أفانين
المسرح الليبي
الدراما

عناصر اللغة في المسرح الليبي المعاصر

من الفترة 2000-2010

دراسة تحليلية لنماذج مختارة

أ. محمد سالم عبد الكريم الشنطة

كلية الاعلام ، جامعة الزنتان

مقدمة

تعد اللغة وسيلة للتواصل ومن خلالها تتحقق الأفكار وتظهر الايدولوجيا التي يجسدها المبدع في نماذجه الشخصية، وخاصة إذا كانت تلك اللغة قائمة على حوار قائم بين تلك الشخصيات التي جسدها المبدع في عمله الأدبي ليكون الحوار وقتئذ هو المصور لتلك الشخصيات وطبائعها، ناقلا لفكرها متبنيا لقضيتها ومعبرا عنها، ويكون للحوار أهميته القصوى في العمل المسرحي بوجه خاص لأنه يقوم أساسا على التفاعل بين شخصيات المسرحية وتبادلهم للحديث والآراء، وعرضهم لوجهات النظر المختلفة للقضايا العديدة التي قد يناقشها أو يطرحها الكاتب المسرحي في مسرحيته، فموضوع المسرحية هو الذي يفرض على المبدع المسرحي لونا محددا من الاسلوب اللغوي، بمعنى إن موضوع المسرحية هو الذي يتدخل في تحديد لغة الحوار المسرحي فكلما كان الموضوع معاصرا مستمدا من واقعنا الذي نعيش فيه، كلما اقتربت لغة الحوار من هذا الواقع، وهذا ما نلمسه في معظم المسرحيات التي كتبت في فترة الدراسة، لذلك لوحظ أن بعض الكتاب أختزل موروثه الشعبي ووظفه في مسرحياته لخدمة قضايا المجتمع والبعض الأخر إعتمد على اللغة العربية الفصحى وثراء معانيها وتقنياتها السردية المختلفة، وهذا البحث لا يغوص في إشكالية الفصحى والعامية في الكتابة للمسرح، ولا في مدى الاستعمال العامي أو الفصيح في الحوار، ولكن في مدى صلاحية وقابلية المسرح للخضوع للغة بذاتها بلا إعتبار لطبيعة المسرح كفن تذوب فيه اللغة مع كافة مكوناته الاخرى التي لا تقف عند حد كلام الشخصيات وعبارات الالقاء، وانما تعدوه الى تصوير الجو وابعاد الاحداث النفسية والاجتماعية والفنية ايضا في مجاوبتها للجمهور المشاهد وتجاوبه معها .

مشكلة البحث :

معظم الدراسات للمسرح الليبي كانت تتجه نحو المضامين والاتجاهات الفنية العامة، لذلك اهتمت هذه الدراسة بقضايا الشكل الفني، وبالأخص عناصر اللغة في المسرح الليبي باحثا عن أهم أشكال هذه العناصر ومدى إثرائها للنص المسرحي قاطبة، لذا جاء إختيار أكثر الحقب الزمنية إنتاجا للمسرحية الليبية، وتمثل في الوقت نفسه مرحلة فنية ناضجة نوعا ما، من خلال إعتماد الكتاب على قيم ووسائل فنية ساهمت في إيصال المعنى والهدف للمتلقي.

أهمية البحث :

يتسم كاتب المسرح بالجرأة في مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية، لذلك يستوحي مادته المسرحية ومضمونها وشخوصها من تجارب وشخوص واقع المجتمع الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، ويجمع لغات متنوعة ويختزلها في قالب واحد ليشكل منها لغته المسرحية الخاصة، فمن هنا اتضحت أهمية اللغة في المسرح الليبي ومدى تفاعل وإنسجام المتلقي مع القضايا التي تطرحها بصيغها المختلفة عامية – فصحى – شعرية، وفق كل كاتب ومؤلف المخزونه الفكري والثقافي والفني الخاص به.

منهج البحث :

يعتمد البحث على المنهج “التحليلي” لتحليل الأعمال الدرامية وتفسيرها والكشف عن خصائصها، من خلال استقراء النصوص في سياقها للوصول إلى النتائج التي يمكن استخلاصها من تلك الاعمال الدرامية .

عينة البحث :

المسرحيات التي عرضت ما بين الاعوام 2000/2010

1- مسرحية (صورة جانبية لكاتب لم يكتب شيئا) أحمد إبراهيم الفقيه.

2- مسرحية (توقف) منصور أبوشناف.

3 مسرحية معرض أم بسيسي فتحي القابسي.

4- مسرحية (جريدة أم بسيسي فتحي القابسي.

5- مسرحية خرف يا شعيب ) داوود الحوتي.

6- مسرحية (الليل) علي الفلاح.

7 – مسرحية (شيخ القصر) أيوب عمرو قاسم.

الحوار الدرامي و أبعاده

ينقسم الحوار الدرامي المسرحي من الناحية الشكلية إلى نوعين، هما (الديالوج) و (المونولوج)، و ينقسم من الناحية الجمالية التعبيرية إلى أربعة أنواع مختلفة : فقد يكون الحوار نثرا أو شعرا، فصحى أو عامية، هذه الأنواع الأربع تحكمها ثنائيات إفتراضية إختيارية، قد تمتزج اللغة النثرية بالفصحى في ثنائية منفردة، وقد تمتزج بالعامية مكونة ثنائية أخرى، ونفس الحال ينطبق على اللغة الشعرية، فيكون الحوار إما نثري فصيح ونثري عامي، أو شعري فصيح وشعري عامي. والكاتب المسرحي عندما يختار إحدى هذه الثنائيات يكون هدفه الاساسي تحقيق نوع من الاتساق بين الشخصية ولغتها من جهة، والتواصل بين الشخصيات مع بعضها البعض من جهة أخرى، وبين لغة الشخصيات ولغة المتلقي من جهة ثالثة، وذلك لأن الكاتب المسرحي يطرح محتوى معين لابد أن يفهمه المتلقي ويستنتج دلالته وأبعادها، فالحوار في المسرح الليبي في فترة الدراسة يطرح نفسه من خلال ثلاثة محاور وهما البعد اللغوي والبعد الشعري والبعد السردي وهذه الإبعاد تتقاطع فيما بينها لتشكيل البنية الحوارية للنص المسرحي المعاصر المعبر عن القيم الاجتماعية والسياسية المراد مناقشتها لأهميتها عند المبدع والمتلقي على حد سواء .

أ- البعد اللغوي :

ويقصد به تعدد مستويات اللغة الحوارية مابين الفصحى والعامية وما بينهما من مناطق قريبة لكي يحمل النص المعنى والسياق الإيديولوجي السياسي متجاوزا المحلية الإقليمية ليخاطب جميع القراء، واللغة الفصحى يلجأ إليها المبدع أحيانا عندما يستمد مادته من الواقع وهو يحاول أن يعالج القضية العربية في لحظتها الراهنة وذلك لكي يقدم لنا اللغة باعتبارها تقنية تعبيرية، وهذا ما جعل ” أحمد إبراهيم الفقيه ” في مسرحيته ” صورة جانبية لكاتب لم يكتب شيئا ” يكتب حوارها بالفصحى كي يعبر عن قضية الكتاب الليبيين والعرب وما يعانوه من تجبر السلطة والرقيب عليهم وتكون هي لغة التواصل بين جميع الأقطار العربية إذ أن الهم واحد والمصير واحد، فقد اجتهد المؤلف في إنتقاء ألفاظها وعباراتها بعناية، فلغته فصحى سليمة من أي خلل تتسم بالمتانة والقوة، بكلمات تعبر عن الحدث وتخبر عن الموضوع وتضفي على الزمان والمكان حوارا طويلا أحيانا لكنه يصور الحدث، وينتقل الكاتب بين مستويات الكتابة ببراعة فائقة، حيث ارتفع بها عاليا في الدفاع عن نفسه وخط سير ونهج الكتابة الذي تبناه منذ بداياته، تدور وقائع الحدث الدرامى لهذا النص داخل بناء أحادى الصوت، يتمحور حول شخصية كاتب مصادرة

حريته في التواصل عبر الكتابة مع مجتمعه، يتخيل عالما وهميا ويستدعى أمامنا شخصيات أبتدعها أو عرفها في الحياة ملونة برؤيته هو ، ومجسدة عبر مخيلته، يطارده بالليل هاجس الحصول على جائزة نوبل، فالكاتب يعيش وهمًا صنعه بخياله الخلاّق ويدرك حقيقته، هنا يبدأ مسار البوح في التغير عبر نزع قناع السخرية من الذات بهدف نقد المجتمع، فقد تعلم كاتبنا في مدرسة داخلية ذات قواعد صارمة، ونما وعيه في ظل نظام له عيونه المراقبة خاصة فيما يتعلق بالرأى، ولا يسمح بالكتابة العلنية، حينما دخل مجال الإبداع، فهرب بداية للكتابة السرية بعيدًا عن العيون، ثم رضخ للأمر الواقع فأبتعد عن معالجة الواقع وقضاياه، ليتعلق بالأساطير الإغريقية، يحاكم آلهة الأولمب بدلاً من محاسبة آلهة وطنه، فتصير الكتابة عن الآخر تعويضًا إبداعيًا عن عدم القدرة على الكتابة عن بؤس الواقع، ولذا يضعنا أمام حادثة ذات دلالة حينما حاسبه أحد الرقباء على كتابته عنوانًا مثيرًا هو (الشفق الأحمر) لإحدى قصصه، ويحاسب على عشقه لفن الكتابة وطرح أفكار مغايرة لما هو سائد ومتسيد، وما أن يغيب الرقيب المتخيل، حتى يواجه الكاتب نفسه معلناً أن مشكلته ليست مع رقيب قائم خارجه، وإنما مع ميراث القمع الذي يحمله بداخله، وموافقته السابقة عليه جعلته يمارس إذلال ذاته ويؤسس الرقيب بأعماقه، ويقدم مرافعة عن نفسه لهيئة محكمة وهمية ضد الرقيب ممثل القوانين والأعراف والقيم التي عينه المجتمع حارسًا عليها، وفرض على الكاتب عدم الحديث في السياسة والدين والجنس، وعدم التعرض لقضايا الصراع المختلفة، إلا أن بعض من شخصيات قصصه التي ابتدعها تهاجمه متهمة إياه بأنه جعلها في موضع السخرية من الشخصيات القصصية الأخرى، وأنه لم يتصد للرقيب، لذا فهو يصرخ فيها أنه كاتب أحب وطنه، لكن قوى الظلام وقفت له بالمرصاد، وأنه سيكشف لهم عن أسماء الذين يديرون المؤسسة الظلامية مغتالة العقل وقاتلة الفكر والإبداع، لكن ما أن يبدأ في ذكر أول الأسماء، حتى تعلو الموسيقى وتخف الإضاءة، وتبدأ الستارة في الانغلاق فيهرب من تلك القوى التي تمتلك المسرح الذى يقدم عليه شهادته، إلى الجمهور المشاهد، طالبًا منه عدم الخوف، والوقوف معه لكشف هذه المؤسسة الظلامية:

” احمد : اردت أن اعيد صياغة اللغة أحطم قوالبها القديمة، أخرجها من العلب التي يحفظونها بها، أفتح أمامها أفقا جديدا لا يحده أحد، أردت أن أفعل باللغة العربية ما فعله دانتي باللغة الايطالية، شكسبير باللغة الانجليزية، هوجو بالفرنسية، أن أشحن مفردات اللغة بالدلالات الجديدة …. لقد أسرفت في توجيه الاتهامات، أرجوك أن تتريث معي قليلا، إنني لا ابلغ منزلة سقراط

ولا أريد مصير كمصيره ولا أن أتجرع سما مثله، لأن ما تقوله ألان هو ما قالوه لسقراط قبل أن يحكموا عليه بالموت . إذن الاعتراض ليس على ما اكتب ، وإنما على مبدأ الكتابة أساسا ، فهل يرضيك يا سيدي الرقيب أن أتوقف نهائيا عن الكتابة “[1]

إستخدام اللغة العربية الفصحى هنا يجسد فكرة الهوية سواء كانت هوية فكرية أو إجتماعية، فلقد أسس النص الدرامي السابق على فكرة الهوية الوطنية والانتماء الوطني والاعتزاز بالنفس والقلم والفكرة، ومن أولى هذه الخطوات الاعتزاز باللغة، واللغة هي أيقونة الوطن التي بدونها تطمس الهوية، وشفرات اللغة التي لا يعرف سبل فكها غير أهل اللغة أنفسهم تعتبر بمثابة البصمة الشخصية والهوية الوطنية، وعلى مسار زمن المسرحية كان بطلها الثوري الذي يجاهد في إنقاذ انتمائه لوطنه دون تنازل أو تهاون، فاستخدام اللغة الفصحى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحاولة الكاتب التعبير عن هموم الكتاب العرب جميعاً وما يعانوه من الأنظمة الحاكمة التي سلطت عليهم الأجهزة الأمنية كرقيب على مؤلفاتهم فيتحكمون في مخرجات إبداعهم الأدبي، حتى وصل بهم الحال إلى إستخدامهم للإطراء أو المدح لإنجازات الحاكم والإشادة بحكمه، فقد عملت هذه الأنظمة على إحباط الشخصية العربية وبصفة خاصة شخصية المثقف التي تملك قدراً من الوعي والحساسية في إدراك الواقع ولا تستطيع تغييره أو التفاعل معه فيأتي حديث الكاتب حوارا ذاتياً يتخيل شخصيات قد صنعها في رواياته وقصصه سابقاً، وكذلك في إستدعائه للرقيب الذي وقف يوماً من الأيام أمامه وهو يأمره بتغيير النهج في كتاباته وألا يدس السم في العسل، فكل الإيحاءات والرموز مكشوفة لديه، لذلك يفرض عليه مساراً معيناً بنهجه في كتاباته وإلا لاقى مصير من سبقوه ممن رفضوا توجيهاته.

وفي مسرحية ” توقف ” للكاتب منصور أبوشناف والتي كتبها باللغة الفصحى في محاولة منه لتجسيد واقع القيادات العسكرية العربية التي تتوهم النصر في كل الحروب التي خاضتها ولا ترضى بقول الحقيقة أو من يهمز بها لهم، فاللغة تبرز الطابع الفكري الذي أضفاه المؤلف على حوار مسرحيته، وقد اعتمد في ذلك على التقابل والازدواج بين مواقف الشخصيتين اللتين تختلفان في الاتجاهات والميول الفكرية، ومن خلال تلك العلاقات الدرامية القائمة على التناقض وتفاعلها، حاول المؤلف أن يوجد بعض الفروق من خلال الأسلوب الذي يوظف به الجمل ويطيلها ويقصرها طبقاً للموقف والشخصية، وعبر المؤلف في المسرحية عن القضية الفلسطينية التي تعد

إحدى أهم القضايا العربية على المستوى السياسي والقومي، فيسترجع هذا القائد تلك الحرب وكيف كان يواجه الإسرائيليين في الصحراء :

” عمر : كان الإسرائيليون يقصفوننا بالطيران .. أنت تزورين تاريخنا .. تسيئين لي .

فاطمة : أنا لا أزور ولا أسيء لك .. ذلك ما حدث.

عمر : ولكنني كنت أحارب عندها بالصحراء، وكذا كان الإسرائيليون بالصحراء، وكنا وجهاً لوجه نقتل منهم ويقتلون منا ، لم يكن ثمة إثارة بتلك الحرب .. حتى الموت كان أمراً عادياً [2]

تطرح المسرحية مفهوم الحرية ومزاعمها ووسائل إستخلاصها، ويرسم المؤلف خيوطها من فعل النهاية، أو من مرحلة النتائج وما آلت إليه الأحداث، إما أن تلك الأحداث هي نتيجة لـ أو تابعة لحدث أكبر، لكن بصورة أو بأخرى هي كاشفة لوضع قائم، وضع حتمي بشكل نفسي ومادي يخترق دواخل الأمور باحثاً عن هوية مفتقدة بين الخيال والواقع، الماضي والحاضر، الزيف والصدق، كل ذلك في رحلة العمر بين ( زوج وزوجته بين الواقع والخيال، ونلاحظ كلمات يقصفون – تزورين – الموت كان أمرا عاديا)، نلاحظ مدى قوة وقسوة هذه الكلمات ونبرة إستخدامها في موضع شديد القوة والحساسية، وقت الحرب يتساوى الموت والحياة، وفي ذكاء تتسلل المسرحية إلى نغمة سياسية، لا تواجه متاعب انهيار السلطة وضياع التسلط، ولكنها تعاني العوز والحرمان، في ظل علاقة توتر واضحة، بين الزوج والزوجة، الزوج الجندي المقاتل البطل، لا قبل الحرب ولا أثنائها، وقد عاد محطماً، أي أننا أمام صورتين لرجل واحد، صورة في الخيال لبطل مغوار، وصورة في الواقع لرجل مهزوم مقهور ، وضعنا الكاتب أمام الصورتين في ذات الوقت لفعل درامي من مؤلف يعي مفردات لعبته المسرحية إلى حد بعيد، ليوظف الواقع بشكل يشبه المونتاج المتوازي مع الماضي والحاضر، والواقع واستنطاق الخيال، إلا أنه هنا في المسرحية يعمل على إستنطاق عالم الصور كي يستكشف عالم الواقع، يقارن بين العالمين ويضع الأقدار في مشهد واحد، يشبه العبث، إلا أنه عبث مسئول ومحكوم بوعي المؤلف للواقع السياسي المعاش، وبين طيات الحوار نلاحظ توتر العلاقة بين الزوجين تماماً، فالتوتر هنا سببه ذلك الحب القديم، والمقيم لزوجة المحارب المخدوع بشعارات الوطنية وأمجاد الزعامة، ومن خلال قراءة بعض المفردات والأوصاف المتصلة بأساليب القتال، فإنها تكون مستوحاة من الحرب، تلك الحرب التي خاضها الزوج ووقع في الأسر، وفي الأخير عاد إلى عائلته (المحطمة) ليتأكد أن هذه الحرب بالنسبة له كانت من أجل لا شيء، وأنه وضع في إطار لعبة لا ناقة له فيها ولا

جمل، والإشارة إلى السلطة التي تمارس قهر شعبها بأنها تمارس (لعبة)، أي تفكر بأسلوب المجازفة والعبث بمقادير البشر وعدم الاكتراث بالنتائج الوخيمة، فقد ورد وصف تأمر مراكز القوى ضد بعضها البعض باللعبة على لسان الزوجة والزوج، وإذا أمعنا النظر في قراءة الكلمات وما وراء الكلمات في ضوء الواقع العربي عامة، وإخفاق حكامه في إدارته والخروج به من فخ العوز والتخلف بدعوى الحروب التي فرضت عليه، ووضوح نتائج الحرب التي كتبت هذه المسرحية على أضواء حرائقها، فإن المقولة الكاشفة لا تنكر وصف البطولة للمحاربين، ولا تنكر حق الوطن في أن نحارب من أجله، ولكن ما تنكره هو إرسال السلطة الشباب إلى ميادين القتال باسم الواجب والالتزام الوطني، دون أن تضمن حماية أسر المقاتلين من استشهد منهم ومن وقع في الأسر، ومن عاد منقوص الاستطاعة، هذا جوهر المعنى (الثاني) المختفي وراء عجز الزوج وشعوره، كما هو شعور زوجته بأن عمرها ضاع دون مقابل، حتى حُلم إنجاب طفل نفسه يشبه الحرب الوهمية :

” فاطمة : أنت .. كان الضحية طفلاً، لا يتعدى العاشرة .. كان جميلاً، أنا لم أقف لأراه، ولكن الذين شاهدوه قالوا إنه كان كالوردة.

عمر : بعد أن نحرر أذهاننا من العناصر المبتذلة.

فاطمة : لقد تأخر هذا الولد سيجعلني أجن سأشيب مبكراً، هو لا يعود آه خالد .. أجل خالد ولكن المدرسة، بحيرة حمراء وخمس نخلات وبدت أصابعه كأشجار نخل حول تلك البحيرة، تخيل ..

عمر : خمس نخلات وبحيرة حمراء ! لا شك أنه مشهد مثير جميل إلى حد الرعب “[2]

من البداية يلعب ” منصور أبوشناف ” على فكرة البحث عن جديد، الأمل المفقود، ورحلة البحث عن شيء ما، حتى هذا الشيء لم يتم تحديده بشكل واضح المعالم، إنما تعمد المؤلف كسر حاجز الخوف والدخول إلى عالم الواقع حتى لو كان أشد قسوة، إلا أنه الواقع وليس المتخيل، الصدق وليس الزيف، هو يفتح الجرح من أجل العلاج، دون أن يتركه هكذا حتى ينتهي الجسد كله، جسد الأمة المتهالك وسط الحروب والصراعات غير المسئولة، لذلك .. قامت المرأة، رمز الانبعاث والتجدد، وهذا دور مألوف منذ زمن الأساطير، إذ جمعت “إيزيس” أجزاء زوجها القتيل “أوزوريس”، وتمكنت بدموعها وصلواتها أن تعيده إلى الحياة، عن استيفاء هذا الركن الرمزي المعمق للتحول الدرامي، ليس في هذه المسرحية امرأة باستطاعتها ممارسة الفعل، ولكن

سعياً وراء هوية ضائعة مهددة، قد تعود عبر الحب أو عبر ولد وهمي لم يأت للحياة بعد، فالصراع ليس الزوجين، إنما يتجلى في مفارقة من نوع طريف ونادر ، إذ يتشكل طرفاه في مفارقة بين ما كان عليه الزوج في زمن مضى، وتناقضه مع ما هو عليه الآن، وتأتي المفارقة من أن الزوج الذي يعرف وصف الحالة الراهنة لا يريد أن يسلم بنتيجة ما أوصلته إليه هذه الحال، بما يؤكد إستلاب وعيه بفعل العجز ، لقد تخلى لزوجته عن دور القيام بكشف هذا التناقض لتقوم – من ثم بدور العنصر المقابل في تشكيل الصراع على إمتداد المشهد مع أنها، في حقيقتها الروحية والوجدانية، تقف في خندق” زوجها، وترى نفسها ضحية لذات السلطة المجرمة التي ضحت بزوجها، لتدور المسرحية بذكاء في فلك البحث عن الحب المفتقد بفعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. حتى لو جعلت من الحرب ظاهرياً دماراً للبشر، إلا أن الحرب الأكثر ضراوة هي تلك الحرب النفسية التي تختلج في الصدور وتدمر كل شيء جميل، بل وتعمل على محو الهوية الداخلية للفرد.

فالمسرحية لا تغادر المعقول، وإنما تتعمقه، تغوص فيه، وتتصيد غرائبه وتتعقبه لتنقل من خلاله مفارقات وغرائب في الطباع البشرية، تبدو للنظرة المتسرعة غير معقولة، في حين أنها تتوافق تماماً وطبائع هذه الشخصية في مثل هذا الموقف، وتحمل وجهاً من وجوه الدهشة والابتكار، الذي يدل على خصوبة الموهبة، وخصوصية الفكرة المسرحية، والقدرة على التضمين بحيث يمكن أن ترى الصراعات السياسية والحزبية ماثلة في علاقة زوجية إعتراها القلق والفتور في آخر مراحل الحياة، بل واصل التوقف، وما أشبه هذا الشكل من العلاقة بين الزوجين بنفس النمط من العلاقة في الكثير من مسرحيات العبث والتي يعاني فيها الزوجان من نزيف نفسي ومعاناة غير معلنة وصراع بين الماضي والحاضر والواقع والمأمول.

تتبدى ملامح الواقعية الخيالية في مسرحية “الليل”، للكاتب علي الفلاح فلغتها عامية ولكن تتخللها بعض الجمل والحوارات باللغة الفصحى، وهذا ما سنجده ما بين شخصية “سدينة” و “الجني” النص يستعير تيمة من الموروث الشرقي المليء بالأسرار، والأساطير، والعجائب خاصة حكايات ألف ليلة وليلة، ويقوم بتحديث هذه التيمة لقراءة واقع اني معاش، يعيشه المتلقي، فتيمة الجني القابع داخل القمقم، الذي ينتظر من يخرجه منه ليلبي له أمانيه، تحيلنا بشكل أساسي إلى مرجعية نصية هي حكاية علاء الدين والمصباح السحري)، وهي حكاية تقوم على دمج الواقع بالخيال، فالحكاية في جوهرها تعبير عن نسق ثقافي يعاني من الكبت والحرمان

والفاقة، لذلك فهو يخلق عبر الخيال نسقاً خيالياً ليعيد عبره معالجة الواقع المأزوم، وفعل الاندماج والتداخل هذا، تترتب عليه تضادات هي المفارقة ما بين الواقع، وعالم الخيال، وهي نقطة إنطلاق تجعل من الجني رغم عدم إنتمائه إلى عالم الإنسان، يعبر عبر الحوار الأول عن معطى إنساني واضح، هو رفض القيد، والرغبة في التحرر وتبدأ اللعبة النصية في العرض تنفتح باتجاه معطيات أكثر عمقاً على صعيد المعنى والدلالة :

” الجني : عميه ومعانديه كيف تقنعها إني أنا الجني موش خميس.

سدينة : تشرب قهوة يا خميس؟

الجني : لا.

سدينة : بالفصحى) لا تشرب القهوة، ولا تغفر لجارتك هفوة، ولو حاسبتك على النزوة بعد النزوة، لكبر الحساب، وتقطعت بك الأسباب يا من تحسد الجارة والجار، ولغير ذاتك لا تقيم اعتباراً.

الجني : (بالفصحى) تلبسينني من الوهم قضية، وتلصقين بي خميس هوية، ولا تكفين عن هذا الهراء لأجد نفسي مجرماً بين أعور وعمياء، وأنا جني بريء قصدت الخير ، فما طالني منه سوى الحسرة، أناني حسود، فما أن سمع خيراً يناله وعلى جاره يعود، حتى بدل النعمة نقمة.

سدينة : نالقانه لغته العربية سمحة، ونالقانه ما هو خميس خميس والله ما يعرف يمثل بالفصحى لو كان حتى أيصبي على راسه [3]

يتضح من هذا الحوار أن ثمة أزمة كبيرة سيكشف عنها بتداخل عالم الواقع بالخيال، هي في واقع الحال ليست أزمة فردية، فالمرأة تتعامل مع الجني وكأنه شخصية مألوفة لها، وكأنه لا ينتمي لعالم غير عالمها، وقد يعود ذلك إلى أن شخصية المرأة، كما يكشف عنها السياق النصي، قد عاشت مواقف إنسانية أكبر من هذا الموقف الذي تعيشه الآن مع الجني، فهو لا يولد في داخلها الخوف أو الاستغراب، وفي الوقت نفسه هي لا تطلب منه شيئاً شخصياً ليحقق لها طلبها أو أمنية مستحيلة، فالنص يستخدم طاقة الجني في الاستحضار، ليكشف لنا جزءاً من تاريخ شخصية سدينة، وهدف المؤلف من إستخدام الفصحى في هذا الحوار، للإيحاء بأن شخصية سدينة وأيضاً الجني يملكان قدراً من الثقافة والعلم تجعلهما شخصيتين محوريتين، لكي يضعها المتلقي في عين الاعتبار عند تواتر الأحداث ومضيها قدماً ، فتقوم باستدراجه لحوارات

بالفصحى لكي تعرف حقيقته وخصوصاً أن زوجها أمي لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، فاللغة هنا ساهمت في كشف خفايا الأحداث وتطوير مجرياتها .

ب – البعد الشعري :

الشعر الشعبي هو الشعر الذي يستمد كلماته وألفاظه وطريقة أدائه ومعانيه وأسلوبه من الحياة العامة أو الشعبية حيث يكتب باللهجة الدارجة، واختلف الكتاب الليبيون في التعامل مع الشعر الشعبي، فمنهم من عمل على تضمين حواراته ببعض الأبيات الشعرية الموحية والمكملة للحوار، ومنهم من اعتمد على الشعر كمادة أساسية في مشاهد كاملة من حوار الشخصيات فاستخدم فتحي القابسي” الشعر الشعبي في مسرحية معرض أم بسيسي” في قالب تراثي مشحون بالإيحاءات تفيد في تطوير المعاني والأفكار، هذه اللغة الشعرية الملحونة التي أرادها المؤلف أن تكون لها دلالة تراثية كانت تستعمل في عدة أشكال تراثية منها ” غناوي العلم ” و ” الضم القشة ” و” المجرودة ” صاغها بلغة شعبية عامية تتوافق مع إستلهام التراث الشعبي وتكييفه وعصرنته حسب روح العصر وأذواق الجماهير ، وهذه غالبا ما يلجأ إليها كتاب المسرحية النثرية لتطبيق قدر من الشعر لمسرحياتهم يعلون به من الجانب الدرامي [4]، فنرى توظيفاً هائلاً لطائر (السنونو) المهاجر السريع والمنتقل في لمح البصر من مكان إلى آخر حيث استخدمه المؤلف لتمرير رؤيته حول قضية عامة شائكة جداً ومتداخلة وهي قضية الحرية في مأساة ذلك الشاب الذي لاقى القمع ابتداء من بيته ثم مجال الدراسة ثم البحث عن وظيفة، فوجد نفسه أمام عقبات كبيرة وصدود من قبل هذه الإدارات والقائمين عليها وخصوصا أفراد الأمن سواء الموكلين بحراسة هذه المؤسسات:

العريف : صار فنان أنت معناها أكيده معاك حشيش يا دعي ياولد اعترف احسنلك

الجندي : تداوروا في عقاب الليل تحسابوا الدنيا سايبه تحسابوا الدنيا سايبه

العريف : فنان وفي عقاب الليل ورأس ميمتك ما نطلقك ورأس ميمتك ما نطلقك

الجندي : قطيعة تمشي الليل وحقك علي أنساعدك ما تاخدش على هالشكل في الجو رانا نفهمو

الفنان : آه .. هضا كلام خطير .. الشرطة بروحها تنسطل ياراجل “[5].

إعتمد الكاتب في هذا النص على غناوي” العلم وهو أحد فروع الشعر الشعبي الليبي التي تلعب دوراً رئيسياً في توصيل المعنى والمضمون، ووظفه المؤلف في مسار الأحداث وفي رسم ملامح الشخصية وتجسيدها موقفها النفسي، فالملاحظ تكرار جملة كاملة من كل بيت وهو تكرار

مفيد على المستوى الصوتي والإيقاعي ليعطي قيمة نغمية معينة، كما أن هذا التكرار نفسه يؤكد المضمون المطروح، فالحوار السابق عماده الأساسي ومحوره هذه الكلمة ” فنان ” حيث تصنع عوالم وفضاءات عديدة إثر هذه الكلمة التي تستدعي كل أنواع الفنون والأدب والحريات، وكأن الصراع هنا بين الرقي الإنساني والحرية الفكرية وبين أعداء الفن والإبداع، يضاف لهذه الكلمة كلمة أخرى أكثر أهمية وتأثيراً هي “المسرح” والتي تفيد أن الحياة بأكملها مسرح ولابد لنا أن نفهم دورنا وأن نبدع فيه، فالمسرح بكل تقنياته الصوتية واللونية وخاصة الديكور على خشبة المسرح يحدد ماهية القضية المطروحة والمسرح هنا ” رجال شرطة – إذاعة – فنان ” هذا المزج غير المنطقي بين الشرطة والإبداع ناقوس خطر يدق على المسرح يقف على أبوابه شرطي، فهذا نموذج للحوار الشعري القصير الذي يمثل السمة الغالبة في مسرحيات ” فتحي القابسي” وقد اشترك في هذه الأبيات القصيرة المتبادلة ثلاثة من المتحاورين، وبذلك ابتعد عن الرأي الذي يقول ويعاب على بعض المسرحيات أنها قصائد غنائية مقسمة إلى مقاطع، ثم يؤدي كل مقطع منها على لسان شخصية من شخصيات المسرحية، وهذا يؤدي إلى تقويض العمل المسرحي من أساسه [6]، فالمؤلف في تناصه من الشعر الشعبي لم يقم بعملية نسخ أو تقليد للنص الشعبي الغائب، فالعلاقة بين النص الحاضر والنص الغائب تقوم على عملية بناء وهدم، فتلك الأفكار أخذها المؤلف فهدمها وأعاد صياغتها في حواراته لتحمل تأويلاً ودلالات أخرى مختلفة عن دلالات النص الغائب، فنجد “علي” يفصح عن دواخله في هذا الحوار الشعري :

” علي : قريب الفجر يعلم ضيه واحنا ما حاجة في أيدينا .

لا مصروف ولا ماهية ولا حق الدخان خذينا .

هن هاذين قديم أوهامه .. يا شرهامه .. جاء شور العين وهي منضامة .

أنت قمره مامعاك قمر .. جبينك غر .. مثيلك مسع جاء في بر [5].

تأتي هذه العلاقة التناصية منسجمة مع السياق المسرحي، إن كان على مستوى الحدث أو على المستوى النفسي للشخصيات المسرحية، فمثل هذا الاختيار يثري فكرة الحدث، ويوضح الصورة ويحقّق التأثير المطلوب في نفس المتلقي الذي يربط بين الحالتين : إذ تتساوى نبرة الانكسار والحزن في صوت “علي” الذي أنشد أبيات الشعر الشعبي معبراً عن حزنه لضيق حالته المادية، مع نبرة الانكسار والحزن في صوت الشاعر الشعبي الذي عبر عن حزنه لفقد أهله، وهكذا فإن الشعر يتدخل في مواقف حاسمة في الحوار الدرامي، ليعكس المشاعر الداخلية

للأبطال ويقدم الانطباعات والانفعالات المصاحبة للحدث، مما يكمل الصورة المسرحية ويعمقها فاللغة الشعرية على وجه الخصوص تعتمد في حيويتها وإيحاءاتها على الصور التي تشكلها في عقل المتفرج الذي لا يتابع ما يدور على المنصة ببصره فحسب، بل يتابع الصور المتدفقة على السنة الشخصيات ببصيرته، فالصورة تملك قدرة عجيبة على توسيع أفاق المعاني البسيطة المباشرة وتعميق أبعادها ” فأذا كان الاسلوب التقريري المباشر يتعامل مع الافكار المجردة التي يتوجه بها الى العقل، فأن الاسلوب التصويري الفني يجسد الانفعالات والمشاعر وايضا الافكار ثم يتوجه الى الحواس ثم الاحاسيس التي تنقلها بدورها الى العقل [7]، ويسخر المؤلف في مسرحية “جريدة” أم “بسيسي” من التشدق بالشعارات والكم الهائل من الفساد الإداري والمالي من قبل مسئولي الدولة كالآتي :

” الأمين : أنا من رأي ما يحتاج انجيبو زواقة واجدين

وعندي حل لها لعجاج انركو كم سيارة طين

العضو 1 : كثر من اللمبات وزيد خليها تتفقهر في الليل

وعبي لافتات حديد ونقرشهم بزواق ايخيل

العضو 2 : وأنا شوري حفلة العشية مدايرلها برنامج مدروس

حنجيب الفرقة الموسيقية تعزف قدام الكردوس

حنخليها مية في المية انتو غير لايموني على الفلوس “[8].

الحوار سريع ومركز والألفاظ بسيطة وسلسة، لكنها مكتنزة بطاقة موسيقية، جعلت الحوار يقترب من الاسلوب الشعري وهو شيء تستفيد منه المسرحيات النثرية، وتضيف اليه قوة وغنى دلالياً وإيحائياً، كما أن مثل هذا النوع من التوظيف الشعري يزيد من دراما اللحظة المسرحية التي تستدعي ” القدرة على إيجاد اللغة التي يقتضيها الموقف، وتتلاءم واياه “[9].

واختلفت القافية في المقاطع الشعرية السابقة كل حسب الموضوع وحسب الشعر الشعبي المتناص منه، وهي من قصائد شعرية قديمة لشعراء شعبيين، استلهم منهم المؤلف هذه الأبيات وغير بعض مفرداتها لتخدم الموضوع والهدف وتجذب انتباه المتلقي، فالمفردات الاجتماع والرسمي – يا جماعة تعطى إيحاء بالخوف على المصلحة العامة ومعها يدور الزمن العام والواقعي ولكن تأتي جملة وعبى فيهم لفتات حديد” لتنذر بأن ما يحدث ما هو إلا نفاق ومظاهر لا يراد بها خدمة الوطن ولكن يراد بها مصالح شخصية.

إن المؤلف يؤسس مسرحياً مقولة لويس سي دي عن الصورة الشعرية ” إن الطابع الأعم للصورة هو كونها مرئية، ولكن من الواضح أن الصورة يمكن أن تستقي من الحواس الأخرى أكثر من استقائها من النظرة [10]، حيث يصنع عالماً درامياً من الصور الشعرية المتوالية ” فالشعر الدرامي يغطي فجوات بين الصور أكثر مما يفعله الشعر الغنائي أو التأملي “[10]، إنه يصنع من الواقع تشخيصاً حياً ينسب فيه صفات البشر إلى فكرة مجردة (الجدب) ويحولهم إلى شخوص حية مخادعة وماكرة تتحرك وتفعل في مملكتها ولها جند ورعايا على مسرح وجدان المشاهد ومخيلته، ليبرز من خلالها المؤلف مدى الفساد والتحايل في المؤسسات العامة والكم الهائل من السرقات والاختلاسات للمال العام بحجة الاحتفالات عديمة الجدوى للمواطن.

ويعبر ايضاً المؤلف عبر الحوارات الشعرية عن إستغلال المسئولين لأسماء المجاهدين أثناء حقبة الاستعمار الإيطالي وما يقومون به من خلق دعايات وشعارات وطنية في ظاهرها تكريماً لعطاء هؤلاء المجاهدين وأن المسئولين على دربهم سائرون ويعادون المشروع الإمبريالي الغربي وسياسات الدول الغربية في المنطقة العربية والإفريقية، وفي داخلها كلها سرقات ونهب الأموال الكادحين والفقراء من هذا الشعب، وهو ما يتجسد في الحوار التالي الذي يعبر عن وضع حجر الأساس لمدرسة باسم أحد المجاهدين :

” المذيع : أهلا بكم في وضع حجر الأساس لمدرسة الشهيد

هضاك الشجاع التراس اللي جاهد في كل الأوطان

المسئول : نحنا هضا حقه علينا انعلوه رايته شهيره

ونذكروه بالخير ديما وماندلو بحاجات غيره

يخرج المجاهد من ورائهم وهم يتوزعوا مسرعين

المجاهد : إيش اديروا هنا عاشر مرة يا هبود

إديروا حجر أساس على حاطيني في وسط بنود

وتلكوا في فلوس على اسمي والله لو كان نعود

ونصبح في الدنيا حي .. انكملكم نار وبارود [8].

اضفى الحوار الشعري هنا على الشخصيات طابعا خاصا يجعل خطابها وكأنه حديث نموذجي شديد الكثافة تختفي فيه التكرارات التي لاجدوى منها وإنما تصبح لكل كلمة وجملة البعد الجمالي الذي يمتع المتلقي ويحثه على متابعة النص بشغف لأنه يشبع رصيده الوجداني ،

فالحوار في النص السابق يحمل الكثير من الإيحاءات والدلالات وخاصة فيما يتعلق بفساد المسئولين والتبجح بأنهم رسل الوطنية والمحافظة على المكتسبات التي خلفها الاجداد المجاهدين لهم، ولكنهم في الحقيقة جعلوا من هذه الأسماء مطية للفساد والسرقة لكي لا يحاسبهم أحد، فعلى إسم هذا المجاهد للمرة العاشرة تقام حجر أساس لمرفق تعليمي أو صحي، ولكن توضع اللوحة والمخصصات المالية تذهب إلى جيوبهم ويتقاسموها، فتأتي دور اللغة الشعرية الساخرة من هذا التصرف والفاضحة له بخروج المجاهد وبعثه من جديد لكي يرد على كذبهم وتزويرهم واستغلالهم للمنصب العام في الإختلاس، واستلهم المؤلف هنا روح النصوص التراثية الشعرية لتضفي على المشهد المسرحي نوعاً من الهالة الشعبية وتكشف عن مكنونات شخصياته، وتضفي على الشخصيات طابعاً خاصاً يجعل خطابها وكأنه حديث نموذجي شديد الكثافة تختفي فيه التكرارات التي لا جدوى منها وإنما تصبح لكل كلمة وجملة، البعد الجمالي الذي يمتع المتلقي ويحثه على متابعة النص بشغف لأنه يشبع رصيده الوجداني.

ومن خلال هذا الحوار نجد مزاوجة بين عدة فنون :

الأول : الفن القصصي وكأن الحوار أشبه بالرواية .

الثاني : هو فن الخطاب المتمثل في المذيع .

الثالث : فن المقامة حيث أنطق الموتى المتمثلين في الشهيد”.

وعليه فإن هذا التزاوج الفني والأدبي والقصصي جعل من هذا الحوار الدرامي المسرحي منطلقاً للعديد من الخطوط الزمنية والمكانية والحدثية، حيث إستدعى معه الخط الزمني كل الحروب وشهدائها إلى جانب إستدعائه للموتى والحديث معهم ومعرفة مدى رضائهم وغضبهم مما يحدث هذه المزاوجة قد جعلت المتلقي يشارك بفاعلية في النص من خلال تذكر ما حدث في تاريخ الحروب والمعارك، وكان من الواضح هنا إطالة الحوار حتى يصل إلى أربعة أبيات أو أكثر على لسان الشخص الواحد، ويقول أحمد الحجاجي) : ” إن الإطالة تفيد الخطابية الراكدة، المتمخضة عن تطويق الشاعرية بالشعر والتفافها حول عنق الانطلاق وتقدم الحدث “[11]، ولكن هذه الإطالة لم تكن غريبة ولا شاذة عن الواقع في فاعلية الحوار وتجاوبه مع المألوف، ولم يخرق قواعد المنطق السليم، ومما يشفع للمؤلف هنا – أيضاً – أن المقام يتطلب تلك الإطالة للحوار حيث إن كلاً من شخصية المسئول والمجاهد في مجال عرض وذكر المآثر والأمجاد كل حسب واجبه تجاه وطنه، وهما وحدهما يستطيعان ذكر ذلك، ولو أن المؤلف أشرك

معهما غيرهما من الشخصيات في ذلك الحوار لجاء ذلك الإشراك مقحماً عليهما، والمسرحية الجيدة هي التي يطول فيها الحوار ويقصر حسب مقتضيات سير الأحداث وحجم الشخصيات، فالشخصيتان محوريتان في المسرحية وبالطبيعي أن يكون لديهما من الكلام الذي يقولانه أكثر من غيرهما من الشخصيات.

ويستحضر المؤلف قصيدة شعرية شعبية عبر علاقة تناصية تأتي منسجمة مع سياق الحدث الذي استحضرت فيه، ويدمج باستحضاره لهذه الأبيات الشعرية رؤيتين، رؤية الشاعر الشعبي لحالة الشعب الليبي المغيب عن حقيقة الأوضاع التي يمر بها ، ورؤيته هو لحالة “سعيد” الإنسان المهمش المغترب في وطن يسوده التمييز وغياب العدالة الإجتماعية، وذلك باعتماده على ما يعزز سلطة الحوار الدرامي بقول شعري يعبر فيه الشعر عن الحالة الشخصية النفسية والعاطفية :

” سعيد : ما من اللي هلبتنا .. لكن عليها وعلى الظروف سكتنا .

وما من اللي عشناها .. وما من اللي عدت وماريناها .

وغيرنا واكلين الناقه مع سقياها

ونحنا رقادة الريح فيها بتنا “[8].

استطاع المؤلف أن يجسد العواطف المختلطة لشخصية “سعيد” على شكل لوحة فنية، بدت باكية من زاوية وضاحكة مستبشرة من زاوية أخرى، ينظر المتلقي إلى “سعيد” من زاوية فيرى مشاعر المرارة والأسى التي تغمره لكونه إنساناً فقد حقوقه في المجتمع، لكنه حين ينظر إليه من الزاوية الأخرى يرى فيه صورة الثائر العاشق لوطنه وأهله وحول حكاية عشقه إلى مقاومة ورفض وعدم استسلام لواقع السلطة غير العادلة، ويستحضر تيمات ” الأفكار”، بين الواقعي والتاريخي، وبين الواقعي المعيشي والرمزي، ليعطي توليفاً ودلالات تعمق من فاعلية النص، حملت في طياته رياح التغيير والتبديل في المواقف والرؤى الأيديولوجية والسياسية، لذا تبقى المسارات التأويلية للأفكار والمعاني، رهينة بالموقف الأيديولوجي والسياسي للكاتب وكيفية تعبيره عن هذه الأفكار، ومدى نجاحها في التعبير عن الرؤية الكلية للمسرحية.

ج – البعد السردي :

يعتمد المسرح على الحوار من حيث هو تقنية أساسية في حرفية صناعته، واعتماده على الحوار في المرتبة الأولى هو أهم ما يميزه عن باقي الأجناس الأدبية مثل الرواية والقصة .. الخ

ولكن الحوار ذاته يعتمد بشكل أساسي على تقنيات السرد من خلال مسرحة السرد، بمعنى السرد من داخل الحوار، وليس سردا منفردا على لسان راويه كما نرى في الاجناس الأدبية الاخرى فعندما نقول السرد لا نقصد السرد بمعناه الادبي العام، ولكن القصد هو السرد المسرحي داخل الحوار ويأتي السرد المسرحي في الحوار على عدة أشكال :

• في صورة قصة من الماضي على لسان شخصية ما .

• في صورة خطاب يلقيه احد الشخصيات

” الفن المسرحي هو فن سردي من منظور ما ، والمسرح يعتمد على السرد ، فالسرد بوصفه تقنية أساسية في الكتابة منذ القرن الخامس قبل الميلاد وحتى الآن، ولكن ما يختلف هو نسبة هذا السرد وكمه وطريقة معالجته داخل النص، ففي المسرح الكلاسيكي كانت نسبة السرد أكبر من نسبتها في المسرح الحديث “[12].

أ – قصة من الماضي :

إعتمد الكاتب داوود الحوتي على هذه التقنية في مسرحية خرف يا شعيب” حيث يسرد البطل قصة أحد أصدقائه الذي تخرج من كلية الفنون والإعلام فلم يجد وظيفة، مما اضطره أن يعمل سائق سيارة أجرة، ويوماً ما تقابل معه وأخبره أنه أحياناً في أوقات الفراغ يمارس هوايته في التمثيل ومشارك في مسرحية وعرض عليه أن يزوره :

” والله ياجماعة أنا نعرف واحد خريج إعلام يخدم على حافلة، ومرة لقيته صدفة قالي شعيب أنا في العشية نمارس في هوايتي متع المسرح وعندنا مسرحية ونبيك اتجي تحضرها، قتله انجيك، وبدأ العرض والعيل مش طبيعي موهوب، وقالي شن رأيك في المسرحية قتله أنت ممثل غير عادي وفنان واستمر ورد بالك توقف، لأن الفن رسالة، ورأي تلقاه بكرة في الجريدة .. “[13].

إمتزج الحوار المسرحي بالسردي حيث إن الوصف والتحليل وذكر أدق التفاصيل من سمات الحوار السردي، وهذا اتضح في الحوار السابق إلى جانب أهمية الموضوع المطروح وكيفية الصراع وقوته، وهذا التداخل أثرى الحوار وجمع بين عوالم النص السردية والمسرحية زمنياً ومكانياً، وعرج المؤلف في هذا الحكي على معاناة الفنان والمثقف في المجتمع والذي لم يحظ بأي إهتمام أو تشجيع من قبل الدولة ومؤسساتها، فأرهقته الظروف الاقتصادية والتدهور المعيشي المؤلم من حياة تصنف تحت مستوى الحياة الحقيقية، ويرى جيرار جينيت : ضرورة

تنوع الإيقاع الزمني من خلال الآليات السردية التالية (الخلاصة – القطع – الاستراحة المشهد) [14] ، بحيث تهدف الخلاصة والقطع إلى تسريع إيقاع السرد على عكس الاستراحة والمشهد، فالخلاصة تعتمد على سرد أحداث يُفترض أنها حدثت في سنوات أو أشهر وتم اختزالها في أسطر أو كلمات قليلة، أما القطع فيعني تجاوز بعض المراحل الزمنية من القصة دون الإشارة إليها بشيء والاكتفاء بقول مرت عليه سنون أو إنقضى منذ زمن طويل، وقد إعتمد “الحوتي” على هاتين الآليتين بخاصة الخلاصة بشكل يسمح بتكثيف الأحداث، وسرعة إيقاعها والغاء التفاصيل الجزئية في بعض أجزاء النص التي قد تسبب نوعاً من الملل والرتابة، فلا شك أن تغييب قطاع من الحدث يتيح للمتلقي إعمال آلية خياله لإكمال النص.

” الله يرحمه كان راجل ممتاز كان زميلي أيام الدراسة، كان يسكن في الداخلي والله حتى حق الكتب ما عنده مسكين، لكن تبو الحق نشهد بالله أنه كان متفوق علينا كلنا في الدراسة، المهم تخرج طول وما تعين، ولما تعين في غير تخصصه طبعا، وبعدين اتهموه في قضية غامضة مش عارف كيف، وبعدها طلع من الحبس يدور في عمل ما باش حد يشغله، قعد يلج في الشوارع على خطمة الشرطة العسكرية وشالوه للحرب .. “[13].

تنقل المؤلف في سرد هذه القصة بين الأمكنة من موضوع لآخر ، الكلية، الوظيفة، السجن، الحرب، المستشفى، لكي يلخص الزمن ويقلص أحداثاً جرت ضمن إمتداد زمني معين ولخصها إلى مدة أقل، فالمكان يفرض خطاباً سلطوياً، لأن علاقة المكان بالخطاب وقوة حضور الشخصيات هي التي تفرض الخطاب الموجه إلى باقي الشخصيات الحاضرة والغائبة، فأدوات السلطة آلات التعذيب وقبل ذلك الانتظار، برز فيه أساليب السلطة في قتل روح المواطن، وإسكاته بجميع الوسائل حتى ولو كانت بالتصفيات الجسدية، فالخطاب إذا ما تجاوز الحدود، ولم تستطع السلطة إرضاءه لا بالترغيب ولا بالترهيب، فيكون الإسكات هو آخر ما تلجأ إليه، وذلك عن طريق ” المنع والتصفيات الجسدية والسجن المصادرة الرقابة الاغتيال [15]، فالمقصود من الحوار السابق هو الخداع الذي يتسم به الحاكم / السلطة، في الإيقاع بالمعارضين.

من خلال تنوع الأمكنة وتعددها ووصف أماكن وأحداث وقعت خارج الخشبة لا يمكن تقديمها، حاول المؤلف الإستفادة من إسلوب السرد وأخذ القدر الأكبر من العينات التي تدل على حالة ووضعية المجتمع، وتصوير الأحداث الماضية على شكل مقدمات أو وضعيات أساسية على لسان “شعيب” ثم يجسدها ويصورها للمتلقي على الخشبة في حوار آني يحدث في

الحاضر، وتسرد ايضا شخصية “مدحت” التي تقمصها شعيب في لعبة المسرح داخل المسرح، قصة تأخر المرتبات وما تسببه للمواطنين من ماس في هذا السرد لحكاية أحد شباب بنغازي :

” مدحت : من كم يوم شب من شبابنا، قالي يا شيخ مدحت عندنا في بوعطني هناك بعيد في بنغازي شاب لقوه مشنق نفسه فوق سطوح العمارة، بس ابن حلال برضو سايب ورقة في جيبه مكتوب فيها ما تتهموش البواب بقتلي، أنا اللي قتلت نفسي بنفسي اكمن أنا ليه ثمانية أشهر ما خدتش مليم أحمر من الشركة اللي بشتغل فيها ، يا عيني على التقوى وقوة الإيمان “[13].

لجأ المؤلف لاستخدام تقنية المسرح داخل المسرح لكي ينتقل بالحدث والحوار الذي خلفياته ربما تكون غائبة ولا يعرفها شعيب وإن سردها فسيكون غير مقنع بحديثه عنها، لذلك إبتكر شخصية “الشيخ” “مدحت موظف الأوقاف والملم بقضايا وخبايا المشاكل الاجتماعية والإنسانية في المجتمع الليبي، ليطرح من خلاله هذه القضية ويكون مقنعاً عند الحديث عنها وعن تفاصيلها بكل دقة، فقد يكون سرد الشخصيات بهدف حكي أحداث حدثت يصعب تجسيدها على خشبة المسرح بحيث تضيف معلومات إلى العالم الدرامي وتؤثر فيه، فتلك المعلومات التي يسردها الشيخ مدحت” تثير توتر الأحداث لقضية ذلك الشاب الذي فقد حياته، وتناقش ما هو باطن ومستتر داخل كل إنسان غير راض عما هو فيه، فكانت صرخة الإنسان المظلوم المحاط بسلطة تعسفية وظالمة، فعبر المؤلف عن اليأس الذي أصاب الشباب من ضيق الحال ومعاناتهم في الحياة ومتطلباتها الكثيرة، تردد هنا ضمير الغائب بوصفه أداة تتيح للسارد منطقة علوية، يطل منها على أوجاع الماضي القريب، فضمير الغائب يتيح للسارد المعرفة الكاملة والوافية بشخوصه، وقد تأكدت هذه المقولة من خلال التردد المكثف لهذا الضمير عند تذكر “شعيب” الرفقاء رحلة اغترابه داخل وطنه.

ب – خطاب تلقيه إحدى الشخصيات :

هو التوجه لمجموعة من الأفراد عن طريق مخاطبتهم من أجل تعريفهم بشيء ما أو الحديث معهم حول موضوع معين، بهدف الإقناع والتأثير على المستمع خاصة عن التركيز على طرح المعلومات بالتفاصيل المهمة والبراهين حول الموضوع الرئيس الذي يسردونه في الخطاب، وفي المسرح عندما تلقي إحدى الشخصيات خُطبة على الآخرين، فإنها بذلك توقف الحركة؛ لتطغي الصورة المتخيلة بما فيها من إمتاع واقناع وجذب الانتباه السامع؛ كي يتعاطف مع القضية التي يعرضها المؤلف عليه من خلال الشخصية المسرحية، وقد لوحظ ذلك في الكثير من الأعمال

حيث تستهدف كسب تأييد القارئ لفكرة أو قضية ما سياسية أو دينية أو فلسفية أو إجتماعية، فالمؤلف يضع الخطبة على لسان إحدى الشخصيات الرئيسية إذ لم تكن الشخصية المحورية أو نقيضها في موقف درامي أو أكثر، لأنها في حاجة لكسب تأييد جماعة ما أو توضيح فكرة معينة، وفي مسرحية معرض أم بسيسي” يسرد مدير صالة المعرض خطاباً ويتدرب على إلقائه لكي يقوله عند مجيء المسئول الكبير في حفل إفتتاح معرض الشموع :

” مدير الصالة : إن هذه الجموع التي احتشدت في هذه الربوع، وتدافعت دفوعاً دفوع، وبها عطش وجوع، لتهديك الحب كل الحب في معرض الشموع، يا أهالي حي الزرازير يا عصافير، يا فرافير، لقد غمرتموني بحبكم وعطفكم وإن هذا لنابع من صدق مشاعركم الفياضة ونحن بعون الله بعون الله لن ندخر جهداً وسنبذل الغالي والرخيص لنرتقي بحي الزرازير، إلى أعلى العشوش أعلى العشوش أعلى العشوش [5].

إعتمد المؤلف في بناء مسرحيته على عدة تقنيات من مدارس مختلفة إبتداءً بالملحمية والواقعية والتسجيلية، وما يهمنا هو السرد الذي يعتبر إحدى أبرز تقنيات المسرح الملحمي، من خلال قطع إستمرارية الحدث وكسر الإيهام، فمن خلال سكون الحدث وحدة الصراع ما بين المدير والفنان يمهد لهذا الخطاب الاستباقي الذي يعزم المدير إلقاءه في حضرة المسئول، ولكن ما يبرز أيضا في هذا الخطاب الانتقال ما بين ضمير المتكلم وضمير الغائب عند السرد والنقل ليصبح موجهاً من المسئول لأهالي الحي وعلى لسان المدير من جملة ” لقد غمرتموني بحبكم وعطفكم .. ” وما بعدها، فهذا الخطاب يعبر عن الواقع السيئ الذي يعيشه المواطن من قبل أولئك المتاجرين بحقوقه وأحلامه حيث يعتمدون على الدعاية الفارغة والشعارات الزائفة والكاذبة التي يئس المواطن منها ليستمروا في نهب وسلب المال العام والمخصص للكادحين.

أما بلاغة الخطاب الموجه من مدير الصالة / المواطن، إلى المحافظ / الحاكم، وما يحفل به من عبارات إنشائية وسجع يختم الفواصل، يبين مقدرة المؤلف في توظيف قدراته الكتابية والجمع ما بين عدة صنوف أدبية داخل الحوار ، فكانت العبارات الطنانة والشعارات الفارغة ترسم المحتوى اللفظي أكبر بكثير من المحتوى المعنوي، فهو أمر يعبر عن سمة الخطاب الموجه للحاكم في الأنظمة القمعية، حيث التبجيل المفرط والأكليشيهات الزائفة دون الدخول المباشر في غرض الخطاب، فهذا ما نلحظه في خطاب المسئول الأدنى لما هو أعلى منه مرتبة ومكانة في الدولة :

” مدير الصالة : يصعد على الكرسي إن تنازلت أنت فنحن لن نتنازل ولن نرضى بأي حال من الأحوال إلا أن نكرمك .. زد على ذلك .. إذا لم تكرم الصالة المعطائين من أبنائها فمن تكرم .. من تكرم ؟ .. لا وألف لا كلا وألف بلا أجل وألف نعم … .[5]”

يلجأ المؤلف لقطع سير الأحداث وعدم إندماج المتلقي في الحدث، في توظيف الخطاب على لسان المدير عندما يصدمه الفنان في حواراته المنطقية والعلمية والمقنعة بالحجة والدليل ليعطي الدروس والبراهين بأنه غير جدير بهذا المنصب، فظهرت شخصيته مهزوزة ومنعدمة الثقة، يهرب من الحوار العقلاني بالخطابات الإنشائية الفارغة التي يحرص على قولها ليبين أنه مدعوم من السلطات العليا مما جعله يتدرج في المناصب، فنفسه الضعيفة جبلت واعتادت على نيل ما تريد بالتملق والتزلف.

وفي مسرحية “شيخ” القصر” للمؤلف أيوب قاسم، نجد خطاباً لأحد أفراد القرية بعد إتفاقه مع شيوخ وأعيان القرية على إشاعة أن هناك حارساً أو ولياً صالحاً يحرس القصر ولا يستطيع أحد التغلب عليه، كرسالة للمستعمر التركي لكي يتراجع عن تقدمه تجاه القرية :

” خميس : يرفع يديه، يصمت الجميع

اسمعوا يا أهالي كاباو ، لم يطلب أحد مني دعوتكم إلى هذا الاجتماع، وما هو باجتماع ولا يعلم أحد بما سأخبركم به، حتى مجلس الأعيان، ولكن أريد أن تصدقوا ما سأقوله، هناك أمر حصل لا أدري أحلم أم علم أمر حاولت لثلاث ليال إخفاءه ولكنه هددني، نعم هددني، وسأخبركم وعليكم أن تقرروا ما أنتم فاعلون فإذا نفذتم ما يريد هو … “[16].

اتضحت سمات المسرح الوثائقي أو التسجيلي في هذه المسرحية بوضوح كبير من خلال الأسلوب التقريري الذي اشتمل على توظيف المادة الوثائقية بشكل كثيف من المقالات الصحفية والخطب والسجلات، وبالنظر إلى حجم القضية وعمق الحدث إذ تعيدنا إلى حقبة زمنية مهمة ربما تغيب على أذهان العديد من الناس، لتوثيقها التوثيق الصحيح وتكشف ما حدث بالتحديد، لإيصال رسالة مفادها أن كل المستعمرين سواء وإن تخفى المستعمر في إطار ديني، فهو يظل مستعمراً ومغتصباً للأرض ومن عليها ويسلب خيراتها، فهذا الخطاب السردي هو بمثابة تهيئة لأهالي القرية بما سيحدث مستقبلاً من أحداث، فاستعمال جملة “لا يعلم أحد بما سأخبركم به حتى مجلس الأعيان” هو بمثابة أن ما سأقوله أريده طي الكتمان، وهذه إستحالة خصوصاً للجموع الكبيرة، فالإنسان بغريزته الفطرية سيتناقل هذا الخبر وسيضيف عليه أيضاً بعض

الأشياء والأقاويل التي لم تحدث، وهذا ما كان يقصده “خميس” في هذا الخطاب لكي يصل إلى أماكن وأرجاء بعيدة ومدن يسيطر عليها الاحتلال التركي، حتى تصل إلى مسامع قائد الحملة التركية وجنوده القادمين لاجتياح القرية وهدم قصرها الذي يعتبر هو مخزن القرية للمؤن والطعام من المحاصيل الزراعية التي يشقون في زرعها طول العام لتكفيهم خلال السنة القادمة إذا ما حدث جفاف أو مجاعة.

النتائج

إن اللغة عنصر تكويني مهم في بناء المسرحية، وهي وسيلة بيد الكاتب الجيد، تجسد رؤيته للكون وإحساسه بالحياة، ومهارته في رسم أبعاد شخصياته المسرحية وإمكاناتها الفكرية وقناعاتها، وهي مهمة للقارئ والمشاهد الذي يعتمد إقباله على متابعة المسرحية على جاذبية الحوار وقدرته على الإقناع والإثارة .

وثق كتاب المسرح الليبي صلتهم بالتراث، وامتدت علاقتهم به بدرجات متفاوتة من الإجادة حيث أحسوا بثراء التراث بالإمكانات التقنية والفنية، مما منح مسرحياتهم مزيجاً من العمق والحيوية بالإضافة إلى القدرة على الإيحاء والتأثير، ولم يكن استحداثاً بقدر ما هو إستخراج كنز من الكنوز المدفونة، فلقد تعددت المصادر التي أسقط من خلالها الكتاب موضوعاتهم وقضايا أعمالهم المسرحية، فقد إستعان المؤلف فتحي القابسي” بالأسطورة “أم بسيسي” وذلك في منظور معاصر يلائم رؤيته الفكرية ومعالجاته الفنية للواقع.

تعددت مستويات تناول الحوار الدرامي للهجة العامية الليبية عند المؤلفين وهم يعبرون عن القضايا السياسية والاجتماعية وفقاً لمقتضى الحال أو طبقاً للتيار المسرحي الذي ينتمي إليه كل كاتب وبما يناسب القضية المطروحة في النص المسرحي، فاللغة الطاغية والمهيمنة هي “العامية” في أغلب المسرحيات عينة البحث، لم يضعف الحوار المسرحي الاستعانة بالعامية المتداولة بين الناس، كما لم ينتقص استخدام اللغة العربية الفصحى في بعض المسرحيات من واقعية النص المسرحي وتصويره للواقع.

إن التركيز على مبدأ السرد كوسيلة وهدف دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية المواقف الدرامية جعل من بعض النصوص المسرحية روايات أو ملاحم شاملة تحوي كل ما تعانيه الأمة من هموم ومشاكل، وهذا ما يتضح من مسرحية “خرف ياشعيب” التي يدوم عرضها لأكثر من ساعتين بشكل خطابي وعظي

شكل البعد الشعري منطلقاً إبداعياً اتجه من خلاله الكتاب إلى خلق مجال خصب للتفاعل بينهم وبين الذاكرة الجماعية المعبرة عن نبض الشعب، فقد اعتمدوا في سبيل ذلك على محاورة النص الغائب وامتصاصه لتوليد دلالات جديدة تتماشى مع الواقع الراهن والسياسي التي كشف وفضح من خلالها القبح الإنساني والتشوه الطبقي الذي تسببت فيه الأنظمة غير العادلة، فباستحضار تلك الأمثال والنصوص الشعرية القديمة ليعوض من خلالها الكتاب النقص في شخصية الإنسان الليبي غير المتفاعل مع واقعه، لكي يستفيق وينهض وتثيره هذه الكلمات والمعاني القريبة من تراثه الشعبي المحبب إلى نفسه ويسترجع ماضيها لكي يرددها ويجيب عن تساؤلات هو في أمس الحاجة للإجابة عنها.

المصادر والمراجع

1- أحمد إبراهيم الفقيه : صورة جانبية لكاتب لم يكتب شيئاً ، إخراج فرج أبو فاخرة ، مسرح المرج ، ليبيا ، 2002

2- منصور أبوشناف : مسرحية توقف ، إخراج فرج أبو فاخرة ، مسرح الجمهورية ، القاهرة ، 2006م.

3- علي الفلاح : مسرحية الليل ، إخراج ميلاد فرج ، المهرجان الوطني الثامن للفنون المسرحية ، طرابلس 2000

4- سعد أبو الرضا : الكلمة والبناء الدرامى، دار الفكر العربي، القاهرة ، 1982م ، ص 47.

5- فتحي القابسي : مسرحية معرض أم بسيسي ، إخراج خالد نجم ، المهرجان الوطني السابع للمسرح ، بنغازي ، 2007م

6- سعيد ظلام : المسرح الشعري بين أحمد شوقي وعزيز أباظة، دار المنار للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة 1998، ص 174

7- شكري عياد ، الادب في عالم متغير ، الهيئة المصرية للكتاب ، القاهرة ، ص 204.

8- فتحي القابسي : مسرحية جريدة أم بسيسي، إخراج خالد نجم المهرجان الوطني العاشر للمسرح، 2009 ،البيضاء

9- فتحي العشري : المسرح فن وتاريخ الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1991، ص 32

10- إسماعيل فهد إسماعيل : الفعل الدرامي ونقيضه، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 1997 1 ص

11- أحمد شمس الدين الحجاجي : المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث، دار هلال للنشر والتوزيع، القاهرة، 1995، ص 176

12 امبرتو ايكو : نزهات في غابة السرد ، ترجمة سعيد بن كراد ، المركز الثقافي العربي ، الدار البضاء، 2005م ، ص 87

13- داوود الحوتي : مسرحية خرف يا شعيب، إخراج داوود الحوتي، المسرح الشعبي، بنغازي، 2003

14- الكبير الداديسي : تحليل الخطاب السردي المسرحي، دار الراية للنشر والتوزيع، الأردن، 2014 11 ص

15- عمر أوكان : مدخل لدراسة النص والسلطة، الشركة العالمية للكتاب، الدار البيضاء، 1991م، 94 ص

16- أيوب عمرو قاسم : مسرحية شيخ القصر، إصدارات مجلس الثقافة العام طرابلس، 2010، ص 61.

ذات صلة

المسرح الوطني مصراتة يطلق عرض “العسل المر” لتعزيز المشهد الثقافي

suwaih

انطلاق مهرجان البحر الأحمر السينمائي

suwaih

ترميم الأفلام القديمة.. سعي حثيث لحفظ الذاكرة السينمائية

suwaih

قريبا بدور العرض بالكويت الفيلم المغربي “أنا ماشي أنا”

suwaih

في المهرجان السينمائي الخليجي 2025 بسلطنة عمان الكويت تحصل على 4 جوائز

suwaih

«كان يا ما كان في غزة» يشارك في مهرجان روما السينمائي الدولي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية