في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025، حيث أزدحمت الأروقة بعشاق الكلمات، وقفت رواية “ألوان الظلام” للكاتبة السورية ريما آل كلزلي شامخةً على رف دار “مجاز”، تحمل بين دفتيها (270 صفحة) ليست ورقاً فقط، بل نبضاً لقلوب فقدت نور أعينها فاكتشفت بصائرها.
بصيرة القلوب وفلسفة النور الخفي: قراءة في رواية “ألوان الظلام” لريما آل كلزلي
رواية "ألوان الظلام" للكاتبة السورية ريما آل كلزلي، والصادرة عن دار "مجاز" في 270 صفحة. يغوص هذا العمل الأدبي الثامن في مسيرة الكاتبة -الممتدة بجذورها في الفلسفة، أصول الدين، وعلم النفس التربوي- في أعماق النفس البشرية وتخوم الفقدان والهشاشة. يستعرض المقال كيف تحول الرواية تجربة فقدان البصر من انكسار تراجيدي إلى بوابة تنويرية لاكتشاف بصيرة الروح، ممتزجةً بلغة شاعرية وبناء زمني يزاوج بين السرد والموسيقى الداخلية، لتضع القارئ أمام تساؤلات وجودية حول الحتمية والقدر، وصراع المشاعر الإنسانية الممزقة بين الشفقة، التعاطف، والإعجاب بنخوة الأبطال في عوالم الرياض المعاصرة والقديمة.
رومانسية تولد من رحم العتمة: تشابك المصائر والانكسارات الإنسانية في “ألوان الظلام”
لم تكن ريما آل كلزلي، تلك المرأة التي حملت شغف الفلسفة منذ نعومة أظفارها، ثم توجت دراستها بالأصول الدين وعلم النفس التربوي، لتكتب روايتها الثامنة عبثاً.
لقد أرادت أن تلتقط لحظة الانكسار التي يفقد فيها الإنسانُ قدرتَه على الرؤية؛ ليس لينهار، بل لينطلق في رحلة البحث عن النور الذي لا يُرى بالعين، بل يُحَسّ بالقلب. “الفن هو الحياة بكل تناقضاتها”، هكذا تكتب في مقدمتها، وكأنها تهمس لنا: هذه ليست مجرد حكاية، بل مرآة.
ريما آل كلزلي، بين الفلسفة والروح، تنفس السرد وتشابك المشاعر الإنسانية
ليست ريما آل كلزلي كاتبة بالصدفة. هي التي درست أصول الدين وعلوم القرآن بمرتبة الشرف، ثم مضت لتجمع إلى ذلك الماجستير في علم النفس التربوي، كأنها تؤثث روحها قبل أن تؤثث رواياتها. بين “الفلسفة بدهشة طفل” والنقد الأدبي والشعر، ولدت تجربة فريدة في المشهد الثقافي السوري والعربي. تقول: “الأدب انعكاس للواقع، وله دور في رفع الوعي بالقيم الإنسانية”. وروايتها الثامنة، “ألوان الظلام”، خير دليل.
ليس العمى نهاية، بل بداية البصيرة
“ألوان الظلام” ليست حكاية امرأة فقدت بصرها. إنها، كما تصفها مؤلفتها، رحلة “من الألم إلى الأمل، ومن الانكسار إلى التماسك، ومن العتمة إلى ألوان أخرى للوجود، لا تُرى بالعين بل تُحَس بالقلب”. الرواية، الصادرة عن دار مجاز في 270 صفحة، تلتقط لحظة سقوط الإنسان في ظلمة فقدان النور، لكنها تحوّل تلك اللحظة إلى سؤال وجودي: هل نستسلم، أم نقاوم لننهض من جديد؟
ثلاث لحظات تنسج القدر
تشكل الرواية عوالمها من ثلاث لحظات مفصلية: لحظتان تراجيديتان تهزان الأرض تحت أقدام الأبطال، ولحظة حب رومانسية خالصة بين بدر وخزامى، حب وُلد في حضن الحزن نفسه. بين هذه اللحظات، تتوالد الأحداث ككائن حي؛ تتشابك العلاقات، وتتعقد النفوس، ويظهر صراع الذات مع الذاكرة والواقع.
تأخذنا الكاتبة عبر أحياء الرياض بعلاقات جيرانها، وإلى حكمة جد بدر التي لا تنضب. نعيش قصة حب وزواج قصير، خلف طفلة لم تعرف أمها إلا بعد سنين، بصدفة لم تكن عابرة.
أين يقف القارئ؟
البراعة الحقيقية لآل كلزلي أنها لا تمنح القارئ راحة في إصدار الأحكام. يتجول السرد بين الاستباقات والارتدادات الزمنية، كاشفاً الأسرار بمتعة ودهشة. والقارئ، في النهاية، يجد نفسه ممزقاً:
- هل يتعاطف مع صفية؟
- أم يبكي لحالة خزامى وهي تعيد اكتشاف العالم دون عيون؟
- أم يأسف على غيث؟
- أم يحيي نخوة بدر الذي يتمسك بالحب كطريق للخلاص؟
ثم يبقى السؤال معلقاً في الهواء، كما تريد الكاتبة: هل نحن من نختار مصائرنا، أم أن القدر هو من يكتبنا؟
لغة بين الشعر واللوحة
ما يميز “ألوان الظلام” هو موسيقاها الداخلية. اللغة تتصاعد بين الشعر والسرد، لتخلق عالماً ساحراً. تقول آل كلزلي: “وأنت تقرأ هذه الرواية، ستجد نفسك مشبعاً بغريزة السرد بقدر ما تشبع غريزة الشعر. نصان متوازيان، متآخيان، يتبادلان المتعة والإمتاع: السرد والشعر، في لحظة واحدة.”
كأن الرواية لوحات فنية تنبض بالحياة، تنقل القارئ من دهشة إلى دهشة، ومن حالة نفسية إلى أخرى، حتى يخرج من التجربة وقد تغير داخله شيء ما.
“ألوان الظلام” ليست مجرد عنوان لرواية، بل فلسفة كاملة. إنها إجابة ريما آل كلزلي على سؤال: كيف يمكن للفن أن يكون خلاصاً؟ وكيف يمكن للإنسان، حين يفقد نور عينيه، أن يرى أعمق مما كان يراه من قبل؟ عمل أدبي مفعم بالعاطفة والدهشة، يستحق أن يُقرأ، بل أن يُعاش.

