أفانين
فتحي نصيب مرافعة العكاز والقلم
النقد

مرافعة العكاز والقلم

فتحي نصيب

صدرت الطبعة الأولى من كتاب ( العكاز والقلم: سيرة إدريس بن الطيب ونصوصه)* من إعداد الأستاذة خيرية حفالش ويحتوي على إهداء وتقديم وستة فصول وعدة ملاحق.

أهدت الكاتبة ( حرم الشاعر) هذا العمل إلى أبنائها مشيرة الى خصال ابن الطيب، كما ضمت كلمة شكر الى الأشخاص الذين ساعدوها في إنجاز الكتاب.

كتب الأستاذ الإعلامي ناصر الدعيسي المقدمة، وأشار فيها الى مناقب ابن الطيب إنسانا وشاعرا، وعلاقته به وآخر لقاء معه، وما تعرض له من سجن رفقة عدد من الكتاب الآخرين بتهم باطلة، إضافة إلى وأد تجربة صحيفتي “الأسبوع الثقافي” و”الأسبوع السياسي” أواخر السبعينيات.

يلي ذلك كلمة أ/ خيرية، التي حددت فيها الهدف من إعداد هذا الكتاب وبالذات العنوان الفرعي ( سيرة ادريس بن الطيب ونصوصه) حيث تقول ( ليست هذه محاولة لكتابة سيرة غيرية بالمعنى الأكاديمي البارد، بل محاولة لتجميع شتات تاريخ ضاع الكثير منه بين جدران السجن، وفي دروب الترحال، وعلى أرصفة المنافي…هذه الصفحات ليست كتابة بقدر ما هي محاولة وفاء).

 إدريس بن الطيب
إدريس بن الطيب

وتشير إلى أن ابن الطيب كان رافضاً فكرة كتابة سيرته الذاتية، وكان يراها بداية النهاية.

أما أنا، فكم تمنيت لو أن ابن الطيب دون سيرته لأسباب عدة من بينها أن أحداً من رفاق السجن في قضية ( الأسبوع الثقافي) لم يؤرخ لهذه التجربة التي يجهل تفاصيلها كثير من الليبيين والعرب، من الوسط الثقافي أو الجمهور العادي، وذلك من باب التوثيق لتجربة أدبية مهمة، تمثل مرحلة مفصلية في تاريخ ليبيا الفكري والثقافي، وما نتج عنها من تحولات جوهرية في طبيعة الصحافة بشكل عام والصحافة الأدبية على نحو خاص.

يحمل الفصل الأول عنوان (الجذور والنشأة: في كنف العناد والمجد)، حيث قدمت الكاتبة سيرة مختصرة لأسرة ابن الطيب، ونشأته الأولى وظروف إصابته بالإعاقة بسبب شلل الأطفال واضطراره لاستخدام العكاز الذي رافقه طيلة حياته، غير أن هذه المحنة لم تكسره بل أشعلت فيه روح العناد وبالذات عندما أرسل طفلا وحيدا في العاشرة من عمره، بعيدا عن أسرته الى واحة الجغبوب لدراسة علوم الدين، فأصبح من يومها معتمدا على نفسه في شؤون حياته.

الفصل الثاني ( انطلاقة المثقف، من رحاب الدين الى فضاء الصحافة) وهي مرحلة انتقاله من مدينة البيضاء الى مدينة طرابلس وعمله كمصحح لغوي ثم سفره الى السويد وفنلندا لدراسة الصحافة ورجوعه الى ليبيا وممارسة كتابة الشعر والمقالة.

الفصل الثالث ( سنوات الجمر( 1978-1988)، الأمسية المشؤومة : جريمة اسمها الثقافة، وسنوات الجمر هنا تعني تجربة السجن التي امتدت لعشر سنوات.

تذكر الكاتبة ( في مجلة المرأة الجديدة ببنغازي، نظم ندوة ثقافية بعنوان ” الأسبوع الثقافي”،  وبوصفي شاهدا ومشاركا في تلك الأحداث أقول:  لم تكن هناك مجلة بهذا الإسم بل جمعية المرأة الجديدة التي تبنت إقامة أسبوع ثقافي بدأ بمحاضرة لمحمد المالكي بعنوان ( المرأة تقود المجتمع الاشتراكي الجديد) وفي اليوم الثاني أمسية شعرية وخصص اليوم الثالث لندوة عن المسرح وفي يوم الثلاثاء 26/12/1978 كان مخصصا للأمسية قصصية، ولكن تم اقتحام المسرح من قبل عناصر اللجان الثورية، بعضهم مدجج بالسلاح، واتهام بعض الكتاب المشاركين بتشكيلهم حزبا سياسيا مناوئا للنظام، تخلل هذا الاقتحام الصفع والركل وتوجيه الإهانات اللفظية والمادية، بل واحتجاز حتى الجمهور الذي حضر لمتابعة أمسية القصة لمدة تزيد عن 5 ساعات.

أسفر هذا الاقتحام عن سجن ابن الطيب واحد عشر كاتبا ومثقفا عشر سنوات خلف القضبان وهم( مصطفى الهاشمي و عبدالسلام شهاب ومحمد الفقيه صالح وعمر الككلي وجمعة بوكليب وفتحي نصيب ومحمد المالكي ورمضان الفارسي وإدريس المسماري وعلي الرحيبي وأحمد الفيتوري).

وعن تفاصيل أوفر عن هذه المأساة يمكن مراجعة مقالة ابن الطيب بعنوان ( ألا تذكر يا أحمد إبراهيم) في الملحق رقم2 من الكتاب.

الفصل الرابع( المناضل في ثوب الدبلوماسي ( 1899-2011) وشهدت هذه المرحلة ولادة مجلة (لا) بدعوة من القذافي لخليط غير متجانس من الكتاب وكان ابن الطيب أحدهم.

وعن عمله الدبلوماسي تذكر الكاتبة أن القذافي عرض منصب وزير الإعلام على ادريس لكنه اعتذر وكان ( العمل في السلك الدبلوماسي هو المخرج والمهرب من هذا المأزق، فتم تعيينه في السقارة الليبية بروما، وكان منفى إجباريا أراد به النظام إبعاده عن المشهد الداخلي).

وكان من نشاطه الثقافي بإيطاليا إلقاء محاضرة عن( معتقل العقيلة)، وتأسيس ميدان باسم ( عمر المختار).

بعد إيطاليا تذكر الكاتبة ( استمر النظام في سياسة إبعاد ادريس عن الوطن، ارسل الى الهند حيث مكث اربع سنوات ثم الى الفلبين).

الفصل الخامس ( السنوات الأخيرة: ثورة وألم وخلود 2011-2023)

تذكر الكاتبة ( عندما اندلعت شرارة ثورة 17فبراير كان ادريس من أوائل الذين احتضنوها وامنوا بها، وكان من ضمن القوى الوطنية التي اجتمعت في بنغازي يوم 26 لتؤسس المجلس الوطني الانتقالي)، وكذلك مساهماته بكتابة المقالات السياسية التي تتناول تلك المرحلة.

وفي هذا الفصل تسرد الكاتبة وتحت عنوان ( ولادة جديدة: الأبوة في خريف العمر) تكتب ( بعد سنوات من الوحدة والترحال التقى بزوجته خيرية حفالش، كان لقاؤهما في معرض طرابلس للكتاب بداية لقصة حب ورفقة عميقة توجت بالزواج بعد سبعة أشهر…الذي أثمر عن أربعة أبناء: خديجة وعزيزة و حمودة و ليبيا ).

ويلحظ القاريء قيمة نكران الذات في الحد الأقصى حين تتحدث الكاتبة عن نفسها بضمير الغائب، وفاء منها لابن الطيب.

وتعرض ادريس لوعكة صحية عام 2016 وخضوعه لعدة عمليات جراحية واضطراره للجلوس على كرسي متحرك، وفي مارس2023 اشتد عليه المرض، وكانت كلماته الى زوجه قبيل دخوله لحجرة العمليات ( لا تجوعوا ولا تخافوا) ورحل في 22/3/2023.

تقول أ/ خيرية ( رحل ” العنيد” وبقيت سيرته قصة تروى، وعكازه رمزا لا ينكسر).

الفصل السادس ( ادريس في عيون محبيه: شهادات ورثاء) ويشتمل على كلمات تأبينيه من قبل بعض رفاقه وأصحابه وبناته.

يلي ذلك ثلاثة ملاحق، تضمن الأول 11 قصيدة مختارة له، والثاني 18 مقالا في الشأن الليبي، ثم صور ووثائق ومقابلات .

بقدر أهمية هذا الكتاب فثمة مقترحات يمكن أن تضاف في لطبعة ثانية وتتلخص في الاتي:

1/ بعض اللمحات عن حياته الشخصية من خلال معرفة أ/ خيرية به مثل ( هواياته وعاداته اليومية، وطقوسه في الكتابة، لمن كان يقرأ وماذا كان يقرأ، مسوداته بخط يده، أحلامه وطموحاته وخيبات أمله وعلاقته بأولاده والناس والأقارب والأصدقاء )، هذه وغيرها تعد خطوطا مهمة في رسم ملامحه الشخصية لمن لا يعرفه.

2/ خلا الكتاب من ذكر أول ديوان لإدريس أو صورة للغلاف وهو بعنوان ( تخطيطات على رأس الشاعر)، وبالمناسبة أذكر هنا – وبما عرف عن ابن الطيب من قفشات – انه قال ونحن في السجن أن عنوان الديوان الآن يجب أن يكون ( تخبيطات على رأس الشاعر).

3/ ذكرياته عن محنة السجن الطويلة مما لا يزال عالقا في ذاكرة الكاتبة ( تم اختصارها في حدود 6 صفحات من الكتاب) وأظن أن هذه التجربة تركت آثارها في شخصه، وغيرت بل وعمقت توجهاته الفكرية، وأسلوبه في الكتابة.

 أقول هذا لأننا عشنا هذه التجربة وتعرضنا معا لمواقف عديدة على مدى عشر سنوات عجاف، من باب التوثيق كي لا تتكرر هذه المأساة بحق أي سجين رأي.

*خيرية فرج حفالش، العكاز والقلم/ سيرة إدريس بن الطيب ونصوصه، دار الوليد، طرابلس ، 2025.

ذات صلة

بطولة المهمشين والناس العاديين “ملحمة علهامش” ليوسف غيشان..

suwaih

كِتابُ “عن الموسيقى والموسيقيين”… هل نكرّم مبدعينا قبل رحيلهم؟!

suwaih

تاريخ الدبلوماسية

suwaih

“وادي الفراشات”.. رواية الكوميديا السوداء التي ترصد اغتراب الإنسان العراقي ونحسه المقيم (متاحة للقراءة والتحميل)

suwaih

أثر النقد الأدبي على تطور الكتابة النسائية في العالم العربي

suwaih

شعرية الرؤيا بين الرمزية الصوفية والرومانسية الكونية

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية