الشرطة السياحية ومصلحة الآثار تباشران تأمين ودراسة المقبرة الرومانية البيزنطية المكتشفة في بن جواد
في كشف أثري استثنائي يعيد تسليط الضوء على العمق التاريخي والتمازج الحضاري للساحل الليبي، أُعلن في منطقة بن جواد (الواقعة بين سرت والبريقة) عن اكتشاف مقبرة عائلية أثرية مكتملة المعالم تعود إلى أواخر العصر الروماني وبداية العصر البيزنطي. جاء هذا الاكتشاف البكر ليوفر للمؤرخين والباحثين مادة علمية بالغة الأهمية لتوثيق الطقوس الجنائزية، والروابط الثقافية، وطبيعة الاستيطان البشري في منطقة خليج سرت التي شكلت عبر العصور ملتقى للقبائل الليبية القديمة والمؤثرات الإغريقية والرومانية والبونيقية.
محتوى التقرير الأثري بالتقسيم والتنسيق المطلق
تفاصيل واقعة الاكتشاف الميداني أثناء أعمال البنية التحتية
أُعلن في منطقة بن جواد عن اكتشاف هذا الموقع الأثري الهام، والذي يُرجّح أنه مقبرة عائلية قديمة، وذلك خلال أعمال الحفر الجارية ضمن مشروع الطريق المزدوج الرابط بين سرت والبريقة، والذي تنفذه شركة الرائدة للمقاولات.
ووفقاً لمصادر بمركز جهاز الحرس البلدي بن جواد، فقد ورد بلاغ من الشركة المنفذة للمشروع يفيد بحدوث انهيار في جزء من جانب الطريق أثناء أعمال الحفر، الأمر الذي استدعى انتقال دوريات المركز إلى الموقع لمعاينته والكشف عليه ميدانياً. وأظهرت المعاينة الأولية وجود مقبرة قديمة يُعتقد أنها تعود إلى حقب تاريخية سابقة، ما استدعى إخطار الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية والفنية اللازمة للحفاظ على الموقع والتعامل معه وفق الأصول المعتمدة. وعلى إثر ذلك، وصل أعضاء هيئة الآثار – سرت إلى موقع الاكتشاف، حيث أجروا معاينة ميدانية تفصيلية أكدت أن الموقع عبارة عن مقبرة قديمة تم العثور عليها أثناء تنفيذ أعمال الحفر الخاصة بمشروع الطريق المزدوج.
العمارة الجنائزية وطراز “الهايبوجيوم” تحت الأرضي
أظهر التحليل الفني الأثري الأولي أن الموقع يبرز مدفناً صخرياً عائلياً تحت الأرض يُعرف أثرياً باسم (Hypogeum) ومن طراز بدروموس، ويبدو أنه منحوت بالكامل في متن صخري طبيعي من الحجر الجيري. وتتميز هذه المدافن بوجود صخرة ضخمة كانت تسد المدفن في العصور القديمة للحفاظ عليه، ويتم فتحها وإغلاقها دورياً خلال عمليات الدفن المتعاقبة عبر الأجيال.
ويتميز الموقع بعمارة جنائزية متكاملة ومحكمة التخطيط، حيث تضم الجدران رفوفاً جدارية منحوتة في الصخر تُسمى (Loculi) خُصصت أساساً لتجميع عظام الموتى بعد تحللها، مما يعكس استمرارية استخدام المدفن من قبل العائلة نفسها لفترات زمنية ممتدة، إلى جانب وجود جثامين وهياكل عظمية ممددة على الأرض في وسط المدفن تؤكد تبني طقوس الدفن الجماعي الممتد.
جغرافيا الاستيطان وعادات الدفن عند قبائل الناسمون
يُقدم هذا المدفن دلالة جغرافية وتاريخية بالغة الأهمية؛ حيث يشير موقعه إلى وجود منطقة استقرار أو مستوطنة سكنية قديمة تقع على الأرجح إلى الشرق منه، وذلك نظراً لاتباع السكان القدامى قاعدة جغرافية ثابتة بجعل المقابر الليبية دائماً غرب مناطق الاستقرار في الأغلب الأعم. وقد عُثر سابقاً على العديد من المدافن المشابهة لهذا الطراز على طول الساحل مثل مدافن مليته، ومدافن الحرشة، ومدافن لبدة، ومراته وغيرها.
وينتمي أفراد المجتمع المحلي في منطقة بن جواد ومناطق خليج سرت تاريخياً إلى قبيلة “الناسمون” (Nasamones) الليبية القديمة التي سكنت المنطقة وعمرتها منذ أقدم العصور، وهي القبيلة التي أفاض في ذكرها وتوثيق إقامتها في خليج سرت كبار مؤرخي وجغرافيي العالم القديم مثل هيرودوت، وسترابون، وبطليموس الإسكندري.
وكانت منطقة بن جواد التاريخية تسمى “زاكساما براسيديوم” (Zaxama Praesidium) في العصور القديمة حسب خريطة بيوتنجر التاريخية، ومعناها (مركز الحراسة زكساما)، ويُعتقد أن “زكساما” هي تسمية محلية أصيلة لبعض العشائر التابعة لقوافل وقبائل الناسمون. وتورد المصادر التاريخية حدوث ثورة عارمة لقبائل الناسمون في تلك الجهات في القرن الأول الميلادي ضد الامبراطور الروماني دوميتيان. وتتكامل هذه الروايات مع الشواهد الميدانية حيث توجد آثار قلعة أثرية على أعلى مرتفع في بن جواد تعود للعصور القديمة، ويوجد في الداخل على بعد كيلومترات قليلة في منطقة الحريقة آثار قديمة يعتقد أنها تعود لقرية “دڨديڨا” الأثرية، كما تقع إلى الشرق منها قرية “توغولوس” القديمة (قصر الحدادية حالياً)، وموقع “أرا فيلاينوروم” الشهير بمذبح الأخوين فيلايني.
التمازج العقائدي بين حرق الموتى والدفن الموجه
يكشف الفحص الميداني للمدفن العائلي عن نمطين متمايزين من الدفن يعكسان تمازجاً ثقافياً وعقائدياً فريداً بين سكان القبو الأثري:
- النمط الليبي التقليدي: وتظهر فيه هياكل عظمية ممددة وسط المدفن في اتجاه عام نحو الغرب على عادة المدافن الليبية القديمة، وهي محاطة بأثاث جنائزي محلي.
- نمط حرق الموتى (Cremation): ويظهر في زاوية القبو جرة جنائزية من نوع “الأورن” (Urn) الخاصة بإعادة حرق الموتى، وبداخلها جثمان محترق، وهو نمط انتشر في شمال إفريقيا بتأثيرات قادمة من جزر البحر الأبيض المتوسط في العصور القديمة، مما يشير إلى أن صاحب هذه الجرة ربما يختلف ثقافياً أو دينياً عن بقية الأشخاص المدفونين بجواره، وإن كان ينتمي لنفس العائلة ممتدة الأصول.
قراءة في النقش الجنائزي وحل الرموز اللاتينية والإغريقية
يحتوي الموقع على نقش جداري فريد مكتوب بالأحرف اليونانية واللاتينية يحمل تفاصيل إثنوغرافية هامة، حيث يستهل بكلمة (LAI) أو (لوي) الليبية القديمة والتي تعني “شاهد قبر” أو تشير بوضوح إلى المدفن.
ويبين النقش أن القبر يعود لشاباسمه “بيغارغوس” ΠΥΓΑΡΓΟC (Pygargos) وهو اسم علم يعني “غزال الريم” أو “بيغارغوس الأبيض الفارس”، وينتهي باختصارات ونقوش مثل ΣΔΓ و ΕΞΙΠΠΟΣ التي تشير في صيغها التذكارية الفخرية في شمال إفريقيا إلى الفاتح، راكب الخيل، أو الضريح المستحق للذكرى الطيبة، مما يرجح أن المتوفى كان فارساً شاباً أو ذا مكانة عسكرية مرموقة وعائلية متميزة في مجتمعه المحلي.
وتتراوح التقديرات الأولية لعمر الموقع والنقش؛ حيث تشير بعض القراءات المبدئية إلى احتمالية عودته لأواخر العصر الروماني وبداية العصر البيزنطي بين القرنين الثاني والرابع الميلادي (أو يمتد بين الرابع والخامس الميلادي)، في حين تذهب قراءات ونظريات أخرى لربطه بنقوش تعود للسنة الرابعة عشرة بعد معركة أكتيوم البحرية (31 ق.م). ويؤكد الحضور الطاغي للغة الإغريقية في النقوش الجنائزية الساحلية استمرار استخدامها الثقافي كأداة للكتابة التذكارية والشواهد الرسمية حتى في أوج العصر الروماني المتأخر.
الأثاث الفخاري الفاخر والمذبح البونيقي المتدرج
يتكامل المشهد الأثري داخل المقبرة بوجود أثاث جنائزي غني جداً ومتنوع المصادر، يعبر عن المعتقدات الراسخة لليبيين القدماء بالحياة الآخرة وضرورة تزويد المتوفى بقرابينه وأدواته، ويشمل هذا الأثاث:
- الفخار المحلي: مصنوع من طين أصفر اللون يتميز بمظهر خشن وحواف غير منتظمة، وهو ما يمثل الصناعة اليدوية المحلية للمنطقة.
- الفخار المستورد الفاخر: أطباق من الفخار الإفريقي الأحمر المصقول الفاخر (African Red Slip Ware) ذي الجودة العالية، بجانبه جرار صغيرة للزيوت والعطور والقرابين الجنائزية تُعرف باسم (Amphoriskoi).
ورغم خلو المدفن من اللقى الذهبية أو المعادن الثمينة -بسبب تعرض المقبرة لسرقات المقابر القديمة الشائعة عبر العصور، أو نتيجة للتغير الجذري في المعتقدات الدينية لتلك الحقبة والتي قللت من دفن الثروات المادية- إلا أن التكلفة العالية لنحت القبو الصخري المتكامل، والاستعانة بنحات خاص لتنفيذ النقش، واستيراد الفخار الإفريقي الفاخر، كلها أدلة تؤكد واقعياً أن الموقع يعود لعائلة محلية متموّلة وميسورة الحال جداً من كبار الملاك أو كبار التجار في محطة بن جواد التجارية.
كما عثر في زاوية الموقع على مذبح هرمي مدرج مصنوع من الحجر الجيري، وهو عنصر معماري عقائدي يوثق بشكل قطعي استمرار العقائد والطقوس الليبية البونيقية التقليدية في تكريم الأسلاف وتقديم النذور والقرابين الجنائزية لهم.
جهود الشرطة السياحية ومصلحة الآثار في حماية وتأمين الموقع
فور تلقي البلاغ وانكشاف المقبرة، تحركت وعين المكان دوريات جهاز الشرطة السياحية وحماية الآثار لتأمين موقع الاكتشاف الأثري بمدينة بن جواد بشكل كامل، ومنع أي توغل أو عبث بمحتويات المقبرة البكر. وتؤكد هذه الجهود المستمرة الدور المحوري والمهم الذي يضطلع به جهاز الشرطة السياحية في حماية التراث الثقافي وصون الشواهد التاريخية للأجيال القادمة، بالتعاون مع مختلف الجهات ذات العلاقة ومصلحة الآثار.
ولا يزال التنسيق مستمراً وعلى أعلى مستوى بين الجهات الأمنية والضبطية وهيئة الآثار بسرت، تمهيداً لتكليف فريق أثري متخصص وموسع لزيارة الموقع وإجراء الدراسات الأنثروبولوجية الدقيقة وتوثيق الهياكل العظمية وترجمة النقوش بشكل رسمي ومعتمد، لتقديم دراسة متكاملة حول المدافن الرومانية في وسط الساحل الليبي والعلاقات الحضارية في شمال إفريقيا.




