تتجه صناعة الصحافة عالمياً نحو تحول جذري يعيد رسم خارطتها المستقبلية، حيث لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الصحافة كمضمون ستستمر، بل ما هي القنوات التي ستضمن بقاءها؟ في ندوة «مستقبل الصحافة» التي عُقدت في نادي الصحافة الوطني بواشنطن، على هامش بعثة طرق الأبواب رقم 43 التي تنظمها غرفة التجارة الأمريكية في مصر برئاسة عمر مهنا، تجسدت مخاوف وفرص هذه الصناعة. الندوة التي جمعت خبراء بارزين كشفت عن تباين الرؤى بين قلق مشروع وفرص واعدة لإعادة تعريف دور الصحافة ووظيفتها المجتمعية في ظل الثورة الرقمية العاصفة وتغير أنماط الاستهلاك.
أزمة الورق وصعود البديل الرقمي
وطرحت تساؤلات الندوة التى شارك فيها الكاتب الصحفى الأمريكى دانيال ماسى وتوماس جورجيسيان، وهبة القدسى مدير مكتب وكالة الشرق الأوسط فى واشنطن. وتصدرت المناقشات محور مستقبل الصحافة عالميا.. هل انتهى عصر الورق؟، فلم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الصحافة ستستمر، بل كيف ستستمر، فالصحافة الورقية تواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة التحول الرقمى، وانخفاض معدلات التوزيع، وارتفاع تكاليف الطباعة. إلا أن بعض المشاركين أكدوا أن الصحافة الورقية لن تختفى بالكامل، بل ستتحول إلى منتج أكثر تخصصا وعمقا، تخاطب نخبة من القراء الباحثين عن التحليل وليس الخبر السريع. بمعنى آخر، الورق لن يكون وسيلة جماهيرية كما كان، لكنه قد يحتفظ بمكانة «المنتج المتميز» عالى الجودة.
فرضيات الأرقام والواقع الإحصائي
بصراحة تامة، لا أحد يعرف الإجابة حقاً. لكن ما يمكننا فعله هو النظر إلى الأرقام الحالية وبناء فرضيتنا عليها. فلنبدأ إذن بإيجاد بعض الأرقام الفعلية، أليس كذلك؟! صحيفة حقائق الصحف (الرسم البياني الأول) ملاحظة: يدعي هذا الرسم البياني أن هناك انخفاضًا في توزيع الصحف منذ عام 1990. (الرسم البياني الثاني) ملاحظة: يدعي هذا الرسم البياني أنه منذ عام 2014 على الأقل، كان هناك زيادة في استخدام موقع الصحيفة الإلكتروني (استهلاك الأخبار الرقمية). بيانات قراءة وتوزيع الصحف البريطانية، ورؤى الجمهور، وغير ذلك الكثير (انتقل للأسفل وحدد خيار “القراء”، ثم الشريحة رقم 42) تُظهر هذه الشريحة مدى انتشار جميع وسائل الإعلام في المملكة المتحدة شهريًا عبر مختلف المنصات. عند النظر إلى هذه الشريحة، نلاحظ بوضوح أن استخدام الوسائط الرقمية يفوق بكثير استخدام الوسائط المطبوعة. من المفيد أيضًا مقارنة الشريحة رقم 9 (إجمالي انتشار المطبوعات حسب الفئة العمرية) بالشريحتين رقم 23 و/أو 30 (تشير كلتا الشريحتين إلى نفس النتيجة تقريبًا). ملاحظة: عند المقارنة بينهما، نلاحظ أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يميلون إلى متابعة الأخبار عبر الأجهزة المحمولة، وبالتالي الوسائط الرقمية (الهواتف الذكية و/أو الأجهزة اللوحية). أما الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر، فيميلون إلى متابعة الأخبار بشكل أساسي عبر الوسائط المطبوعة. (إذا كنت ترغب في قراءة المزيد من الأرقام، فراجع تقرير حالة وسائل الإعلام الإخبارية . جميعها أشياء مثيرة للاهتمام ولكنها جميعًا تقول الشيء نفسه بشكل أساسي).
صراع البقاء والتحول الشامل
أدرك أن هذا ليس بحثًا معمقًا على الإطلاق، بل مجرد دراسة سريعة. لكن يمكنني القول إن جميع الأرقام والرسوم البيانية تشير إلى نفس النتيجة: مبيعات الصحف المطبوعة على المدى الطويل في انخفاض، بينما لا تتأثر مبيعات المجلات وغيرها (مع العلم أن هذه الوسائل الإعلامية مختلفة تمامًا ولها جمهور مختلف). يتوافق هذا مع خبرتي الطويلة في توزيع الصحف ودراستي للصحافة: فالصحف، على وجه الخصوص، تمر بظروف صعبة. وتشهد مبيعاتها انخفاضًا مستمرًا منذ فترة طويلة. ويبدو أن هذا الأمر لا يرتبط بمكان وجودك, إذ يتجه الناس في جميع أنحاء العالم إلى استهلاك المزيد من الوسائط الرقمية وتقليل استهلاك الصحف الورقية (وأؤكد أن وسائل الإعلام المطبوعة تشمل أيضًا شخصيات كرتونية مثل دونالد داك، والمجلات الرياضية، وغيرها. ولا تظهر جميع هذه الوسائل علامات على فقدان القراء). ربما يُنقذ هذا الارتفاع المفاجئ في الرغبة بالدفع مقابل الصحافة الجيدة الصحف لبضع سنوات أخرى، لكن بصراحة، أشك في ذلك. تهدف مدرستي إلى تعليمي مهارات العمل الحر، لا ضمان الحصول على وظيفة في صحيفة. هذا هو الواقع. أظن أنه على مدى عشر سنوات، ستبقى بعض الصحف على الأقل. لكن بناءً على ما أراه في بلدي (هولندا)، أعتقد أن جميع الصحف الكبرى ستُدرك عاجلاً أم آجلاً ضرورة التحول إلى النشر الرقمي بالكامل.

