أفانين
الخيول في الفن التشكيلي: صهيل اللون وعنفوان الحركة بين الأسطورة والتأويل الذاتي
الفنون

الخيول في الفن التشكيلي: صهيل اللون وعنفوان الحركة بين الأسطورة والتأويل الذاتي

  • من كهوف الإنسان الأول إلى ريشة فائق حسن.. كيف تحول الجواد من نموذج واقعي إلى رمز للحرية والقلق الوجودي؟

جمال العتّابي


منذ الرسوم البدائية في كهوف الإنسان الأول، كانت الخيول بوصفها كائنات مدهشة في الحركة والتكوين والقوة بما تستعصي على الترويض الكامل، بدأ يتشكّل الجواد رمزاً بصرياً يتجاوز وظيفته الواقعية إلى استثارة الخيال، تتقاطع فيه الأسطورة بالتجربة اليومية. ظهر الجواد في مختلف الفنون الإنسانية منذ تلك العصور، وهو لم ينفك عن الظهور حتى يومنا هذا، على جدران المغاور كانت الخيول طليقة منقوشة، على جانب كبير من الوضوح والدّقة في الخطوط والمعرفة بالمقاييس الصحيحة. ليست بوصفها صورة، بل هي تاريخ من المعاني، وسردية تتجدد مع كل تجربة فنية تعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نرى الحركة، وكيف نرسم الحرية؟


انطوى تمثيل الخيل في العصور القديمة على مسارين متوازيين: الأول توصيفي يسعى إلى التقاط الحركة والهيئة بدقة، والثاني رمزي يحمّل الجسد دلالات تتصل بالبطولة والسلطة والهيمنة. ففي الفن المصري القديم، كما في النقوش الآشورية، والبابلية، نجد الحصان جزءاً من مشهد الحرب والصيد، حيث تتكامل صورته مع العربة والملك.

مسارات تمثيل الخيل في الفنون القديمة وعصر النهضة


أما في الفنون الإغريقية، فقد تحوّل الحصان إلى موضوع جمالي بامتياز، حيث عُني الفنانون بدراسة حركته وتوازناته، فظهرت تماثيله ولوحاته وقد اكتسبت رشاقة عضوية ودقة تشريحية، تؤشر إلى انتقال الفن من الرمز إلى المعرفة. وفي العصور الوسطى، ظل الحصان ملازماً لصورة الفارس، لكنّه اكتسب أبعاداً سردية، إذ غدا جزءاً من حكايات البطولة والملاحم، حيث تتداخل الواقعة التاريخية بالخيال الشعبي.


ومع عصر النهضة، بلغ تمثيل الخيل ذروة جديدة، إذ انصرف الفنانون إلى دراسة الحركة والزمن، فكان الحصان مختبراً بصرياً لقياس قدرة الفنان على تمثيل الدينامية. ولم يكن من المصادفة أن ينجذب فنانون كبار إلى هذا الموضوع، لأنه يختبر مهاراتهم في رسم التوتر بين السكون والانطلاق، بين الكتلة والفراغ.


لقد كان الفنان دافنشي فارساً خبيراً بالخيل، بلغ من تعلّقه بها ومن معرفته بشؤونها أنه ألّف كتباً خاصاً عن تشريح الخيل وتكوينها، هذه الخبرة أظهرها في مجموعة رسومه الخاطفة التي تظهر ادراكاً عميقاً لحركة الخيول. ويعدّ الرسام الإنكليزي “جورج ستابس” أشهر من رسم الخيول بعد أن طوّر مهاراته لوحده وذهب إلى أدقّ التفاصيل التشريحية، ودرجاتها اللونية. ولشدة شغفه برسمها، سُمّي الرسام “بيتر بول روبنس” بـ “رسام الخيول”.

ويعطينا الرسام الأسباني “غويا” صوراَ لجياد أكثر نبلاً من الملوك الراكبين ظهورها، ومن كبار الفنانين المحدثين الذين عنوا برسم الخيول الفنان “ديغا” الذي كرّس الكثير من فنه للتعبير عن كل الحركات والرعشات التي تهيمن على ميادين سباق الخيل.
ومنذ ذلك الحين، ظلت الخيول علامة على التمكن الفني، مفردة تشكيلية ترمز إلى القوة والجمال والحب والبطولة، فرضت نفسها على المدارس التشكيلية كافة، بما أهّلها أن تكون عنصر جذب في اهتمام المبدعين.

التحول الدلالي مع الحداثة والنزوع نحو التجريد


غير أن التحول الأهم في دلالة الخيل جاء مع الحداثة، حيث لم يعد الموضوع مقيداً بواقعيته، بل انفتح على تأويلات ذاتية. فالحصان لم يعد فقط جسداً متحركاً، بل صار علامة على الداخل الإنساني: على القلق، والاندفاع، والرغبة في التحرر. في هذا السياق، لم تعد الدقة التشريحية شرطاً، بل أصبح التشويه، والاختزال، والتجريد وسائل لإعادة اكتشاف المعنى.

خصوصية الجواد في الوعي الجمعي والتجربة التشكيلية العراقية


في التجربة العراقية، يتخذ الحصان مكانة خاصة، لأنه يرتبط بذاكرة الصحراء والبادية، وبسرديات الفروسية التي شكّلت جزءاً من الوعي الجمعي. ومن هنا، فإن حضوره في الفن العراقي لا يمكن فصله عن البيئة الثقافية التي أنجبته. لقد وجد الفنانون العراقيون في الحصان موضوعاً قادراً على استيعاب تحولاتهم الجمالية، وعلى التعبير عن توتراتهم الوجودية.


ويبرز في هذا السياق اسم الفنان فائق حسن بوصفه العلامة الأبرز في تمثيل الخيل عراقياً. هنا تنبغي الإشارة إلى الخطأ الفادح الذي وقع فيه بعض النقاد في وصفهم الفنان فائق حسن انه “رسام خيول” صحيح أنه استطاع أن يحوّل الحصان من موضوع تقليدي إلى لغة تشكيلية قائمة بذاتها. لكنه لم يكن ضمن اهتماماته الأولى، بيد أن خيوله تبدو مشحونة بطاقة داخلية، تنبض بالحركة حتى في لحظات السكون، وتكاد تخرج من حدود اللوحة.
ما يميز تجربة فائق حسن أنه لم يتعامل مع الحصان بوصفه نموذجاً ثابتاً، بل بوصفه كائناً متغيراً، يخضع لتبدلات الضوء واللون والانفعال. ففي بعض أعماله، يبدو الحصان كتلة لونية متفجرة، تتداخل فيها الخطوط والألوان، بينما في أعمال أخرى، نراه أكثر هدوءاً، لكنّه لا يفقد توتره الداخلي. هذا التذبذب بين الانفجار والاحتواء هو ما يمنح أعماله عمقها التعبيري.


وخيول الفنان كاظم حيدر في ملحمة الشهيد، تبدو خيولاً منهمكة في معركة الطّف، تقابلها خيول مستنفرة، تميزت بأشكالها التكعيبية والتجريدية. واقترنت تجربة عامر العبيدي بالخيول والصحراء والفضاء منذ بداية مسيرته الفنية، مستمداً من ذلك موضوعات تاريخية وتراثية للبطولة الإنسانية، الخيول لديه قيمة جمالية ورمزية.
إن قراءة تجربة الخيل في الفن التشكيلي، من بداياتها الأولى إلى تجلياتها الحديثة، تكشف عن مسار طويل من التحول الدلالي، حيث انتقل الحصان من كائن مرسوم إلى فكرة بصرية، ومن موضوع خارجي إلى تجربة داخلية. وفي هذا المسار، تظل التجربة العراقية، ممثلة بفائق حسن، واحدة من أبرز اللحظات التي أعادت تعريف هذا الموضوع، ومنحته أفقاً جديداً، يجمع بين الذاكرة والحداثة، بين الواقع والحلم.

الكلمات المفتاحية (Keywords): الخيول في الفن التشكيلي، فائق حسن، جمال العتابي، جورج ستابس، دافنشي، كاظم حيدر، عامر العبيدي، الرسم العراقي، الفن الحديث، الرموز البصرية.

الوسوم (Tags): #الخيول_في_الفن، #فائق_حسن، #جمال_العتّابي

ذات صلة

مدحت صالح وعمرو سليم يشعلان النافورة.. ونادية مصطفى تتألق

suwaih

النجمات العربيات يتألقن على السجادة الحمراء في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي

suwaih

لغز «بخنوق عيشة»: رحلة النص المشفّر من رمال ليبيا إلى مسارح الرشيدية بتونس

suwaih

المتسابق الليبي إبراهيم حفيظة يودّع «ذا فويس»

suwaih

أسماء جلال تعود للسينما بعد النجاح في دراما رمضان 2025

suwaih

خدوجة صبري تقتحم السباق الرمضاني بـ “زناقي العز” وأعمال اجتماعية متنوعة

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد