فاروق جويدة: شاعر الوطن والحب الممتنع.. أربعة عقود من الغناء للروح المصرية
مقال سردي طويل عن مسيرة شاعر عاشق لمصر، لم يبع هويته ولم يخن حروفه
في صباح يوم عاشر فبراير من عام 1946، وفي محافظة كفر الشيخ بمصر، فتح طفل صغير عينيه على عالم كان يحتاج إلى من يغني له. لم يكن أحد يعلم حينها أن هذا الطفل، الذي سيُسمّيه والده “فاروق جويدة”، سيصبح واحداً من أعظم الأصوات الشعرية في العالم العربي خلال العقود التالية .
قضى جويدة طفولته وشبابه في محافظة البحيرة، حيث تشرب حب الريف المصري ببساطته وعذوبته. كان الفلاحون والبسطاء الذين رآهم كل يوم يزرعون الأرض ويحصدونها، هم من زرعوا في وجدانه حب الكلمة الصادقة البسيطة التي تصل إلى القلب دون تكلف .
في عام 1968، كان الموعد مع القدر: التحق جويدة بكلية الآداب، قسم الصحافة، في جامعة القاهرة . لم يكن يعلم أن هذا التخصص سيمنحه سلاحين معاً: سلاح الكلمة الشعرية، وسلاح القلم الصحفي الذي سيخوض به معاركه الوطنية لعقود طويلة.
بعد التخرج مباشرة، بدأ جويدة مشواره المهني في جريدة “الأهرام” العريقة، حيث عمل محرراً في القسم الاقتصادي . لكن روح الشاعر كانت تأبى أن تحبس خلف أرقام البورصة وميزانيات الشركات. كان جويدة، في هدوء الليل، يخرج من بين الأوراق الاقتصادية ليخلق عوالمه الشعرية الخاصة.
ولم تمر السنوات حتى صعد في السلم الوظيفي، ليصبح رئيساً لتحرير “الأهرام”، ثم رئيساً للقسم الثقافي فيها . وهكذا، نجح جويدة في الجمع بين متناقضين ظاهرياً: الدقة الصحفية من ناحية، والخيال الشعري الثائر من ناحية أخرى. لكنه فعلها، وحافظ على التوازن لأكثر من أربعة عقود.
في العام 2007، وفي إحدى الأمسيات الشعرية التي نظمها منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية، تحدث جويدة بصراحة لم يعتدها الكثيرون. هاجم المثقفين المصريين، واتهمهم بأنهم كانوا وراء انحدار البلاد، وقالها صراحة: “لقد أهانوا البلاد بما أنتجوه خلال الخمسين سنة الماضية” .
لم يكتفِ جويدة بالنقد، بل شرح سبب تسمية زاويته الأسبوعية في الأهرام بـ”هوامش حرة”، مؤكداً: “سأحذف كلمة ‘هوامش’ حينما أتمتع بحرية تعبير غير مشروطة” .
كان جويدة بهذا الموقف يعيد تعريف دور الشاعر: ليس فقط شاعر عاطفة، بل شاعر قضية، ومواطن يرفض الصمت أمام الفساد والتراجع.
دواوينه.. رحلة مع الحب والوطن عبر 13 مجموعة شعرية
لا يمكن الحديث عن فاروق جويدة دون التوقف أمام إنتاجه الشعري الغزير. فبحسب المصادر المتاحة، أصدر جويدة 20 كتاباً، من بينها 13 مجموعة شعرية متميزة، إضافة إلى 3 مسرحيات شعرية حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً .
بدأت رحلته الشعرية الحقيقية في عام 1974، حين أصدر ديوانه الأول “أوراق من حديقة أكتوبر” . كان الديوان أشبه بإعلان ميلاد شاعر جديد يكتب عن النصر والحب معاً. فالنصر في أكتوبر كان حاضراً، والحب أيضاً كان حاضراً. لكن الأهم أن جويدة استطاع من خلال هذا الديوان أن يؤسس لصوته الخاص: لغة بسيطة، عذبة، مباشرة، لكنها في العمق تحمل قضايا كبرى.
في عام 1975، أصدر جويدة ديوانه الثاني “حبيبتي لا تودعيني” . وهنا بدأ النقاد يلاحظون ظاهرة لافتة: عناوين دواوين جويدة غالباً ما تحمل نداءً أو رسالةً أو اعترافاً وجدانياً مباشراً. إنها قصائد تكتب كما لو كانت رسائل حب ممددة على صفحات الكتاب.
توالى بعد ذلك صدور دواوينه بشكل شبه منتظم:
- “ويبقى الحب” (1977)
- “الأشواق تعود” (1978)
- “عنواني في عينيك” (1979)
- “دائماً في قلبي” (1981)
- “لأني أحبك” (1982)
- “سيبقى شيء بيننا” (1983)
- “أطعت قلبي” (1986)
- “لن أبيع حياتي” (1989)
- “علمني زمن القهر” (1990)
- “كان لنا أوطان” (1991)
- “آخر ليالي الحلم” (1993)
هذه العناوين وحدها ترسم خريطة وجدان جويدة: حب، وطن، صمود، ورفض للانكسار. إنها رحلة شاعر عاش الحب بكل تفاصيله، لكنه لم يغفل عن قضايا أمته.
في العام 2010، أثبت جويدة أنه ليس فقط شاعر عاطفة، بل شاعر موقف أيضاً، حين أصدر كتاباً سياسياً بعنوان “اغتصاب بلد: جرائم نهب الأراضي في مصر” (Raping a Country) . وفي هذا الكتاب، انتقد بشدة سياسات الخصخصة التي طبقت في عهدي رئيسي الوزراء الأسبقين عاطف عبيد وأحمد نظيف، واصفاً بيع أصول الدولة بـ”جريمة في حق الشعب” .
اللافت أن جويدة لم يتوقف عند الكتابة وحده، بل كان حاضراً في المشهد السياسي بقوة بعد ثورة 25 يناير 2011. في مايو من ذلك العام، وصف نظام حسني مبارك بأنه ارتكب “ثلاث جرائم كبرى”: تعويم الجنيه المصري في 2003، وإساءة استخدام البنوك العامة لمنح قروض سهلة لرجال أعمال مقربين، والخصخصة العشوائية .
وبسبب مواقفه الجريئة هذه، اختير جويدة في مارس 2012 ليكون عضواً في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور المصري الجديد . لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ فقد استقال احتجاجاً على الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره الرئيس محمد مرسي في نوفمبر 2012 .
لم تكن الاستقالة هي المرة الوحيدة التي يرفض فيها جويدة منصباً حكومياً؛ فبحسب تقارير صحفية، كان الرئيس مرسي قد عرض عليه منصب وزير الثقافة، لكن جويدة رفض .
جويدة لا يكتب الشعر فقط، بل يعيشه. وهذا ما يفسر صموده واستمراريته لأكثر من 50 عاماً في المشهد الثقافي المصري والعربي.
المسرح الشعري وغزو العالمية.. عندما يتحول الحب إلى ضوء على الخشبة
إلى جانب دواوينه الشعرية، ترك فاروق جويدة بصمة فريدة في مجال المسرح الشعري. فلم يكتفِ بكتابة القصائد التي تُقرأ في غرف النوم أو في الندوات الثقافية، بل أراد أن يرى كلماته تتحول إلى ضوء على خشبة المسرح، وتتفاعل مع الجمهور مباشرة .
كتب جويدة ثلاث مسرحيات شعرية ناجحة، لاقت صدى كبيراً في العديد من المهرجانات المسرحية:
هذه الأعمال المسرحية تمثل نقلة نوعية في مسيرة جويدة، فهي تجمع بين الحس الشعري العميق والدراما المشوقة، وتثبت أن الشعر يمكن أن يكون “مسرحياً” بامتياز دون أن يفقد رونقه وجماله.
واللافت أن جويدة لم يبقَ حبيس اللغة العربية فقط، بل ترجمت أعماله الشعرية والمسرحية إلى عدة لغات عالمية، منها الإنجليزية والفرنسية والصينية واليوغوسلافية .
في العام 2020، صدرت ترجمة إنجليزية لبعض قصائده بعنوان “Blood Merchants” ضمن مجلة Toyon الأدبية متعددة اللغات . وفي 2022، صدرت ترجمة أخرى تحت عنوان “Arc & Seam” بترجمة مشتركة بين وليد عبد الله وآندي فوجل .
وصفت الناقدة الأدبية أليسون غريمالدي دوناهيو هذه الترجمة بأنها تمنح القارئ “أرضاً مفتوحة ونازفة، عالماً ولغة تتوسلان إلى الشفاء، وتدعوان إلى الحياة عبر الحدود والاختلافات” .
إن ترجمة شعر جويدة إلى لغات العالم المختلفة دليل على أن همومه لم تكن محلية فقط؛ فقضايا الحرية، والحب، والعدالة التي يكتب عنها هي قضايا كونية. وما يكتبه جويدة في قصائده اليوم يمكن أن يقرأه شاب في الصين أو فرنسا أو أمريكا، ويجد فيه صدى لتجاربه الخاصة.
خاتمة: فاروق جويدة.. بقلم لا ينكسر وحرف لا يخون
يحتفل فاروق جويدة في عام 2026 بعيد ميلاده الثمانين . ثمانون عاماً قضاها بين الكلمات، يزرعها كما يزرع الفلاحون الأرض، ثم يحصد منها قصائد تبقى في الذاكرة لعقود.
ظل جويدة طوال هذه العقود مخلصاً لمبادئه: لم يبع هويته، لم يخن حروفه، لم يساوم على كلماته. كتب عن الحب فكان من أرقى شعراء الحب في جيله. وكتب عن الوطن فكان صوته جريئاً ونادراً. وكتب عن الحرية فكان صوته صادحاً لا يخاف ولا يتراجع.
اليوم، وهو في الثمانين، لا يزال جويدة يكتب وينشر ويحاضر وينتقد. وفي 18 مايو 2026، من المقرر أن يحل ضيفاً على مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث في البحرين، في أمسية تحمل عنوان “رحلة شاعر بين الحلم والحقيقة” .
ستكون الأمسية فرصة جديدة للجيل الجديد من الشباب العربي ليكتشف هذا الكنز الشعري الحي. وسيقرأ جويدة قصائده بصوته الأجش الدافئ، وستنهمر الكلمات كما تنهمر الأمطار في فصل الربيع. وربما في نهاية الأمسية، سيقف بعض الحضور وهم يرددون مطلع إحدى قصائده الخالدة:
“عنواني في عينيكِ.. فاقرأي عنواني
فالقلب يكتب ما يريد.. ولا أكتب أسامي”
فاروق جويدة لم يكتب فقط قصائد الحب؛ لقد كان هو نفسه “شاعر الحب” الذي عرف كيف يخاطب القلوب بلغة يفهمها الجميع، وفي الوقت نفسه ظل القلم الذي لا يكل عن الكتابة لقضايا أمته ووطنه.
تحية لفاروق جويدة، شاعر الحب والوطن، الذي أثبت أن القصيدة لا تموت إذا كان قلب قائلها لا يزال ينبض بالحياة.


