أفانين
مجلة رؤى فكرية
الإصدارات

في رحاب العدد الثالث والستين: مجلة “رؤى فكرية” تحتفي بالفكر النقدي والحداثة الرقمية

عندما يرحل “العقل السياسي” إلى هاوية اللامعقول – قراءة في نقد ريجيس دوبريه

لا تخلو صفحة الغلاف من إشارات ثقيلة الظل، ثقيلة بمعنى الامتلاء الفكري، خفيفة بمعنى الجمال البصري الذي تمنحه لوحة الفنان الإيطالي ريناتو غوتوسو. العدد الثالث والستون من مجلة “رؤى فكرية”، الصادر في ربيع 2026 عن وكالة الأنباء الليبية، يضع القارئ وجهاً لوجه مع سؤال مركزي ظل يؤرق الفلسفة السياسية الحديثة: هل العقل السياسي عقل حقيقة أم مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها كثافة من الإيمان الجمعي والتمثلات الأسطورية؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في مؤلَّفه الضخم “نقد العقل السياسي”، الذي يقدِّم له الباحث الليبي حسن المغربي في مستهل العدد، تحت عنوان “في أنثروبولوجيا السلطة”. يصف المغربي كتاب دوبريه بأنه “محاولة جذرية لزعزعة المسلَّمة الأكثر رسوخاً في الفكر السياسي الحديث: وهم عقلانية السياسة”. فمنذ اللحظة الأولى، كما يقرأ دوبريه، لا يتعامل مع “العقل السياسي” بوصفه جهازاً تحليلياً شفافاً، بل بوصفه بنية ملتبسة تتخفى خلف ادعاء العقل لتخفي آليات لا واعية ورمزية وطقسية.

ما يثير الدهشة حقاً هو أن دوبريه، كما يوضح المغربي، لا يكتفي بنقد أوهام العقلانية، بل يذهب إلى ما هو أبعد: “العقل السياسي ليس عقلاً بالمعنى الفلسفي الكلاسيكي، بل هو جهاز توليد للشرعية، يعمل عبر ما يمكن تسميته بالاقتصاد الرمزي للسلطة”. وهذا يعني، في التحليل النهائي، أن السياسة تُفهَم ليس من داخلها، بل من خارجها: من الوسائط التي تنقلها، والمؤسسات التي تؤطرها، والطقوس التي تعيد إنتاجها.

ربما تكمن المفارقة الكبرى في فكر دوبريه، كما يشير المغربي، في أنه على الرغم من انحداره من خلفية ماركسية نقدية، إلا أنه يُفْرِط أحياناً في رد السياسة إلى اللامعقل، مما يهدد بإفراغ مفهوم الفعل السياسي من أي بُعد نقدي أو تحرري. لكن هذا التوتر نفسه هو الذي يمنح الكتاب قوته، لأنه يفتح آفاقاً للتفكير في السياسة بوصفها ظاهرة معقدة لا تختزل في العقل ولا في المصلحة.

وفي سياق متصل، يتناول الباحث عبد الفتاح الحفوف في مقاله “الحرب كأفق لفهم العالم: الولايات المتحدة الأمريكية وإيران” سؤالاً لا يقل إلحاحاً: لماذا تدخل الدول الكبرى في حروب لا تبدو معنية بها مباشرة؟ يرى الحفوف أن الحرب ليست مجرد فعل ضد السلم والأمن، بل هي، في جوهرها، وسيلة لفهم الآخر والعالم: “أن تكون يفرض الهيمنة والبحث عن الاعتراف، فتكون بلغة هيغل أنت السيد، بينما الآخر هو العبد. وألا تكون يجعلك ضمن أقدام الآخرين، مجرد أداة”.

لكن السؤال الذي يظل معلقاً في الهواء، كما يطرحه الحفوف، هو: إذا كانت كل أشكال السياسة قائمة على الإيمان والرمز، فما الذي يميز بين نظام استبدادي ونظام ديمقراطي؟ هذا السؤال لا يجيب عنه دوبريه، وربما كان هذا هو بالضبط ما يريد قوله: أن السياسة، في جوهرها، ليست ما نعتقد أننا نفهمه، بل ما نمارسه دون أن نفهمه تماماً.

من الورق إلى الشاشة – المثقف الرقمي والعاطفة السائلة في مواجهة الذكاء الاصطناعي

بينما يقبع الفيلسوف في برجه العاجي ليحلل أزمات العقل السياسي، يعيش المثقف العربي اليوم صراعاً من نوع آخر: صراع البقاء في فضاء رقمي يتحول بسرعة الضوء، حيث العاطفة السائلة هي التي تصنع “الإعجابات” وليس الحجة المنطقية.

في هذا السياق، يقدِّم الباحث محمد خمّاني قراءة تشريحية معمقة تحت عنوان “المثقف الرقمي والعاطفة السائلة”، محاولاً الإجابة عن أسئلة محورية: من هو المثقف الرقمي؟ وما أصنافه؟ وأيُّ فاعلية بقيت له في ظل هيمنة الوسائط الرقمية؟

يلاحظ خمّاني أن مصطلح “المثقف” ذاته يعاني من فضفاضة خطيرة: فهو يتراوح بين تعريف لغوي يشير إلى “الماهر المتقن لما يفعله”، وبين تعريف اصطلاحي متضارب يتأرجح بين الفلسفي والأكاديمي والاجتماعي. وهذا الاضطراب في التعريف يطرح إشكالاً في توظيف المثقف وقضاياه الرقمية.

ولكن الجديد في طرح خمّاني هو تصنيفه للمثقفين الرقميين إلى أربعة أصناف رئيسية:

الصنف الأول: المثقف الذي يحضر رقمياً لكن دون حضور أكاديمي أو ورقي. يصنع مجداً إلكترونياً و”فحولة رقمية”، لكن أثره الفعلي على الواقع محدود أو معدوم.

الصنف الثاني: المثقف ذو “الفاعلية المزدوجة”، الذي يحضر في الفضاءين الورقي والرقمي معاً. يدرك خطورة الفضاءات الرقمية، فيستخدمها باحترافية ولا ينجر وراء كل ما يُنشر. هذا الصنف هو الأكثر تأثيراً، لأنه يضبط أهواءه بعقله وبثقافته الرقمية.

الصنف الثالث: المثقف الذي يحضر ورقياً فقط، فتكون فاعليته محدودة بين أدراج الجامعة أو في كتبه الرصينة لدى القراء المخلصين.

الصنف الرابع: المثقف “الاسترزاقي” أو “المتكسِّب”، الذي يهمّه الربح المادي من وراء فاعليته الرقمية. يخاطب المتلقي متى بدت له مصلحة، وقد يكون له تكوين أكاديمي، وقد لا يكون. “فالعواطف عواصف” كما يقول خمّاني، وهذه العواصف هي التي تصنع المؤثرين لا عمق الطرح.

ويصل خمّاني إلى نتيجة لاذعة: “في الفضاء الرقمي الكل يصبح مثقفاً فاعلاً – في تصوُّره – ولكن كيف نقيس الفاعلية؟ هل بعدد الإعجابات؟” يبقى السؤال مفتوحاً، لكن المؤكد أن المثقف الحقيقي، في رأي خمّاني، هو الذي يجمع بين رصانته الأكاديمية وفهمه لخطاب الرقمي، ويعرف متى يخاطب المتلقي فيحسب كلماته ويتحكم في خطابه بطريقة تخدم أهدافه، لا أن يكون مجرد “ثرثار رقمي يُجيد إعادة إنتاج كل ما يسمع في المقاهي والندوات”.

أما في مواجهة الذكاء الاصطناعي، فتقترب الكاتبة ماري جوزيه موندزين (بترجمة د. فيصل أبو الطفيل) من الموضوع من زاوية مختلفة تماماً، تحت عنوان “عقوبة إعدام: حوار داخلي مع الذكاء الاصطناعي”. هنا لا تتحدث موندزين عن الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية، بل كسلطة رمزية تسعى إلى “قطع الرأس” الرمزي للإنسان، أي إضعاف دوره كمركز للفكر والإبداع.

تستعمل الكاتبة منهج “اللعب” القائم على الحوار مع ChatGPT نفسه، فتكتشف أن الذكاء الاصطناعي يعترف بخلوِّه من الجسد، لكنه يدَّعي في الوقت نفسه قدرته على التحدث عن الأجساد والمشاعر. إنها لعبة خطيرة، كما ترى موندزين، لأن ما يفرضه الذكاء الاصطناعي هو “عقوبة إعدام” رمزية للفكر البشري المستقل، حين يصبح هو المُنفِّذ الوحيد للفكر ويتحول الإنسان إلى مجرد متلقٍّ سلبي.

التراث بين التقديس والتجديد – مقامات الزمخشري وأبو منصور الثعالبي في ميزان النقد

لا تغفل “رؤى فكرية” الجانب التراثي، بل تعيد قراءته بعيون نقدية معاصرة، وهو ما يتجلى بوضوح في دراستين رئيستين: الأولى حول مقامات الزمخشري، والثانية حول منهج أبي منصور الثعالبي في اختيار شعر المتنبي.

في الدراسة الأولى (للباحث د. كريم الطيبي)، يُطرح سؤال جوهري: هل ما كتبه الزمخشري تحت عنوان “مقامات” هو بالفعل مقامات على غرار الهمذاني والحريري، أم أنه ابتكر نمطاً جديداً يمكن تسميته بـ”المقامة الوصيّة”؟

يكشف الطيبي أن الزمخشري احتفظ بفن المقامة لكنه جدَّد في بنيتها الفنية: فغابت عنده شخصيات الراوي والبطل المتكدّي، وحلَّ محلها خطاب وصائي توجيهي، يظهر فيه المتكلم في صورة الأب الحكيم أو العارف الصوفي. ليس الهدف هنا التكسب والاحتيال، بل النصح والإرشاد والدعوة إلى التمسك بالطريق القويم واجتناب الموبقات.

واللافت في مقامات الزمخشري أنها تتسم بنَفَس صوفي واضح، يتجلى في دافع إنشائها: “أُري في بعض إغفاءات الفجر كأنما صوت به من يقول له يا أبا القاسم: أجل مكتوب وأمل مكذوب”. إنها فكرة “الإذن الإلهي” التي تجعل الزمخشري يكتب لا كأديب عادي، بل كمربي عارف، صاحب حقيقة.

في الدراسة الثانية، يتتبّع الباحث عبد الواحد ابحيطط “منهج أبي منصور الثعالبي في اختيار شعر المتنبي ونقده”، كاشفاً عن معايير ثلاثة اعتمدها الثعالبي: الجودة والابتكار والذوق الخاص.

ما يثير الاهتمام هنا هو أن الثعالبي لم يقصد إلى التنظير النقدي المجرد، بل كان همه الأكبر تطبيق القواعد البالغية على شعر المتنبي، ليبين “جيده من رديئه” بعد أن صار قولاً يتردَّد على الألسن. وهذا يجعل كتابه نموذجاً خالصاً لـ”النقد التطبيقي”، حيث تسود “المرجعية البالغية” و”المرجعية الإسلامية” (في نقد ما يمس العقيدة)، و”المرجعية اللغوية والأدبية”.

ومن اللطائف التي يوردها ابحيطيط أن الثعالبي كان يخالف كبار نقاد المتنبي كالقاضي الجرجاني حين يتعلق الأمر بمساس “حرمة الدين”، لكنه يفعل ذلك دون جلبة أو صخب، محافظاً على أخلاقيات العلم وأدب الخلاف.

مجلة تعيد تعريف دورها في زمن التحولات

في زمن تتهاوى فيه المجلات الورقية واحدة تلو الأخرى، ويتراجع فيه النشر الثقافي الجاد أمام طوفان المحتوى الرقمي السطحي، تظل مجلة “رؤى فكرية” الصادرة عن وكالة الأنباء الليبية نموذجاً مشرفاً للصمود الثقافي.

العدد الثالث والستون، الذي يضم ترجمات عربية لنصوص فلسفية نادرة (من الفرنسية والإنجليزية والصينية)، ودراسات نقدية معاصرة حول الذكاء الاصطناعي والموسوعات الرقمية (للباحث د. علي البوحديدي)، وحواراً ثرياً مع الناقد المغربي د. عبد المالك أشبهون حول راهنية الرواية العربية، يقدم وجبة دسمة للقارئ الجاد الباحث عن فكر لا يكتفي بالأسئلة بل يحاول أن يقدِّم أجوبة مؤقتة في زمن الإجابات النهائية الوهمية.

تبقى المجلة، بهذا المستوى، أحد الأصوات القليلة التي تحاول أن تثبت أن الثقافة العربية لا تزال قادرة على إنتاج خطاب نقدي جاد، يتجاوز الاستهلاك السريع إلى التأمل العميق، ويتجاوز الالتقاط العابر إلى الحفر في الأسئلة الكبرى: عن السلطة والعنف، والهوية والرقمنة، والتراث والتجديد.

وهو ما تحاول هذه الصفحات المباركة أن تقدمه، بجدارة، لقرائها في ليبيا والعالم العربي.

ذات صلة

صدر حديثا عن دار المدى كتاب ” بعيداً عن الضوضاء ” 

suwaih

توقيع مؤلّف جديد للكاتبة فضيلة صخري

suwaih

إطلاق كتاب احتمالات بيضاء في أمسية أدبية وطنية في متحف محمود درويش

suwaih

الكاتبة التونسية فاطمة بن محمود تصدر كتابها الجديد “الرواية فخ للنجاة”

suwaih

أفضل 40 كتاباً عالمياً لعام 2026

suwaih

دار الفرجاني تتحصل على حقوق الترجمة العربية لرواية «البيت الصغير»

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية