دمشق ـ الصحافة الفنية
في عرض مسرحي استثنائي يتجاوز القوالب الكلاسيكية، قدم المخرج السوري منتجب صقر قراءة بصرية ونفسية شديدة الخصوصية لنص الكاتب الفرنسي برنار ماري كولتيس “الليلة التي سبقت الغابات”. العرض الذي استضافته خشبة المسرح لم يكن مجرد سرد لحكاية عابرة، بل تحول إلى “حالة إنسانية” مكثفة تُعري قيم الضياع والوحدة في المدن المعاصرة التي تخلت عن قدرتها على الإنصات للهامش.
من المونودراما إلى “الديودراما”.. تفكيك الوجع المشترك
شهد العرض مغامرة إخراجية لافتة؛ ففي حين كُتب النص الأصلي لـ”كولتيس” كـ”مونودراما” يؤديها رجل وحيد، أقدم صقر على تفكيك هذه العزلة الفردية ومضاعفتها من خلال إضافة شخصية نسائية، ليتحول العمل إلى “ديودراما” تتقاسم فيها الشخصيتان (الرجل والمرأة) صوتاً واحداً للخذلان والبحث المضني عن مأوى أو مستمع.
وقد تجسد هذا التوتر الداخلي ببراعة في الأداء الاستثنائي للفنان غسان الدبس، الذي وقف على “حافة الانهيار” ممسكاً بخيوط الشخصية الحادة، في مقابل أداء الفنانة رشا الزغبي التي منحت الحضور الأنثوي هشاشة موجعة تنبض بذاكرة الفقد والاقصاء.
مسرح “ما بعد الدراما”.. حيث يذوب الديكور وتتكلم الروح
انحاز المخرج منتجب صقر في رؤيته إلى مسرح “ما بعد الدراما”، حيث تلاشت الحبكة التقليدية المتسلسلة لصالح تدفق لغوي ونفسي جارف. ولم يكن الكلام في العرض أداة للسرد، بل بدا كـ”محاولة يائسة وأخيرة لتأجيل السقوط في الصمت المطلق”.
واعتمدت الرؤية البصرية على التقشف والاقتصاد الجمالي؛ إذ خلت الخشبة من الديكورات الضخمة المعيقة، تاركة المساحة كاملة للجسد، والانفعال الإنساني الخام، بينما لعبت الإضاءة والمؤثرات الصوتية دوراً درامياً فاعلاً في تشكيل الفراغ.
“تحول المطر في العرض من مجرد خلفية ومؤثر جوي، إلى استعارة وجودية كبرى لـ ‘الغربة’ وعالم يرفض منح الدفء لأبنائه المهمشين.”
كسر الجدار الرابع.. المتفرج شاهداً على الهشاشة
في ذروة العرض، تعمد المخرج كسر “الجدار الرابع” الذي يفصل الخشبة عن الصالة، ليشرك الجمهور مباشرة في المواجهة الوجودية. هذا الخيار الذكي نقل المتفرج من مقعد المراقب المحايد ليصبح “شاهداً” شريكاً على هشاشة الإنسان المعاصر، وكأن الشخصيات تستجدي من الحضور اعترافاً علنياً بوجودها وبحقها في أن تُسمع.
يقدم هذا العمل قراءة سورية محملة بالخصوصية والعمق، متجاوزاً الطرح الاجتماعي المباشر نحو أسئلة كبرى: ماذا يتبقى للإنسان حين يفقد مكانه في العالم؟ ليخرج الجمهور من صالة العرض محملاً بأسئلة ثقيلة تؤكد أن الانهيار الحقيقي لا يأتي من فقدان الأشياء المادية، بل من فقدان القدرة على التواصل البشري.

