بقلم: نسرين أنطونيوس
تنطلق الكتابة الروائية عند الأديبة التونسية عروسية النالوتي من مناطق الظل العميقة في النفس البشرية، متخذة من الهشاشة الإنسانية والوجع منطلقاً تشكيلياً لإعادة بناء الوعي الجمعي والفردي. وفي المقال الذي بين أيدينا، نتبين كيف تتحول تجربة الألم في روايتها البارزة (تماس) من مجرد حدث عابر أو حكاية عادية تُسرد، إلى أداة مكاشفة تفكك ترسبات الوعي وتواجه بنى القمع والنسيان. يضيء هذا الطرح النقدي على أسلوب النالوتي المائل إلى التكثيف الاقتصادي اللغوي، والتشظي الزمني المحاكي لالتفافية الذاكرة؛ مما يجعل من النص مرآة تعكس التوتر الخلاق بين الذات وماضيها، ويحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في إنتاج المعنى واستشعار الأبعاد الوجودية للجرح المعيش في سياقه المغاربي الملموس.
في المشهد السردي المغاربي، تبرز (عروسية النالوتي) بوصفها صوتاً يكتب من تخوم الهشاشة الإنسانية، حيث يتحول الجرح من واقعة عابرة إلى بنية عميقة، تُشكّل الوعي وتعيد صياغة العلاقات، وتترك أثرها في نسيج اللغة ذاتها.
لا تتعامل الكاتبة مع الألم بوصفه موضوعاً سردياً جاهزاً، بل بوصفه تجربة تتخلل الرؤية وتعيد تنظيمها من الداخل. لذلك، في روايتها (تماس)، لا نكون أمام حكاية تُروى بقدر ما نكون إزاء تجربة تُستعاد وتُفكَّك، حيث يغدو السرد أداة للكشف، واللغة فضاءً للمواجهة، لا تقول الواقع بقدر ما تزيح عنه قناعه، وتستدعي ما يظلّ فيه مكتوماً ومؤجّلاً.
تنهض الرواية على مفهوم (التماس) بوصفه لحظة احتكاك كثيفة ومفصلية، لا تقتصر على التلاقي بين أطراف مختلفة، بل تكشف ما ينطوي عليه هذا التلاقي من توتر كامن. إنه تماس بين الذات وماضيها الذي لا ينقضي، بين الإنسان وذاكرته المثقلة، وبين الفرد وبنية ضاغطة تعيد تشكيله من حيث لا يدري. غير أن هذا الاحتكاك لا يمرّ دون أثر؛ إذ يخلّف صدعاً داخلياً يتسرّب إلى الوعي، وينعكس في تشظّي الشخصيات وارتباك علاقتها بذاتها وبالعالم من حولها. ومن هنا، لا تقدّم عروسية النالوتي شخصيات مكتملة أو مستقرة، بل كائنات في طور التشكّل، مأزومة ومعلّقة، تحاول أن تفهم ما حدث لها، وتبحث، في تعثّر واضح، عن لغة قادرة على تسمية تجربتها واستيعابها.
تتجلّى قوة الرواية في انشغالها العميق بالبُعد النفسي، حيث لا تُعرض الوقائع بوصفها أحداثاً خارجية عابرة، بل كترسّبات داخلية تتسلّل إلى الوعي وتعيد تشكيله من الداخل. إننا إزاء سرد ينصت إلى ما يتوارى خلف الكلام، ويلتقط تلك اللحظات الصامتة التي لا تُروى، لكنها تتحكم في مسار الحياة وتوجّه اختياراتها الخفية. فالعنف في (تماس) لا يتجلى غالباً في صورته الصريحة، بل يتخفّى في التفاصيل الدقيقة: في الانكسارات الهامشية، في التردّد المربك، في الصمت المثقل الذي يفصل بين الشخصيات، وفي ذلك الإحساس المراوغ بأن خللاً ما قد وقع، وأن ما انكسر لا يمكن ترميمه أو استعادته كما كان. هنا، يتحول السرد إلى تشريح دقيق للأثر، لا للحدث، ولما يتركه في النفس من ارتباك مستمر لا يهدأ.
على هذا المستوى، تكتب (عروسية النالوتي) ضدّ النسيان، لا بوصفه فعل محو فحسب، بل كآلية خفية تُعيد ترتيب الألم وتُخفي أسبابه. فالرواية لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تنخرط في مساءلته وإعادة تفكيكه، كأنها تحاول انتزاع المعنى من طبقات الصمت التي تراكمت حوله. الذاكرة هنا ليست أرشيفاً محايداً للوقائع، بل حقلاً متوتراً تتنازع فيه الرغبة في التذكّر مع الحاجة إلى النسيان؛ تستعيد الألم بقدر ما تسعى إلى احتوائه، وتكشفه بقدر ما تخشى الانغماس فيه. ومن داخل هذا التوتر الخلّاق، تنجح الكاتبة في نقل التجربة من خصوصيتها الفردية إلى أفق أوسع، حيث تغدو مرآة تكشف هشاشة البنى التي يُفترض أنها تمنح الإنسان الأمان، لكنها كثيراً ما تنقلب إلى مصادر اختلاله العميق.
أسلوبياً، تنحاز لغة عروسية النالوتي إلى التكثيف والاقتصاد، غير أنها لغة مشبعة بطاقة إيحائية عالية، تُراكم دلالاتها في العمق أكثر مما تُفصح عنها في السطح، فهي لا تستند إلى الخطابة أو المباشرة، بل تُراهن على الإيماء، وعلى ذلك التوتر الخفي بين ما يُقال وما يُترك في الظل، حيث يتكوّن المعنى تدريجياً في منطقة بين الحضور والغياب. تمنح هذه الكتابة النصَّ نبرةً اعترافيةً رصينة، لا تنزلق إلى البوح الفجّ، بل تحتفظ بمسافة جمالية تُضفي عليه كثافة وتأملاً. وهكذا، لا يُقدَّم المعنى جاهزاً، بل يُستدعى عبر القراءة، فيغدو القارئ شريكاً في بنائه، ومنخرطاً في فكّ شفراته، لا متلقياً سلبياً لنتائجه.
كما أن البناء السردي في (تماس) لا ينقاد لمنطق الزمن الخطي، بل يتشظّى ويتراكب، فيحاكي حركة الذاكرة في اضطرابها والتفافيّتها. فالماضي لا يُستعاد بوصفه واقعة منقضية، بل يحضر كقوة فاعلة تتسرّب إلى الحاضر، تُعيد تشكيله وتلوّنه بظلالها الثقيلة. ومن خلال هذا التداخل الزمني، يتكوّن إحساس دائم بـ(اللا استقرار)، حيث تتداخل الأزمنة وتتقاطع، فلا يعود ممكناً الفصل بين ما كان وما هو كائن. وهكذا، لا يكون هذا البناء مجرد تقنية سردية، بل ترجمة دقيقة لارتباكٍ داخلي تعيشه الشخصيات، وانعكاساً لحالة وعي معلّق بين زمنين، لا يستقر في أحدهما ولا يتحرر من الآخر.
ولا يمكن قراءة (تماس) بمعزل عن بعدها الثقافي الأوسع، إذ تنتمي إلى تيار روائي اهتم بمساءلة ما يُسكَت عنه، وكسر حاجز الصمت حول التجارب المهمّشة أو المقموعة. وما يميز عروسية النالوتي، هو قدرتها على تفادي المباشرة، وتحويل هذه القضايا إلى تجربة جمالية وفكرية متكاملة، حيث لا تصبح الرواية مجرد خطاب أو وصف، بل فعل كتابة حيوي، يشتغل على اللغة والبنية السردية بقدر ما يشتغل على الموضوع، ويتيح للقارئ الانخراط في عملية اكتشاف المعنى واستشعار عمق التجربة الإنسانية.
في هذا السياق، تتجاوز (تماس) حدود الرواية التقليدية عن الألم، لتصبح كتابة على حافة الجرح، حيث لا يسعى النص إلى تضميد الجروح أو تجاوزها بسرعة، بل إلى فهمها بعمق، والاستماع إليها بصمت، ومنحها شكلاً يتيح التفكير والتأمل. هنا تتجلّى قوة الرواية في قدرتها على تحويل المعاناة إلى معرفة مدروسة، والجرح إلى فضاء للتفكير، بحيث يصبح القارئ شريكاً في تجربة السرد، مدركاً أن الألم ليس حدثاً عابراً، بل هو أفق يفتح على أسئلة وجودية وثقافية عميقة.. ويمكن قراءة هذا الأفق ضمن تقاطع مع تجارب روائية عالمية اشتغلت على الألم بوصفه مادة للوعي، لا مجرد موضوع للسرد؛ إذ تلتقي كتابة عروسية النالوتي مع (فيرجينيا وولف) في حساسيتها العالية تجاه تشظّي الوعي وتدفقه، ومع (توني موريسون) في قدرتها على جعل الذاكرة الجريحة فضاءً لإعادة بناء الهوية. غير أن خصوصية (تماس) تتجلّى في نقل هذا البعد الكوني إلى سياق مغاربي ملموس، حيث لا يبقى الجرح فكرة مجردة، بل يتحول إلى تجربة معيشة، تتقاطع فيها الذات الفردية مع ثقل الذاكرة الجمعية.
إن عروسية النالوتي، في (تماس)، لا تكتب من موقع الراوي العارف بكل شيء، بل من موقع من يعيش التجربة ويصغي إلى صدعها الداخلي، متحدياً الصمت الذي يكتنفها. لذلك، تبدو الرواية منفتحة على القلق الدائم، وعلى الأسئلة التي لا تصل إلى إجابات نهائية، فتظل معلقة في حالة تأمل مستمرة. وفي هذا الإطار، تنتمي (تماس) إلى أدب يعتبر الكتابة فعل مقاومة للنسيان، وممارسة مستمرة لإعادة بناء المعنى في عالم يواصل تفكيك ذاته وإعادة تشكيله بلا هوادة.

