في صباح ثقافي اتشح بروح الوفاء واستحضار الأثر الإبداعي، احتضنت كلية اللغات بجامعة المرقب ندوة علمية خُصصت لاستعادة تجربة الروائي الليبي الراحل عبد السلام عمر سنان، وذلك في الذكرى الأولى لرحيله، وسط حضور أكاديمي وثقافي ضم أساتذة الجامعة وطلبتها وعددًا من المهتمين بالشأن الأدبي، إلى جانب أفراد من أسرة الفقيد.
الندوة، التي جاءت تحتفي بسيرة الكاتب ومنجزه السردي، تجاوزت الطابع التأبيني التقليدي، لتتحول إلى مساحة للقراءة النقدية واستنطاق البعد النفسي والجمالي في أعماله الروائية، ولا سيما روايته «هواجس الضفة الأخرى»، التي شكلت محورًا رئيسًا في النقاشات والمقاربات النقدية.
وفي الكلمات الافتتاحية، أكدت إدارة الكلية أن الجامعة لا تقتصر رسالتها على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا ثقافيًا يتصل بحفظ الذاكرة الإبداعية الليبية وصون رموزها الفكرية والأدبية. كما شهدت الجلسة كلمات تأبينية ألقاها عميد الكلية الدكتور محمد عبد السلام سويسي، ووكيل الكلية الأستاذ علي محمد اشنيبة، إلى جانب عدد من المنظمين والحضور، استعادوا خلالها جوانب من سيرة الراحل الإنسانية والأدبية.
وتوزعت أعمال الندوة على عدة مداخلات تناولت جوانب مختلفة من تجربة سنان الإبداعية؛ إذ قدّم الأستاذ عادل إبراهيم الصويعي قراءة بعنوان «الراوي والرواية في المنجز السردي لعبد السلام سنان»، فيما تناول الأستاذ إبراهيم عبد الرحمن الصغير شخصية الراحل بوصفه «المربي والمعلم والأديب»، مختتمًا مداخلته بقصيدة رثائية استحضرت أثر الفقيد في الوسط الثقافي والتربوي.
كما شهدت الندوة مشاركة من طلبة الدراسات العليا، حيث قدّم الباحث محمد نوفل مداخلة بعنوان «النضج الفني والبعد الفكري الإنساني في رواية “إرث الرماد”»، تناول فيها ملامح التحول الفني والفكري في تجربة الكاتب الروائية.
أهلاً بك. تمّت إعادة صياغة التغطية الصحفية بأسلوب إعلامي رصين، يجمع بين البنية التقريرية المنظمة واللغة الأدبية التي تليق بالحدث، مع المحافظة التامة على كافة التفاصيل والمضامين الواردة في نصك الأصلي.
وشكلت المداخلة الرئيسة للندوة، والتي قدمها الدكتور ميلود مصطفى عاشور، عموداً فقرياً للحدث؛ حيث جاءت في عرض توثيقي ونقدي متكامل انقسم إلى محورين:
أولاً: المحور التوثيقي والمشروع الإبداعي
تتبع فيه الباحث بدايات الراحل الأولى في مدينة الخمس، ورحلته الطويلة مع التعليم واللغة، وصولاً إلى بروزه كواحد من أهم الأصوات السردية الليبية المؤثرة في المشهد الثقافي العربي. واستعرض المحور ملامح مشروعه الأدبي المتنوع بين الرواية والشعر والقصة القصيرة، مبرزاً اشتغاله على أسئلة الذاكرة، الاغتراب، القلق الإنساني، والجدلية المركبة بين الواقع والممكن. كما سلط الضوء على أعماله البارزة مثل: (هواجس الضفة الأخرى)، (إرث الرماد)، و(مورينا: حارسة المقام).
وفي سياق الامتداد العربي، رصدت المداخلة الجوائز والتكريمات التي نالتها أعمال سنان في مسابقات أدبية بعدة دول (الأردن، السعودية، والعراق، مصر، والإمارات)، معتبرة أن عامي 2022 و2024 شكّلا ذروة الحضور والاعتراف النقدي العربي بتجربته.
ثانياً: المحور النقدي (الأسلوبية النفسية)
حمل المحور عنوان «الأسلوبية النفسية وآفاق الكشف عن البنية الداخلية للنص»، وقدّم فيه الدكتور ميلود عاشور مقاربة تطبيقية لرواية «هواجس الضفة الأخرى». وانطلقت الدراسة من رؤية اللغة كعكّاس للبنية النفسية العميقة للشخصيات والسارد وليس مجرد أداة حكائية.
وأوضح الباحث كيف تحولت العناصر اللغوية (عبر التكرار، الانزياح، الإيقاع الداخلي، والصور الاستعارية) إلى شفرات دالة على القلق والانكسار والاغتراب الوجداني. كما أبانت الورقة قدرة الكاتب على تطويع أدواته عبر المفارقة والانقطاع الصوتي والرمز النفسي، ليتجاوز النص عنده القالب الحكائي التقليدي ويتحول إلى كيان شعوري نابض، مؤكداً أن تجربة سنان تظل جديرة بمزيد من الاشتغال النقدي لعمقها النفسي وكثافتها الجمالية.
توصيات وختام بالوفاء
شهدت الندوة في ختامها نقاشات مستفيضة ومفتوحة بين الحضور، خلصت إلى ضرورة تكاتف الجهود لتوثيق تجربة الراحل، وجمع أعماله الكاملة وإعادة طباعتها، بالإضافة إلى تحفيز الدراسات النقدية المعنية بالسرد الليبي الحديث كجزء من مشروع صون الهوية الثقافية الوطنية.
وفي لفتة تكريمية، اختتمت الفعالية بتقديم “درع الوفاء والعطاء والتقدير” لأسرة الفقيد، في لحظة امتزجت فيها مشاعر الفقد بالفخر، وبتأكيد جماعي على أن المبدع لا يغيب ما دامت نصوصه حية، قادرة على إيقاظ الذاكرة وطرح الأسئلة.



