أفانين
هيوم بيفارد
الفنون

هارولد هيوم بيفارد: حين ارتسمت العبقرية في سماء اللوحة والطيران

في زخم العصر الفيكتوري المتأخر، حيث كانت الإمبراطورية البريطانية في أوج مجدها، والصناعة تنفث دخانها في سماء لندن، وتيارات فنية جديدة تتشكل على حافة الحداثة، وُلِد رجل لم يكتفِ بأن يكون نجمًا في سماء واحدة. كان هارولد هيوم بيفارد (1867-1938) فنانًا من طراز خاص، لكن عبقريته لم تنحصر بين حدود إطاره الخشبي أو على صفحات المجلات التي زينتها رسوماته. لقد كان فنانًا بمعنى الكلمة الأوسع، حيث جعل من حياته لوحة فنية متحركة، ومن تجاربه مغامرة إبداعية شملت الريشة واللون والطباشير، ثم امتدت لتشمل المعدن والمحرك والسماء.

الجذور الهندية والنشأة المتمردة

وُلِد هارولد هيوم بيفارد في العاشر من أغسطس عام 1867 في حي ماريليبون بلندن، لكن جذوره كانت تمتد إلى أراضي الهند البعيدة، حيث عمل والده تشارلز بيفارد كموظف سامٍ في المحكمة العليا في كلكتا . وكانت والدته إميلي هيوم ابنة محامٍ وقاضٍ في كلكتا أيضًا، مما جعل عالم الإمبراطورية واتساعها جزءًا من تشكيله الوجداني المبكر . كان هارولد السادس بين إخوته، وقد وُلد أربعة من إخوته الأكبر منه في الهند، بينما كان هو أول من يولد في إنجلترا .

ولعل هذا المزيج بين الانضباط البريطاني واتساع الأفق الاستعماري قد شكل ملامح شخصيته الجريحة والمتمردة في آنٍ واحد. أرسله والده إلى مدرسة “لانسينغ” المرموقة، حيث كان من المفترض أن يصبح رجلاً محترمًا مثل أسلافه . لكن هارولد الشاب كان لديه خطط أخرى. لقد كان ذلك الصبي الذي أدى رقصة الحرب الخاصة بالسكان الأصليين فوق جسر للسكك الحديدية أمام قاطرة مقبلة، قبل أن يقفز إلى النهر تحته هربًا من الموت المحقق . كانت هذه الحادثة بمثابة إعلان واضح: هذا رجل لا يخاف المخاطرة، ولا يعترف بالحواجز.

في لحظة من التمرد الجميل، هرب هارولد من المدرسة بحثًا عن عمل في عالم المسرح، قاضيًا عدة ليالٍ على ضفاف نهر التايمز متخذًا من الأرض فراشًا له، متنقلًا بين المسارح وقاعات الموسيقى . هذه الرغبة في الهروب من القيود ومن الشكلانية الصارمة للمجتمع الفيكتوري ستظل ترافقه طوال حياته. وبين عامي 1884 و1889، سافر إلى الهند وعمل في مزرعة شاي، ليعيش تجربة مختلفة تمامًا عن حياة النخبة في لندن .

بين قاعات الأكاديمية الملكية ودفء الاستوديو

عند عودته إلى لندن عام 1889، اتخذ قرارًا مصيريًا بالتفرغ للفن. التحق بدراسة الفن في مدارس الأكاديمية الملكية، وهناك صقل موهبته وأعد نفسه لعالم الفن الاحترافي . في عام 1895، حقق حلمه الأول بعرض لوحته الأولى في المعرض الصيفي للأكاديمية الملكية . وقد كان هذا إنجازًا كبيرًا لأي فنان شاب، لكنه كان مجرد بداية لمسيرة حافلة.

لم يكتفِ بيفارد بلوحات المائدة الصغيرة، بل اتجه نحو اللوحات التاريخية الضخمة التي كانت تجسد الملاحم البطولية والمآسي الإنسانية. لوحته الشهيرة “سرقسطة 10 فبراير 1809” كانت عملاً طموحًا يصور بوحشية اقتحام قوات نابليون لكنيسة في إسبانيا، حيث يمتلئ المكان بالبارود والدماء، ويُداس الرهبان الإسبان تحت أقدام الجنود الفرنسيين . هذه اللوحة لم تكن مجرد سرد تاريخي جاف، بل كانت تعليقًا على العنف والاحتلال والإيمان، وهي موضوعات كانت شائكة في ذلك الوقت .

لقد رسم بيفارد مجموعة واسعة من الموضوعات، من المشاهد الكلاسيكية إلى المناظر الطبيعية، ومن لوحات الاستحمام إلى مشاهد الحروب . لكنه أدرك أن الاعتماد على اللوحات الضخمة وحدها قد لا يضمن دخلًا ثابتًا، خاصة بعد أن تزوج من هيلينا ووكر عام 1895 وبدأت أسرته في التوسع . لذا، اتجه ببراعة إلى عالم الرسوم التوضيحية، وهو المجال الذي سيجعله اسمًا مألوفًا في البيوت البريطانية.

ساحر الحبر والورق: illustrator بامتياز

بدأ بيفارد مسيرته كرسام توضيحي في عام 1894، متعاونًا مع أشهر المجلات في عصره، مثل “مجلة ذا ستراند” التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بشخصية شارلوك هولمز، و”ذا إلستريتد لندن نيوز” الشهيرة . في تلك المجلات، كانت رسوماته تنبض بالحياة، تصاحب القصص والروايات المتسلسلة التي كان الجمهور ينتظرها بشغف كل شهر.

لكن عبقريته الحقيقية في هذا المجال تجلت في توثيقه للعوالم الأدبية. لقد قام بتوضيح أكثر من مائة رواية لكبار الأدباء . تخيلوا معي القارئ الفيكتوري يجلس بجانب المدفأة، يقلب صفحات رواية لتشارلز ديكنز مثل “لغز إدوين درود”، وفجأة تنبض الشخصيات أمام عينيه برسوم بيفارد الدقيقة التي تظهر لقطة “وهو يقذف ببقايا النبيذ في وجه إدوين درود” أو مشهد الجالس على السرير كقطعة خشب ميتة .

لم يقتصر الأمر على ديكنز فقط، بل امتد ليشمل أعمال وليام ميكبيس ثاكيراي، وجورج إليوت، وكذلك كتاب المغامرات الشعبيين مثل جاي بوثبي وهاري كولينجوود، وحتى فرانسيس هودسون بورنيت . لقد كانت ريشته مرنة بشكل مذهل، تنتقل بين الواقعية الاجتماعية القاسية في كتابه “العبيد البيض في إنجلترا” الذي يصور معاناة عمال المصانع، وبين الرومانسية والغموض والحروب والخيال العلمي .

كان بيفارد فنانًا يخدم السرد بشكل مثالي. لم يكن يخنق النص برسوماته، بل كان يضيف إليه بُعدًا بصريًا يثريه ويسهله. وكما وصفه أحد النقاد، كانت لوحاته “درامية إلى حد الإثارة”، لكن ذلك ينطبق على قدرته على اختيار اللحظة الأكثر شحنًا عاطفيًا في النص وتحويلها إلى صورة خالدة .

حلم الطيران: من ريشة إلى جناح

في عام 1907، حدث التحول الأعجب في حياة بيفارد. بينما كان بيفارد في الاستوديو الخاص به في بيدفورد بارك، تشيزيك، بدأ قلبه ينبض بحب جديد: الطيران . في الوقت الذي كان فيه الأخوان رايت قد بدأا للتو في تحقيق أحلامهما، كان بيفارد شديد الانبهار بهذا التحدي الجديد. بدأ بتصميم نماذج للطائرات، وفي عام 1909 فاز بجائزة عن أحد نماذجه في معرض في أولمبيا .

ثم قرر أن ينتقل من النماذج إلى الحقيقة. لقد استخدم محركًا من نوع “ENV D” بقوة 40 حصانًا، وقام ببناء هيكل الطائرة بنفسه داخل الاستوديو الخاص به!  استأجر حظيرة في تورنهام غرين، وأكمل تجميع الآلة التي أطلق عليها لاحقًا “الطنان” (Hummingbird)، وهي طائرة ثنائية السطح ذات مروحة متغيرة الميل. في سبتمبر 1909، استأجر حقلاً في إيلينغ غرب لندن ليجرب حلمه .

تخيلوا المشهد: رجل في الأربعينيات من عمره، اعتاد على حمل الفرشاة والألوان، يجلس الآن في مقعد طائرة بدائية، مصنوعة من الخشب والقماش، محركها يزعج هدوء الريف الإنجليزي. وفقًا للشهادات، تمكن من الإقلاع مسافة “قدم أو اثنين عن الأرض لمسافة مئة ياردة أو نحو ذلك” . كانت تلك أول مرة يحلق فيها إنسان في سماء ذلك الحي اللندني. لكن السماء كانت تمتلك نكهة مختلفة عن قاعات الرسم. ففي ديسمبر 1909، دمرت عاصفة عنيفة الطائرة وخيمتها .

لكن بيفارد لم يكن رجلاً يستسلم بسهولة. أسس “شركة الطيارين المالية” مع صديقه المحامي جورج وينغفيلد، وانتقل إلى شورهام باي سي، بالقرب من مدرسته القديمة “لانسينغ” . هناك، أعاد بناء الطنان. في مايو 1910، كانت الطائرة جاهزة. بدأت الطائرة تقوم بقفزات قصيرة، مما أكسبها لقب “الجندب” (The Grasshopper) . وفي قفزة تاريخية في سبتمبر 1910، تمكن من الطيران على ارتفاع 30 أو 40 قدمًا لمسافة نصف ميل، حتى وصل إلى فندق “ساسكس باد” في حوالي 40 ثانية فقط .

لم يكن يعرف كيفية إدارة الطائرة في الهواء بعد، لكنه احتفل بالنصر بشمبانيا مع أصدقائه. وعندما طلبت منه شركة سينمائية محلية تصوير رحلته، وافق بثقة لا تتزعزع. كانت تلك نهاية الطنان. تجاهل التحذيرات من وجود خندق عميق في الحقل، وحاول التحليق فوقه، فتحطمت الطائرة تحطمًا كاملاً أمام الكاميرات . لكن أجمل ما في القصة، كما يروي المصور، هو أن بيفارد خرج من الحطام “بدا غير محبط على الإطلاق؛ في الواقع، ظننت أنني رأيت لمحة من الرضا في عينيه” . هذه العبارة تلخص روح بيفارد: فنان وطيار ومغامر، لا يهمه الوصول بقدر ما يهمه تجربة الإقلاع والسقوط.

عودة الفنان إلى الخنادق

بعد تجربة الطيران، التي أثبتت فشلها تقنيًا بعد محاولة أخرى في عام 1911 مع “هايدروبلين”، عاد بيفارد إلى أحضان الفن، الذي لم يتخل عنه أبدًا . ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، تغيرت موضوعاته. استدعى ذاكرته كرسام حربي، فأنتج لوحات مؤثرة مثل “الملاك الحقيقي لمونس” و”ذا ثين ريد لاين” التي أصبحت أيقونة للصمود البريطاني .

لقد رسم بيفارد جيله بأمانة. لوحة “ذا ثين ريد لاين” الشهيرة تخلد ذكرى الجنود الاسكتلنديين في معركة بالاكلافا، لكنها في سياق الحرب العالمية الأولى كانت بمثابة دعوة للفخر والاستمرارية. لقد وظف كل مهاراته كرسام تاريخي ورسام توضيحي لخدمة الروح الوطنية، راسمًا صورًا للبطولة والمعاناة في آنٍ معًا.

إرث خالد في فضاءين

مات هارولد هيوم بيفارد في 17 يناير 1939، ودُفن في مقبرة تشيسيك القديمة، وقد نسي العالم تقريبًا طياره الأول وفنه الساحر لفترة من الزمن . لكن سيرته تعود إلينا اليوم قصة استثنائية. كان رجلاً عاش في عصر كان فيه التخصص هو الشعار، لكنه رفض أن يكون محبوسًا في قالب واحد.

في متحف شورهام للطيران، يمكنك اليوم رؤية نسخة طبق الأصل من طائرته “الطنان” التي بنيت عام 2007، تخليدًا لذكرى رائد طيران غريب الأطوار تجرأ على الحلم . وفي صالات عرض الكتب القديمة، أو على جدران جامعات مثل “ذا فيكتوري ويب” التي توثق أعماله، لا تزال رسومات بيفارد تنبض بالحياة، تروي قصص ديكنز وثاكيراي، وتنقل القارئ عبر الزمن. إن تاريخ وفاته الذي يحمل الرقم 1938 على قبره (خطأ بينما توفي في 1939)  هو شهادة أخرى على طبيعته غير التقليدية، وكأنه حتى بعد رحيله أراد أن يظل غامضًا، بعيدًا عن الدقة المملة.

هارولد هيوم بيفارد هو قصة أولئك الذين يرفضون الاختيار بين شغفين. كان فنانًا لأنه طار، وكان طيارًا لأنه فنان. في كلا المجالين، كان يبحث عن نفس الشيء: تلك اللحظة النادرة التي تنطلق فيها الروح حرة، سواء كانت على جناحي طائرة بدائية تخترق رياح ساسكس، أو من خلال بقعة حبر على ورقة تخلق عالماً بأكمله.

ذات صلة

أسئلة الهوية في الفن المغربي وشعرية الكتابة: الإنتاج الدلالي والجمالي

suwaih

الكاريكاتير: عندما تصبح المبالغة أصدق من الواقع.

suwaih

أكاديمية الفنون تُكرم رائد المسرح المصري السيد بدير بعد 39 عامًا من آخر عروضه

suwaih

دليل صناعة المحتوى 2026: الأدوات، المنصات، والاستراتيجيات الناجحة

suwaih

الأوركسترا الإيطالية في افتتاح المتحف الوطني الليبي

suwaih

توفيق الباشا… رحلة موسيقية من بيروت إلى العالم

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد