمل في قلبها حبًا للحياة ومرونة نادرة في العلاقات الاجتماعية، تتحرك بخفة بين مدن العراق كالأخطبوط، حاضرة في الفعاليات الثقافية، منفتحة على الناس، وفاعلة في محيطها.
لم تكن مجرد صحفية تكتب أو مترجمة تنقل المعنى، بل كانت روحًا متوهجة تُضيء محيطها أينما حلّت. حضورها يشبه نافذة مفتوحة على الأمل، إذ تجمع بين قوة التجربة ودفء الإنسانية، وبين صلابة الموقف ورقة القلب.
في مجالسها، يتجاور الحديث عن الثقافة والفن مع الحكايات اليومية البسيطة، لتصنع من كل لقاء مساحة إنسانية نابضة بالحياة.
لكن ما أثار دهشتي أكثر لم يكن نشاطها وحده، بل سلوكها وطريقتها في مواجهة الحياة. فقد عاشت ظروفًا عائلية قاسية بفقدان زوجها مبكرًا، ثم واجهت مرض السرطان بشجاعة نادرة، ومع ذلك لم تنكسر، بل حولت الألم إلى طاقة، واليأس إلى أمل.
كانت ابتسامتها رسالة، وصبرها درسًا، وحضورها شهادة على أن الإنسان يمكن أن ينتصر على محنه بالحب والإرادة.
لهذا لم يكن غريبًا أن ألقبها بـ سيدة الأمل؛ فهي تجسيد حي لقدرة الروح على تجاوز الخسارات وصياغة حياة جديدة رغم الجراح. امرأة جعلت من الأمل هوية، ومن الصمود عنوانًا، ومن الصحافة والأدب جسرًا يصلها بالناس ويمنحهم القوة.
منى سعيد الطاهر هي سيرة عراقية تختزل نصف قرن من العمل الصحفي والأدبي، امرأة جعلت من الكلمة جسرًا بين الأجيال، ومن الترجمة نافذة على العالم، ومن الصحافة ساحة للدفاع عن الحقيقة والجمال.
إنها صوت بابل الذي ظل حاضرًا في بغداد والدوحة وأبوظبي، وفي كل مكان حملت إليه قلمها، لتكتب تاريخًا شخصيًا يوازي تاريخ وطن بأكمله



