أفانين
غلاف العدد الأول من مجلة جسور ثقافية الصادرة في مونتريال كندا ربيع 2026.
الإصدارات

صدور العدد الأول من مجلة “جسور ثقافية” في كندا: نافذة جديدة لإثراء المشهد الإبداعي العربي

“جسور ثقافية” من مونتريال.. انطلاقة فكرية طموحة تربط المغترب العربي بجذور الهوي

مقدمة:

شهد المشهد الثقافي والإعلامي العربي في المهجر ولادة منبر فكري جديد يحمل اسماً على مسمى، حيث صدر في مدينة مونتريال بكندا العدد الأول (ربيع 2026) من مجلة “جسور ثقافية”، الصادرة عن منصة “آفاق العربية الثقافية الإجتماعية” (Horizons Culturels et Sociaux). تأتي هذه المجلة لتمثل حلقة وصل حضارية تهدف إلى تعزيز التواصل بين المبدعين العرب في بلاد الاغتراب وجذورهم الثقافية الأم، محملةً برؤية طموحة تسعى لإثراء الساحة الفكرية والأدبية. وفي مجتمع يتسم بالتسارع الرقمي، تقدم “جسور ثقافية” وجبة معرفية رصينة ومتوازنة تجمع بين شؤون المجتمع، الفنون، الأدب، الفكر، والحوار، مما يجعلها إضافة نوعية بالغة الأهمية للقارئ العربي الباحث عن أصالة الكلمة وعمق المعنى وسط ضجيج العصر الحاضر.

المشهد الثقافي العربي في كندا وولادة مجلة جسور ثقافية

يتعاظم دور المجلات الورقية والإلكترونية الجادة في بلاد المَهاجر كأدوات أساسية لحفظ الهوية الوطنية واللغوية، وفي هذا السياق تأتي مجلة “جسور ثقافية” لتسد ثغرة واضحة في كندا، مقدمةً مساحة حرة للمفكرين والأدباء العرب لمشاركة إنتاجاتهم الإبداعية. وتظهر صفحات العدد الأول تنوعاً غنياً يبرز ملامح الشخصية العربية واهتمامها بالعلوم والآداب عبر التاريخ؛ ففي لفتة تقديرية عميقة، تصدرت صورة العالم المسلم “الخوارزمي” غلاف العدد بوصفه “شخصية العدد”، في إشارة واضحة من المجلة إلى ضرورة استدعاء أمجاد الفكر العلمي العربي وبناء جسور متينة ترسم ملامح المستقبل من وحي أصالة الماضي.

محتوى العدد الأول: فوضى “الفراش المبثوث” وماهية الرواية

تضمن العدد الأول دراسات نقدية ومقالات أدبية على درجة عالية من الأهمية والعمق، كان من أبرزها المقال التحليلي الموسع للروائية ريما آل كلزلي بعنوان “فوضى (الفراش المبثوث): ماهية الرواية ودور الرواية بين الإرواء والفوضى”. تتناول الكاتبة في هذا المقال إشكالية جوهرية تواجه الفن الروائي المعاصر، متسائلة عما إذا كانت الرواية اليوم قادرة على إرواء الحاجة الروحية والفكرية للإنسان، أم أنها انزلقت في فوضى الاستهلاك الرقمي السريع وتخلت عن بريقها وجمالها الفني.

ونستعرض فيما يلي النص الكامل للمقال كما ورد في صفحات المجلة دون أي تعديل:

مدخل إلى سؤال الرواية اليوم

قبل أن نتساءل عن سبب كتابة الرواية اليوم، أو نتناول إشكالية كون الرواية رؤية للعالم أو فلسفة خفية تنبثق بين طيات النص، يجدر بنا أولاً أن نخوض في طبيعة الرواية ذاتها. ما هي الرواية؟ وما الإشكاليات التي تواجهها في عالم الإنتاج الثقافي المتسارع؟

إن هذا الكم الهائل من الإنتاج يدفعنا إلى التفكير في ماهية الحركة المنظمة التي تلهم النفس البشرية وكذلك العين التي دائماً تبحث عن جمال النظام، جمال الفكرة، وجمال الفلسفة المتجسدة داخل النص. لذلك، نرى الرواية ككائن حي، وفعل ثقافي يملك تاريخه وإرثه، ينمو على أرض ممتلئة بالتحولات.

الإنسان الحكّاء وجاذبية الحكاية

الإنسان بطبيعته كائن حكّاء، ينساق خلف الحكايات كالظمآن خلف الماء، لا سيما عند فراغ النفس. كأنما الحكايات في جوهرها لوحات محفوظة في متحف ذاكرة البشرية، تصوغ بألوانها وجدانيات البشر، تجاربهم، انكساراتهم وانتصاراتهم. فيبقى السؤال الذي لا تنفك الرواية تقدمه كل يوم: لماذا نحب الحكايات؟

أنحبها لأنها مرآة واقعية تنسج تجارب رآها الجميع، لكن تضيء الزوايا الخفية منها؟ أم لأنها تسبح في بحر الخيال بغير قيود، تسحرنا بجمال الغموض، وتخرجنا من رتابة الواقع إلى عوالم أشبه بألف ليلة وليلة؟ هنا يكمن سر الرواية العميق ليس كعملية قصّ، إنما إعادة تشكيل ذوات تفيض بالاحتمالات، وتعيد إحياء الأمكنة لتجعل من الضوضاء صمتاً مقدساً.

إذا ما عدنا إلى الجذر اللغوي لكلمة (روى) نجد الباب مفتوحاً على معانٍ سرمدية حضنتها الكلمة منذ بدايتها: السقاية والإشباع، سواء كان ذلك مادياً أو معنوياً. منذ القدم ارتبط فعل “الرواية” بنقل المعرفة والخبر والتجارب والحكايات، في صيغة توثيق الوقائع التاريخية “روى فلان” كما فعل ابن إسحاق في ” السيرة النبوية”، أو في صياغة المتعة الفنية كما فعل أبو فرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني”، فكانت الرواية تلبي حاجتين إنسانيتين، هما نقل الخبرة، والسقاية الرمزية للنفس التي تتوق إلى الإثراء والتلذذ بما يروى. في هذا السياق يرى د.عبد الملك مرتاض أن العرب القدماء استشعروا علاقة عميقة بين الماء والشعر أو السرد كحاجة يرتوي بها النفس، فيقول: ” ثم جاؤوا إلى هذا المعنى فأطلقوا على ناقل الشعر رواية؛ وذلك لتوهمهم وجود علاقة النقل أولاً، ثم لتوهمهم وجود التشابه المعنوي بين الري الروحي الذي هو الارتواء المعنوي من التلذذ بسماع الشعر أو استظهاره بالإنشاد، والارتواء المادي الذي هو اللعب في الماء العذب البارد الذي يقطع الظمأ (…) وإنما لاحظ العربي الأول العلاقة بين الشعر والماء؛ لأن صحراؤه كان أعز شيء فيها هو الماء، ثم الشعر”.

دور الرواية بين الإرواء والفوضى

ولكن، هل تلبي الرواية دورها اليوم بصفتها رواية، أي ناقلاً وقادراً على إرواء الحاجة الروحية والفكرية؟ أم أنها تسقط في فوضى “الفراش المبثوث” متخلية عن بريقها وجمالها.

تظهر الرواية تمازجاً عميقاً مع جذور الفنون الأدبية الكلاسيكية التي أرسى أرسطو ملامحها، فهي تستمد من التراجيديا صراع الفرد مع قوى تفوقه، ومن الملحمة ضخامة صدامها مع المجتمع، ومن الدراما القدرة على تصوير الحالات الإنسانية والعواطف بتفصيلها. غير أن الرواية لم تأخذ هذه العناصر كما هي، بل أعادت تشكيلها، فقدمت نماذج لأبطال مأزومين بإرادة مقموعة، مثل البطل مصطفى سعيد في رواية ” موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، كمثال للبطل المأزوم الذي يعيش بين حضارتين صراعاً داخلياً عميقاً، بين ماضيه الاستعماري وهويته الخاصة، فكانت حياته مزيج من النجاح الأكاديمي في الغرب والانهيار النفسي الناتج عن فقدان الهوية والمعنى.

البطل التراجيدي: وليد مسعود

على عكس البطل التراجيدي الذي يقاوم القدر، مثاله وليد مسعود في رواية” البحث عن وليد مسعود” لجبرا إبراهيم جبرا وهو البطل الفلسطيني الذي اختفى فجأة، تاركاً خلفه أسئلة ونصوصاً تحمل أزماته الشخصية والسياسية. وتتبع مأساويته من صراعه بين حلمه النبيل بتحقيق الخلاص الوطني وبين محدوديات الواقع القاسي.

أو البطل الملحمي الذي تتجسد فيه بطولات جماعية مثاله ناصر الحايك في رواية ” مدن الملح ” لعبد الرحمن منيف. البطل الذي مثل عنصراً ملحمياً في صراع مدن الملح مع التحولات الاجتماعية والسياسية. في هذا المشروع الروائي الضخم، تم استدعاء البُعد الجماعي لصراع المدن العربية مع القوى الخارجية المهيمنة، سواء الاستعمارية أو النظم الاقتصادية آنذاك. فيعبر ناصر عن روح ملحمية تعيد التفكير في التحديث والصراع للحفاظ على الهوية.

الرواية مختبر فكري ووجداني، يعاد فيه تشكيل الواقع عبر سرد نثري طويل لمجموعة أحداث مترابطة، تُبنى بأبعاد زمانية ومكانية وشخصيات متفاعلة تهدف إلى إبلاغ قيم معينة أو تسليط الضوء على تجارب بشرية. إنها نظام مفتوح يعبر عن فهم الكاتب للعالم، وذلك عندما تعكس وجهة نظره تجاه قضايا معينة، غالباً ما يكون الهدف منها هو إيصال تجربة، أو إحساس معين للقارئ. ولا يوجد معيار للفشل، فالمسرحي يدرك العالم من خلال التراجيديا أو الكوميديا، والفنان يراه نوتات موسيقية، بينما السرد الروائي يهيمن على وعي الكاتب في إنتاج المعنى السردي.

أزمة الرواية في عصر الوفرة

يمكن القول إن تراجع القيمة والحضور الأدبي للرواية هو نتيجة لتداخل عوامل ساهمت في ازدياد انتشارها، ولكن على حساب تراجع جودتها وانخفاض تأثيرها. فقد أصبح للرواية كغيرها من الفنون نصيبها من عصر الوفرة المفرطة؛ سواء على مستوى الإنتاج أو النشر. هذا الواقع يثير العديد من التساؤلات حول قيمتها الأدبية ودورها الثقافي، نطرح منها:

أولاً، النشر الذاتي وسهولة الإنتاج: لقد أصبحت الرواية اليوم في متناول كل من يريد الكتابة بسهولة فائقة.

ثانياً، غياب معايير الجودة والفلترة: إلى طغيان الكم على الكيف، مما أضعف مصداقية الرواية كفن إبداعي وأدبي.

ثالثاً، وفرة العرض وندرة الطلب: مع وجود آلاف الروايات على الأرفف والمخازن الرقمية، باتت الكمية تفوق حاجة القارئ.

رابعاً، السطحية والترويج الذاتي: فقد أصبح جزء كبير من الحضور الروائي يعتمد على صورة الكاتب وشهرته الشخصية فقط، وهو ما أفقد الرواية حضورها الفكري.

خامساً، تناقض بين نضج القارئ وانحدار المستوى الأدبي: إن وعي الجمهور الأدبي في ازدياد ما أدى إلى خلق فجوة بين تطلعات القارئ، ونوعية الرواية المقدمة.

سادساً، السوق التجاري وتأثير الربح: أصبحت دور النشر أكثر اهتماماً بالتسويق وتحقيق الأرباح من خلال نشر روايات استهلاكية تركز على التسويق اللحظي، والجذب البصري، متغافلة عن القيمة الأدبية للرواية.

سابعاً، الخيال الجاهز وتأثير السينما: وتكمن في تلقي القارئ الخيال الجاهز مثل الوجبات الجاهزة والملابس الجاهزة.

وأخيراً، غياب النقد الأدبي الجاد.

لقد كشف العصر الرقمي خبايا المجتمع والإنسان، فأصبح عارياً أمام مجتمعه، وربما أمام نفسه، بعد أن أزاحت التكنولوجيا ستار الغموض الذي كان يحيط بحياته في عقود مضت. ففي ستينات وسبعينات وحتى تسعينات القرن الماضي، كان وراء كل رواية دافع ورغبة، بل وفضول يدعو للمعرفة وللمتعة وللاكتشاف. أما اليوم، فكل شيء قابلاً للوصول بسهولة، حيث المتعة والمعرفة لم تعد تتطلب انتظاراً وصبراً، كل شيء يقدم جاهزاً، آنياً، ومرضياً للحاجة اللحظية. وهنا يبرز سؤال: ما الذي قد يدفع إنسان العصر الرقمي لأن يمسك برواية مطولة، بدلاً من استهلاك محتوى سريع أقصى درجات التحفيز والدوبامين بسهولة؟

الرواية في مواجهة الإنسان الوحيد

إن الثقافة الجاهزة، والمحتوى القصير والسريع، قد صادرا فضيلة الصبر التي اعتاد القارئ تنميتها أثناء قراءة عمل روائي طويل. لكنها لم تستطع أن تلغي حاجته إلى فهم ذاته، تلك الحاجة المتجذرة في وجوده. فإذا كان دوستويفسكي قد رصد الصراع الداخلي للإنسان في زمن المجتمع التقليدي، فإن الرواية اليوم تحاول فك شيفرات الإنسان الرقمي، الذي يعيش تناقضات جديدة تماماً، مثل السعي للحفاظ على شخصية مثالية وجذابة في العوالم الافتراضية، بينما يخفي هشاشة معنوية في الواقع؟ الرواية اليوم تواجه إنساناً وحيداً، على الرغم آلاف الأصدقاء الرقميين الذين يحيطون به في العالم الافتراضي. يبحث عن المثالية تحت ضغط التوقعات، حيث كل شيء ممكناً، وكل الخيارات في متناوله. ومع ذلك يبدو عاجزاً عن بلوغ الرضا، أو الاكتفاء. من الصعب القول بأن الرواية فقدت قيمتها تماماً، فيما لا تزال هناك أعمال أدبية تقدم رؤى عميقة للحياة والإنسانية. بل أصبحت تعاني من التجارية والسوقية التي طغت على الأدب بشكل عام. فكيف يمكن للرواية أن تصنع قارئاً رقمياً يرفض مواجهة تناقضات المجتمع أو يخشى مواجهتها؟

التحدي الحقيقي للرواية اليوم

التحدي الحقيقي للرواية اليوم لا يكمن في وجود أو انعدام الروايات الجيدة، بل في إيجاد مكانها، وقدرتها على الوصول إلى القارئ وسط هذا الكم الهائل من الأعمال. فالرواية بحاجة إلى العودة إلى جذورها الفكرية والجمالية، مستعيدة توازنها بين الكم والكيف. فكما كانت أعمال دوستويفسكي أورويل وباموق وحنا مينا ونجيب محفوظ محطات أساسية في رسم معالم الرواية الفكرية، نحتاج إلى كتاب يعيد استنطاق هذه القوى الإنسانية العظيمة، وإلى قراء يمتلكون الوعي الكافي للتمييز بين صوت الضجيج وصوت المعنى. ولعلنا نقول مختتمين، إن الرواية هي صوت الإنسان في كل التحولات، وللحديث بقية…

خاتمة:

يمثل صدور مجلة “جسور ثقافية” خطوة رائدة وشجاعة في زمن عز فيه الورق وتراجعت المجلات الرصينة لحساب المنشورات الاستهلاكية العابرة. إن احتضان المجلة لأقلام واعية وعميقة ومقالات نقدية تفكك أزمات الإبداع المعاصر يعيد الثقة في قدرة النخب العربية المغتربة على قيادة حراك تنويري متجدد، لتبقى الثقافة العربية حية، نابضة، وقادرة على مد الجسور أينما حلت وارتحلت.

ذات صلة

«حصاد الشوك».. الروائي سالم الهنداوي يُفكك “وهم الجوائز” في إصدار جديد عن دار السراج

suwaih

أفضل 40 كتاباً عالمياً لعام 2026

suwaih

إصدارات مبدعون تصدر لمحة عن التاريخ الليبي

suwaih

القواميس… بنك اللغة وجسر تواصل الشعوب

suwaih

صالون الجزائر الدولي للكتاب يفتح أبوابه أمام الزائرين

suwaih

صدر حديثا عن دار المدى كتاب ” بعيداً عن الضوضاء ” 

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية