حين يتنفس الحجر الأسطوري شعراً – استعادة فضاء حوش محمود بي
كان مساء يوم السبت الموافق 16 مايو 2026 مختلفاً. ليس لأن التقويم أعلن عن موعد اعتيادي يمر كما تمر آلاف المساءات، بل لأن شيئاً استثنائياً كان يُعدّ بهدوء داخل جدران حوش محمود بي، ذلك الصرح الأسطوري الذي يختنق في عناق أزقة المدينة القديمة بطرابلس، حيث تتعانق جدرانه العتيقة مع روح التاريخ الذي لا يموت.
عند زنقة فرنسيس، حيث تتقاطع خطوات العابرين بين الماضي والحاضر، كانت البوصلة تشير إلى وجهة واحدة: فضاء متواضع في ظاهره، عظيم في رمزيته، يحتضن ميلاداً أدبياً تأخر أربعة عقود كاملة. كانت جدران الحوش -التي شهدت على مر الزمان حكايات التجار والحرفيين والعشاق والثوار- تستعد هذه الليلة لتحتضن لوناً جديداً من الحكايات: حكاية مهندس نووي قرّر أن يخرج من معمله المختبئ خلف التجارب والإشعاعات ليعلن للعالم أنه كان طوال هذه السنوات يخبئ في جيوبه السرية “حفنة من ذرات وردية”.
منذ الدقائق الأولى للحضور، كان واضحاً أن هذه الأمسية ليست كأي أمسية ثقافية اعتيادية. لم تكن مجرد احتفالية إشهار كتاب، ولا مجرد تجمع نخبوي لأدباء وكتاب يتسامرون حول قهوة ومطبوعات. كان هناك شعور مختلف يتسلل إلى قلوب الحاضرين، إحساس أنهم على موعد مع استثناء. ربما لأن صاحب الديوان كان استثناءً بامتياز: رجل يحمل شهادة في الهندسة النووية، ويعمل في مركز البحوث النووية، ويحمل براءة اختراع لزيادة مقاومة الحديد الصلب للصدأ بأشعة جاما، ثم يأتي فجأة ليوقع ديواناً شعرياً عنوانه “حفنة ذرات وردية” – نثثيرات.
أمام مدخل حوش محمود بي، تداخلت الأصوات. لغة الضاد كانت السيدة المطلقة، لكنها كانت تلبس ثوباً طرابلسياً أصيلاً. هناك كان الأديب عبد اللطيف البشكار، الذي كتب مقدمة الديوان، يتبادل أطراف الحديث مع بعض الحضور، وهناك كانت الدكتورة وسام أبو زقية، التي ستُدير الحوارية، تستعد لاستعراض ملامح تجربة استثنائية. وحواء القمودي، الشاعرة التي ستقرأ الديوان بعيون امرأة، كانت جالسة في زاوية تتأمل المشهد وتستعد لمداخلتها العاطفية العميقة.

أما صاحب الديوان، المهندس عبدالحكيم عامر الطويل، فكان يتنقل بين الحضور بهدوء المهندس الذي اعتاد على الدقة، وابتسامة الشاعر الذي يوشك أن يبوح بسر عمره. كان يعلم أن هذه الليلة ليست مجرد حفل توقيع، بل هي مواجهة مع ذاته الأصغر، مع ذلك الطالب الذي كان يجلس على مقاعد الدراسة الجامعية قبل أربعة عقود ويكتب نصوصه الأولى على هوامش دفاتر المحاضرات، متوهماً أنها لن ترى النور أبداً.
كان المكان، بحجارته العتيقة وزواياه الضيقة وإضاءاته الخافتة، يليق بهذا النوع من الولادات الاستثنائية. حوش محمود بي، الذي يقع في صميم المدينة القديمة، كان كما لو أنه يهمس للحاضرين: “ارفعوا أصواتكم بالشعر، فهذه الجدران تعودت على سماع ما هو أعمق من الكلام.”
وبدأت الأمسية.
“نووي العقل، شاعر الروح” – حين يصطدم السيزيوم بالغزل
قفزت الدكتورة وسام أبو زقية إلى منصة الحديث بثقة الأكاديمية التي درست سيرة المحتفى به جيداً. لم تكن مجرد عرّفة تقليدية تلوّح ببطاقة التعريف؛ لقد كانت راوية لملحمة فكرية وإبداعية قلّ نظيرها في المشهد الثقافي الليبي.
“عبدالحكيم عامر الطويل، من مواليد طرابلس 1963″، بدأت أبو زقية، وكأنها تفتح ملفاً سرياً طال انتظار كشفه. “حاصل على شهادة في الهندسة النووية، تنقلت تجربته المهنية بين العمل في مكتب وكالة نوفوستي السوفيتية، ومشروع الفجر الجديد لتطوير صاروخ سكود، ووزارة التكوين المهني، وصولاً إلى مركز البحوث النووية.”
كانت الأسماء التي تتوالى على لسانها أشبه بمشاهد من فيلم تجسس ثقافي: خلفية سوفيتية، صواريخ، أشعة جاما، براءات اختراع، ثم فجأة… ديوان شعر!
الجمهور كان منقسماً بين من يعرف هذه التفاصيل فيذهله تداخلها، ومن يسمعها لأول مرة فيتسع فمه دهشة. رجل يكتب بحثاً عن زيادة مقاومة الحديد الصلب للصدأ بأشعة جاما، ثم يعود إلى بيته ليكتب قصيدة غزل يستعير فيها مفردات من الفيزياء النووية.
“ليس هذا فقط”، واصلت أبو زقية، “الطويل حاصل على الترتيب الأول في أولى دورات الإرشاد السياحي، ومصنف مرشداً سياحياً من الفئة الأولى. له اهتمامات بالتاريخ والآثار والثقافة الأفريقية، ونشر أبحاثاً تاريخية وأثرية في مطبوعات محلية وعربية وعالمية.”
توقف الحضور ليلتقطوا أنفاسهم. كانوا أمام ظاهرة ثقافية نادرة: موسوعة تمشي على قدمين. ولكن ما جعل الأمسية أكثر إثارة هو معرفة أن هذا الرجل المتعدد المواهب هو أيضاً أحد الأسماء الليبية البارزة في أدب الخيال العلمي. حازت أعماله على مراتب متقدمة في مسابقات أدبية عدة، من بينها مسابقات الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.
صدر له من قبل مؤلفات متنوعة منها: “الطاقة النووية في بيتك”، و”خطايا جديدة مثيرة تكشفها مقبرة طرابلس البروتستانتية”، و”حجر الرجبان”، و”بنت أبيها”، و”من آثار منشية طرابلس المنسية”. ثم يأتي اليوم ليوقع ديوانه الشعري الأول.
وهنا ألقت أبو زقية قنبلة ثقافية صغيرة: لفتت الانتباه إلى مصطلح “الاستدمار” الذي استخدمه الطويل في أحد كتبه بدلاً من “الاستعمار”، موضحة أن الرجل يمتلك حساسية استثنائية تجاه اللغة وقدرتها على كشف حقائق التاريخ. فالاستعمار كما يراه الطويل لم يكن يوماً تعميراً، بل كان تدميراً.
عند هذه النقطة، أخذ الأديب عبد اللطيف البشكار الميكروفون ليكمل ما بدأته أبو زقية. البشكار، الذي كتب مقدمة الديوان، كان يعرف الطويل عن كثب، وكان قادراً على فك رموز هذه الظاهرة الثقافية الفريدة.
“الطويل”، قال البشكار بصوته الواثق، “من الأسماء النادرة في ليبيا التي اشتغلت على الرواية العلمية والخيال العلمي في ظل التحولات الحضارية المتسارعة. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أنه ظل يكتب نصوصه الشعرية على امتداد أربعة عقود، محتفظاً بها عبر فترات زمنية مختلفة منذ بدايات الثمانينيات وحتى التسعينيات.”
أربعة عقود! أي أنها ولدت في زمن كانت فيه ليبيا تعيش تحولاتها الكبرى، في زمن الحصار والعزلة والحروب. نصوص كانت تتنفس في الظل، مختبئة من الرقابة، ومن زحمة الحياة، ومن انشغال صاحبها بعوالم أخرى أكثر إلحاحاً مثل الصواريخ والإشعاعات والآثار القديمة.
“النصوص تتمتع بترابط لغوي وصور شعرية وإيحاءات مكتملة”، أكد البشكار، محدثاً مفاجأة للحضور الذين كان بعضهم يتوقع أن يقرأ نصوصاً هاوية لشاعر مبتدئ. “هذا الديوان كان يستحق النشر منذ سنوات طويلة.”
ولكن ما الذي يجعل “حفنة ذرات وردية” مختلفاً؟
يقول البشكار: “بساطة لغته وثراء صوره الشعرية وتوظيفه للمصطلحات النووية والكيميائية والعلمية داخل النسيج الشعري، بما يمنحه طابعاً حداثياً مختلفاً.”
وهنا بدأ الجمهور يفهم سر الافتتان بهذا الديوان. سرقه الصاروخي كان يكمن في قدرته على تحويل المصطلحات التقشعر لها الأبدان في المعامل -مثل “السيزيوم” و”الذرات” و”الإشعاع”- إلى مفردات تحمل دفء الغزل ووهج العاطفة.
كان البشكار يختتم مداخلته بعبارة شعرية رفيعة المستوى: “الاحتفاء بالشاعر اليوم لم يعد احتفاءً بصوت القبيلة كما في الأزمنة القديمة، بل احتفاء بالإنسانية والجمال والإبداع العابر للحدود والثقافات.”
عندما يبوح المهندس النووي بأسراره – اعترافات “ملكة الديوان” والوفاء للذاكرة
جاء دور صاحب الديوان. وقف عبدالحكيم الطويل أمام جمهوره، تلك اللحظة التي انتظرها أربعين سنة. لم يكن متوتراً، بل كان يبدو كمن يخلع عن نفسه عباءة ثقيلة طالما أثقلت كتفيه. عباءة الصمت.
بدأ حديثه بثقة العالم الذي يحاور تلاميذه، وبحسرة الشاعر الذي يتصالح مع طيفه القديم.
“نصوص هذا الديوان”، قال الطويل، “كُتبت في مرحلة الدراسة الجامعية. إنها تنتمي إلى ما يمكن وصفه بـ’النثر العاطفي’، وتحمل أثر الزمن والذاكرة والوفاء.”
كلمة “الوفاء” كانت ثقيلة في هذا السياق. وفاء لمن؟ ولماذا يستخدمها هنا؟
يوضح الطويل: “العمل يستحضر صورة ‘ملكة الديوان’، بوصفها نموذجاً لبنات جيل الثمانينيات في الجامعة الليبية، حيث كانت العلاقات الإنسانية تقوم على الاحترام والعفة والثقة بالنفس.”
ملكة الديوان. شخصية أسطورية تتجسد في أنثى طالبة في الثمانينيات، تحمل قيماً نادرة، وتحتفي بالاحترام والعفة. لم يذكر اسمها، ربما لأنها لم تكن امرأة واحدة، بل كانت صورة مركبة لكل فتاة جميلة ومحترمة وواثقة من نفسها عاش في ظلها أيامه الجامعية.
“الديوان ليس سيرة ذاتية بالمعنى المباشر”، حذر الطويل، “بل هو مساحة تتقاطع فيها الحقيقة بالخيال. الشعراء كثيراً ما يستعيرون الشخصيات والتجارب لصناعة نصوصهم.”
وهدى هذا الديوان إلى أصدقاء ورفاق درب كان لهم أثر في تشجيعه ونشر كتاباته الأولى. وعلى رأسهم الراحل عدل عبد الواحد يوسف، الذي نشر له أولى نصوصه في صحيفة “الطالب”.
هنا كانت اللحظة الأكثر عاطفية في الأمسية. تخيلوا: نصوص كانت تنتظر منذ الثمانينيات لترى النور. نصوص كُتبت على هوامش دفاتر الجامعة، في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن فيه حاسوب أو بريد إلكتروني. كانت مكتوبة باليد، مخبأة في أدراج، ربما كانت معرضة للضيان.
ولكنها بقيت. لأن صاحبها كان يعرف -ولو دون وعي- أنها ستأتي يومها.
“النصوص تمثل بداياتي الأولى”، اعترف الطويل، “التي خطّها على هوامش دفاتر الجامعة وأوراق المحاضرات، قبل أن ينشغل لاحقاً بعالم العلوم النووية والتاريخ والسياحة والآثار والخيال العلمي.”
ولكن هذا التنوع المعرفي لم يكن عائقاً، بل كان مصدر قوة: “هذا التنوع المعرفي انعكس على صوره الشعرية وتشبيهاته التي استلهمت مفرداتها من الفيزياء والكيمياء والنباتات والطبيعة والتراث.”
وهنا كشف الطويل عن سر آخر: تشجيع متابعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في اتخاذ قرار نشر هذه النصوص بعد سنوات طويلة من الاحتفاظ بها.
إذاً، كان “الفيسبوك” و”تويتر” سبباً في ميلاد ديوان شعري تأخر أربعين عاماً! التكنولوجيا الحديثة التي يفترض أنها قتلت الشعر، هي من أعادت إحياء هذه النصوص القديمة.
واصفاً الديوان بأنه يمثل “مصالحة” مع بداياته الأولى وذاكرته القديمة، ورسالة وفاء للمشاعر والصداقات والذكريات التي عبرت الزمن.
ثم جاء دور الشاعرة حواء القمودي، التي قدمت المداخلة النسائية الوحيدة، وكانت بارعة في اختيار زاويتها. لم تتحدث عن النووي، ولم تتعمق في الخيال العلمي، بل تحدثت عن “المحبة”.
“النصوص هي احتفاء بالمحبة بوصفها قيمة إنسانية سامية”، قالت القمودي، “المجموعة تحمل طاقة وجدانية شفافة، وتمضي بالقارئ في رحلة بين الذكريات والصور والمشاعر التي حافظت على نقائها رغم مرور الزمن.”
الآن، كان الجمهور يفهم لماذا تستمر هذه النصوص في الحياة. لأنها نقية. لأنها كُتبت بقلب طالب في العشرين من عمره، ولم تمسسها عقود من السياسة والتعقيد والإحباط.
“سر هذا العمل”، اختتمت القمودي، “يكمن في وفاء صاحبه لذاكرته ولتلك التفاصيل الإنسانية التي ظل يحتفظ بها داخله لعقود طويلة، قبل أن تتحول إلى نصوص تنبض بالشغف والحنين والجمال.”
في نهاية الأمسية، وقف الحضور ليوقعوا نسخهم من “حفنة ذرات وردية”. كان الطويل يوقع كل نسخة بابتسامة، كمن يزرع بذرة وردية في كل بيت سيحمل ديوانه.
الديوان الذي يقسم إلى أربعة أقسام -نصوص أثرية، نصوص فلكية، نصوص حاسوبية، نصوص نووية- ثم يختتم بـ”بطاقات أمان”. كأن الرجل يقول للقارئ: أنت أمام ذرات متناثرة من الكون كله، اجمعها بنفسك، وكون منها وردتك الخاصة.
عند الخروج من حوش محمود بي، كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة القديمة. الحضور كانوا يخرجون وهم يحملون شيئاً أكثر من مجرد كتاب. كانوا يحملون قصة وفاء لافتة، قصة رجل ظل وفياً لشعره أربعين عاماً، وظل وفياً لـ”ملكة الديوان” التي ربما كانت امرأة واحدة، أو ربما كانت فكرة، أو ربما كانت صورة طلابية جماعية لزمن جميل رحل.
وفي الزاوية القصية من الحوش، كان عبدالحكيم الطويل يغلق حقيبته. كان وجهه يضيء بابتسامة من كان يهمس لنفسه: “أخيراً… خرجت الذرات الوردية من جيبي إلى العالم.”
كانت أمسية استثنائية. لأنه كان رجلاً استثنائياً. وفي مدينة قديمة عريقة مثل طرابلس، تستحق كل استثنائية أن تُحتفى بها.
وبينما كانت أبواب حوش محمود بي تغلق خلف آخر المغادرين، كانت جدرانه تهمس للحاضرين الغائبين: “تعالوا غداً… فربما يأتي مهندس نووي آخر ليوقع ديوانه. هنا، في هذا المكان، كل شيء ممكن. حتى أن تتحول الذرة إلى وردة.”



