أفانين
فيلم "حياة" لباسل الخطيب: مستقبل سورية المولود من رحم العنف!
الدراما

فيلم “حياة” لباسل الخطيب: مستقبل سورية المولود من رحم العنف!

في المشهد السينمائي الذي غالباً ما يضج بصوت الرصاص ودخان الحرائق ليروي الحكاية السورية، يختار المخرج باسل الخطيب طريقاً مغايراً وأكثر عمقاً وإيلاماً، عبر فيلمه الأحدث “حياة”، وهو فيلم ليس عن الحرب بحد ذاتها، إنّما تأمل طويل وهادئ وموجع في أثر الحرب، والندوب التي خلفتها، وعن الحياة التي تحاول، بعناد يائس، أن تستمر رغم بتر أصاب الجسد والروح.
يتخلى الفيلم عن الحبكة التقليدية المعقدة ليقدم قصة بسيطة في ظاهرها، عميقة في رمزيتها، بداية من التأسيس لعالمه المعزول، عبر الحكاية نفسها.
تدور أحداث الفيلم في قرية سورية ريفية ذات طبيعة خلابة، لكنها محكومة بتقاليد اجتماعية صارمة وسلطة أبوية قاسية.. القصة تتبع “حياة”، وهي فتاة شابة تعيش مع والدها، وشقيقتيها، بينما يخدم شقيقها في الجيش.
تتصاعد الأحداث حد الصدمة، حينما تتعرض “حياة”، للاغتصاب من غريب كان يراقبها، فاقتحم المنزل عنوة، قبل أن يفر إلى غير عودة، إلا في المشهد الأخير الذي يؤكد أنه مجرم متسلسل في هذا الجانب، يلقى ما يستحق من جزاء في نهاية المطاف.
تظهر على “حياة” أعراض الحمل، وتكتشف أختها الأمر، فتتحول الصدمة النفسية إلى فضيحة اجتماعية وشيكة، وفي مواجهة مدمرة، يهاجم الأب، الذي يبدو أنه علم بالأمر “حياة” بعنف، محاولاً قتلها، لكن شقيقها يمنحها حياة أخرى.
فيلم “حياة” ليس مجرد قصة مأساوية، بل هو نص سينمائي غني بالرموز، يبدأ من رمزية اسم “حياة” للشخصية التي يتم انتهاكها، وسحقها، وإسكاتها، حيث إن العنف الممارس عليها هو اغتيال لـ”الحياة” ذاتها.. وعندما تحمل “حياة” بـ”حياة جديدة” ناتجة عن هذا العنف، يصبح هذا الحمل هو نفسه “العار” الذي يجب قتله.
الشخصية الرئيسة “حياة” ترمز إلى سورية، أرض الحياة، وهي شابة، في مقتبل عمرها، تمثل البراءة والخصوبة، وبما تعرضت له من اغتصاب كرمز للعنف الوحشي، فإن الدلالة هنا لا تتعاطى مع مجرد حادثة فردية، بل ترميز لعملية اغتصاب ممنهجة تتعرض لها الأرض السورية نفسها، سواء عبر التطرف، أو الحرب، أو الجهل، أو القمع الفكري والاجتماعي، أو كلها مجتمعة، فجسد “حياة” يصبح هو أرض المعركة.
وترمز “حياة”، أيضاً، للشعب السوري المكلوم، في مرحلة ما بعد الصدمة، إثر الاغتصاب، بحيث تفقد النطق، وتدخل في حالة صمت ورعب..هذا الصمت يمثل عجز الضحية عن الكلام وسط ضجيج العنف وسلطة العار.
لا يمكن للمشاهد إلا العمل على ربط الفيلم بـ “الزلزال السوري”، فهو ليس مجرد نقد اجتماعي بل ملحمة رمزية للواقع السوري المشبع بالخراب، وفيه استكمال لنهج باسل الخطيب، المعروف بأعماله التي توثق المأساة السورية وتداعيات الحرب.
واللافت أن الفيلم يعتمد على الأداء الداخلي الصامت، حيث لا يتأتى التوتر من الكلام، بل من النظرات المتبادلة، أما الأداء فكان هائلاً على الصعيدين الجسدي والنفسي، في حين كان التصوير بطل الفيلم الصامت، حيث التباين اللوني واضح بين المشاهد الخارجية المغمورة بضوء الشمس الطبيعي والجمال الريفي، والمشاهد الداخلية التي يغلب عليها اللون البارد المُعبّر عن الكآبة، والخوف، ويعكس الحالة النفسية المتجمدة لـ “حياة”.
إيقاع الفيلم “بطيء” ومتعمد، وهذا البطء ليس ضعفاً، بل هو ضرورة فنية ليجعل المشاهد “يعيش” حالة الانتظار والروتين القاتل الذي تعيشه الشخصيات، فيما كان غياب الموسيقى التصويرية شبه التام، والاعتماد على الأصوات الطبيعية، قراراً ذكياً يعكس حالة من التذكير الدائم بجرح الحرب الذي لم يندمل.
وأوضح المخرج باسل الخطيب، في حديث أعقب عرض الفيلم في مؤسسة عبد الحميد شومان، في العاصمة الأردنية عمّان، أول من أمس، وهو الفيلم الأخير من إنتاج المؤسسة العامة السورية للسينما، إلى أنه على الرغم من تناوله لموضوع “جريمة الشرف”، إلا أن “حياة” يحمل رسائل أعمق وأكثر ارتباطاً بالواقع السوري الحالي، مؤكداً أن جميع أحداث الفيلم مستوحاة من وقائع حقيقية وموثقة حدثت في سورية خلال السنوات الماضية، وتحديداً في مناطق نائية، وفقيرة، ويسودها الجهل والتخلف وهيمنة العادات البالية، مشدداً على أن الرسالة الأهم في الفيلم تتمثل في تسليط الضوء على “كارثة” آلاف الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب خلال سنوات الحرب في سورية.
وفيلم “حياة” قراءة رمزية موجعة للمأساة السورية، فالشابة هي الوطن السوري، والاغتصاب فعل الحرب والخراب الذي حل بها، والحمل السفاح هو المستقبل المجهول المولود من رحم العنف، والذي يرفضه المجتمع ويسعى لإجهاضه.

ذات صلة

حسن الرداد يبحث عن مقبرة الإسكندر المفقودة في المسلسل الإذاعي «الإسكندر الأصغر»

suwaih

الإحتفال باليوبيل الفضي لمهرجان الكويت المسرحي

suwaih

الفيلم التركي كما نتنفس يعرض صورة مغايرة للحياة التركية في عرضه الأول بمهرجان القاهرة السينمائي

suwaih

قائمة أقوى المسلسلات الخليجية في رمضان 2026

suwaih

فيلم “حكاية حب” .. رومانسية على إيقاع الاحتواء والقلق والصراع الطبقي

suwaih

القاهرة تحتفي بالعرض الأول للفيلم العالمي «سفن دوجز» بميزانية 40 مليون دولار

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد