أفانين
فيروز مخول
الأدب

اَلذَّاكِرَةُ مُمتَلِئَةٌ… اِحذِفي بَعضَ الأَوطانِ

فيروز مخول / شاعرة / سوريا

لَم يَطرُدوني مِنَ الوَطَنِ

بَل حَذَفوني مِنهُ

كَمَا يُحذَفُ تَطبيقٌ قَديمٌ

 مِن هاتِفِ طِفلٍ جَديدٍ

كُلَّما نَطَقتُ: أَنا مِن هُناكَ

ضَحِكَتِ الخَريطَةُ

وَقالَت: مِنْ أَيِّ تَحديثٍ تَتَحَدَّثينَ؟

قالوا: هُنا وَطَنُكِ البَديلُ

لَكِنَّ الهَوَاءَ لا يُشبِهُ رِئتَيَّ

وَالخُبزُ لا يَعرِفُ مَذاقَ الطِّينِ الَّذي نَشَأتُ عَلَيهِ.

وَكُلَّما اشتَقتُ لِلطُّفولَةِ

ظَهَرَتْ رِسالَةُ… خَطَأٍ:

اَلذَّاكِرَةُ مُمتَلِئَةٌ… اِحذِفي بَعضَ الأَوطانِ

كَثيرونَ يَسأَلونَني:

ما مَعنَى الوَطَنِ؟

أَقولُ:

هُوَ أَن تَمشِيَ في شارِعٍ

وَتَسمَعَ أَحَدَهُم يُناديِ اسمَكِ

لا لِيُمَزِّقَكِ

بَل لِيُعطيَكِ تُفّاحَةً

لِأَنَّكِ كُنتِ صَغيرةً ذاتَ يَومٍ

وَجائِعةً دونَ أَن تَدري

لَستُ بَطلةً

أَنا مُجرَّدُ إحدى النّاجياتِ

مِن تَفجيرٍ اسمُهُ الوَطَنُ

أَكتُبُ لِأُرَمِّمَ نَفسي

كَمَا يُرَمِّمُ الضّائِعُ ذاكِرَتَهُ

بِفُتاتٍ مِن أَسماءِ المُدُنِ الَّتي فَقَدَها.

وَإِن عُدتُ يَوْماً

فَلا تَسأَلوني كَيفَ كانَ المَنفى

بَلِ اسأَلوا الوَطَنَ:

كَيفَ تَجَرَّأَ عَلَى أَن يَعيشَ دوني

كُلَّ هَذا الوَقتِ

وَلَم يُبعِثْ لِي وَلَو رِسالَةً صَوتيَّةً؟

كُلَّ مَساءٍ

أُرَتِّقُ جُروحي بِخَيطِ الذِّكرى

أُخِيطُ ظِلَّ أَبي في قَميصي

أَربِطُ شالَ أُمّي بِجَديلَةِ الغِيابِ.

مَرَّت طِفلَةٌ قُربَ بَيتيَ المُؤَقَّتِ

قالَت: مِن أَيِّ بَلَدٍ أَنْتِ؟

أَجَبتُها: مِن قَصيدَةٍ قَديمَةٍ

نَسِيَت أَن تَنتَهي

أَنامُ الآنَ

تَحتَ سَقفٍ مِن دُموعٍ

رَصيدُ صَبري يَنفَدُ

لَكِنَّ لَدَيَّ خَريطَةً

مَرسومَةً عَلَى جَسَدي

بِكُدماتِ الأَسئِلَةِ

أَنا…

لا أُريدُ العَودَةَ

بَل أُريدُ أَن أَعرِفَ:

لِماذا الوَطَنُ

 دائِماً خارِجَ نِطاقِ السَّلامِ؟

وَأُقسِمُ

إِن عُدتُ يَوْماً

سَأَقِفُ أَمامَ بابِ البِلادِ

كَمَا يَقِفُ المُذنِبُ أَمامَ السَّماءِ

لا لِأُطالِبَ بِالمَغفِرَةِ

بَل لِأَفهَمَ:

هَلِ الوَطَنُ ما زالَ صَباحُهُ يَنبِضُ

حينَ تُوقِظُ العَصافيرُ ثَديَّ أُمّي؟

أَم أَنَّهُ نَسيني

كَمَا تُمحَى دَمعَةٌ مِن خَدِّ

تِمثالٍ

رُبَّما تَمَّ إِعادَةُ ضَبطِ بَياناتِ الحَياةِ

فَالتَبَسَتْ عَلَيَّ نَبرَةُ المَوتِ الجَديدَةُ…!!

ذات صلة

.                 “غرفة من كولاج”

suwaih

 أجمل الروايات في عيون روائيين عرب عام 2025

suwaih

صندوق‭ ‬بو‭ ‬رنّة‭ ‬- قصة قصيرة

suwaih

مخاض قلم

suwaih

علياء الداية: جمالية الإصبع السادس في إبداع قاصات سوريات 

suwaih

 من كفر الشيخ إلى قمة الأهرام.. سيرة شاعر وُلد ليكتب

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد