أفانين
رواية ثلاثية غرناطة
التحقيقات واللقاءات

منصورة عز الدين لـ«أفانين»: الكتابة تمرين على الأمل وسعي لترتيب فوضى العالم

الروائية منصورة عز الدين: لستُ أسيرة للتصنيفات.. والصحافة علمتني الدقة والالتزام



بدأت علاقتي بمنصورة عز الدين في عام الجائحة عبر منصة تويتر، حيث جذبني فعل “القراءة الذاتية” لديها وطريقتها في انتقاء ما تقرأ، وهو ما دفعني لاحقًا إلى الاشتباك مع عالمها الروائي بدءًا من “بساتين البصرة”. لفت انتباهي في أسلوبها تلك الدقة المتناهية التي تشبه رعاية النبات؛ فكلماتها موزونة بحساب دقيق وكأنها تخشى الهدر أو القحط.

ومن خلال قراءتي لمشروعها كاملًا، وجدت تساؤلات ملحة حول الكتابة بوصفها مأوى أو عزاءً لخسارات الواقع، كما في “أطلس الخفاء” و”وراء الفردوس”، بالإضافة إلى رصد أثر الانتقال من الريف إلى المدينة والشك في اللغة والقدرة على التأريخ. وصولًا إلى مجموعتها القصصية الأخيرة “متحف الأخطاء”، يتجلى تطور علاقتها بالتراث الأدبي العالمي، حيث يظل الرابط الخفي في أعمالها ليس مجرد التخييل، بل ذلك الحساب الدقيق لكل لفظ، وسلطة الجمال المرعب التي تفرض سطوتها على نصها.

هنا حوار معها:

(*) في البداية في أي تصنيف تضعين نفسك، روائية أم قاصة أم صحافية؟ وهل ترين أوجه تشابه بينهم؟

لا أحب التصنيفات، أرى فيها إجحافًا وتقييدًا، وأنا بطبيعتي حساسة لأي درجة من التحجيم. أحب أن أرى نفسي ككاتبة، بمعنى أن أعيش وأتعامل مع العالم ومع من حولي ككاتبة، لأن في رأييّ الكتابة لا تبدأ حين نبدأ في التدوين وخلق العوالم، بل قبل هذا بكثير؛ من طريقة رؤيتنا لما حولنا وانتباهنا لأدق تفاصيله. أحب الطريقة التي يتسلل بها الضوء إلى العالم بعد الفجر؛ بخفوت ونعومة وبلا ضجيج، كأنما يخطو على أطراف أصابعه. الكون والطبيعة من حولنا خير معلمي الفن، لكن فقط لمن يريد الرؤية ويرغب في التعلم.

ما أريد قوله أنني هكذا لا أنظر للكتابة كمهنة، بقدر ما هي نمط حياة وطريقة لمقاربة العالم، بعين مختلفة تنزع عنها غشاوة الاعتياد، وإن كان هذا لا ينفي التعامل مع أدواتها وتقنياتها بدراية ومعرفة. بالنسبة للصحافة، فهي وظيفة بشكل ما، وأنتظر اليوم الذي أتركها فيه للتفرغ تمامًا للكتابة، وقد فعلت هذا من قبل لثلاث سنوات؛ تفرّغ نتج عنه رواية “جبل الزمرد”.  لقد درست الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة، لكنني اخترتها منذ البداية لأنني رأيت وقتها أنها الأقرب للكتابة الأدبية. أرجو ألّا يُفهم من كلامي أنني أعلي من شأن أحدهما على الآخر، المسألة فقط لها علاقة بأولويات كل منا، وطريقته في ترتيبها. لقد علمتني الصحافة الدقة، وإدراك دور كل كلمة وفاصلة أو نقطة في الجملة. درّبتني أيضًا على الالتزام بالكتابة بعيدًا عن المزاجية أو التكاسل، لكن الأولوية منذ البداية عندي للكتابة الإبداعية، سواء كروائية أو كقاصّة، ولقد رفضت عروضًا مغرية عديدة في الصحافة والإعلام عمومًا، خشية أن تلتهم الوقت المخصص للكتابة الإبداعية أو أن تبعدني عنها بأي شكل. 

(*) “متحف الأخطاء” هو عنوان مجموعتك الأحدث، هل هذا هو المتحف الذي عدتِ إليه، لتراجعي أفكارك بخصوص الكتابة لتصحيحها خصوصًا التراث العالمي والعربي؟

لا تستهويني مفردة التصحيح، أفضّل عليها المساءلة والتشكك وعدم الارتكان إلى اليقينيات. التصحيح يعني التنكر لِما سبق والانطلاق من يقين ما، وهذا ليس دقيقًا في حالتي. مع البدء في كتابة كل عمل جديد، أفكر في كيفية كتابة هذا العمل تحديدًا، وما الذي يقترحه عليّ عالمه، والأهم: ما الذي أطمح لتحقيقه عبر كتابته؟ يحدث الأمر بتلقائية في البداية، ثم تتبلور الأجوبة والأفكار على مدار مشوار الكتابة. في حالة “متحف الأخطاء”، نحن أمام مجموعة قصصية وليس رواية أو متتالية قصصية، وبالتالي كُتِبَت القصص على فترات زمنية متباعدة نسبيًا، أي أن كل قصة كان لها تساؤلات وطموحات تخصها، لكن بدأ التفكير في ما يجمعها معًا في مرحلة تجهيز المجموعة للنشر، في هذه المرحلة اتضحت لي روابط بين النصوص، بعضها ظاهر ومعظمها مضمر، كما حذفت نصوصًا أخرى من المجموعة، أو بالأحرى أجلت نشرها، إما لأنها تحوي بذور عالم أوسع، أو لانتمائها إلى نبرة كتابية مغايرة.

الاشتباك مع التراث الأدبي بالنسبة لي، دائمًا ما كان من موقع التشكك وإعادة النظر، روايتي “جبل الزمرد” مثلًا، سردية مضادة لـ “ألف ليلة وليلة”، تطرح أسئلتها الخاصة وتستكشف العلاقة بين الشفاهي والكتابي وآليات تحريف السرديات، وفي “بساتين البصرة” تفحص لأفكار المعتزلة يمكن تبين الجانب النقدي فيه عبر المفارقات الواضحة بين هذه الأفكار وبين مصائر الشخصيات واختياراتها. في قصة “سرحة الغزلان” بـ”متحف الأخطاء”، أعود إلى “ألف ليلة وليلة” مجددًا، وإن بدا حجم التضاد معها أكبر هذه المرة، فمرد هذا أن القصة مروية بلسان صوت مغيَّب عن النص الأصلي، ومحكوم عليه بالنبذ والإقصاء منذ صفحاته الأولى. 


(*) في “متحف الأخطاء” تجمع القصص ثيمة لها علاقة بسلطة الكتابة، كأن الشخصيات التي يصنعها الكاتب قد تتمرد عليه أثناء الكتابة، كيف تتعاملين مع هذا؟

تقنية “الميتا فيكشن” Meta Fiction موجودة فقط في قصة “نجمة الصباح”، وبدرجة أقل في “عيون المها”، أما التفكر في سلطة الكتابة والحكي، فيتجلى في قصص مثل “مهرجان ثربانتس” و”سرحة الغزلان”، بخلاف هذا، تتنوع موضوعات القصص وانشغالاتها وتقنياتها، من قصص واقعية مثل “متحف الأخطاء” و”جدة بعيدة تبكي في الظلام”، ونفسية مثل قصتَي “مأمورة بما لا نعلم” و”ما لا أراه”، إلى قصص تتأمل سلطة الحب، كما في حالة ثلاثية “إلغاء المحبوب”، أو ذات طبيعة حلمية مثل “قانون الطفو”. فالمجموعة نصوصها متنوعة.

(*) في قصة “نجمة الصباح” تخلقين كاتبة وتوضحين أنها من محض خيالك، وكأن الكتابة تصبح بالنسبة لك هي مساحة لإعادة تشكيل العالم والزمن وخلقهما من جديد على النحو الذي يريده الإنسان، كيف ترين هذا؟

الكتابة بالفعل هي آلية لإعادة تشكيل العالم والزمن، ولو في أذهاننا فقط. هي، في جزء منها، سعي لترتيب فوضى العالم، أو على الأقل هي توهمنا بأن العالم بأكمله في قبضة يدنا، يمكننا تفكيكه وإعادة تركيبه من جديد، بوسعنا تحليله وفهمه والخروج بمعنى ما من ركام أحداثه.

(*) في قصة “مهرجان ثربانتس” خيّل لي أن الكتابة طموحها هنا مساءلة العالم الأدبي عن كيف يمكن إعادة صياغة حكاية خيالية عبر التمرد على تراث أدبي نسلّم به، خصوصًا في عالمنا العربي؟

في رأيي، أن تأمل جدوى الكتابة ومعناها وتفحص تاريخ الأدب ومساءلته أمران لا غِنى عنهما لأي كاتب. التناص في “مهرجان ثربانتس”، ليس فقط مع “دون كيخوته”، وإنما بالأساس مع نص بورخيس “بيير مينار مؤلف كيخوته”، والقصة في النهاية عمل فني يعبر عن مأزق شخصية وجدت نفسها في مأزق يتطلب مواجهة مع إرث أدبي سابق.

(*) يفصل بين “متحف الأخطاء” و”أطلس الخفاء” خمس سنوات، وربما لا يربط بينهما شيء سوى الخيال، وقد يرتبط “أطلس الخفاء” بفعل التدوين الذي سبق في أعمال أخرى وكأنه يصنع العالم، هل ترين تشابهًا بين “متحف الأخطاء” وما سبقه من أعمال؟

أعتبر “متحف الأخطاء” عتبة لمرحلة قادمة، حيث اختبرت فيها فضاءات كتابية جديدة عليّ، وفي الغالب سأحفر في هذه الفضاءات أكثر لاحقًا. هي أيضًا مصب تتجمع فيه ملامح تجربتي منذ بدايتها، وبالتالي، ثمة روابط بينها وبين ما سبقها من أعمالي.

(*) في أكثر من حوار سابق وصفتِ بأن الكتابة مثل زراعة النبات، ويتكرّر هذا التشبيه في مختلف أعمالك، ما أوجه التشابه من وجهة نظرك؟

منذ قلت هذا، وأنا أُسأل عنه، بصيغ متنوعة. ما قصدته أنك في الكتابة كما في الزراعة، تبذل قصارى جهدك، وتراعي كل شيء مطلوب، لكن مهما كنت متمرسًا في أي من المجالين، ثمة دومًا عوامل خارجة عن إرادتك، يمكنها أن تفسد عملك.

الزراعة أيضًا تمرين على الأمل وحسن الظن. تغرس بذرة ما في الأرض، ولا تدري على نحو يقين التفاعلات التي تحدث لها في الداخل، لكنك تأمل دومًا أنها ستنبت، وبعدها ستنمو وتزدهر وتثمر. شيء من هذا يحدث خلال عملية الكتابة، خاصة حين يكون عملًا طويلًا، تنسج خيوطه على مهل، بدون أن تدري النتيجة النهائية، تعتمد فقط على الأمل والصبر.

لكن المعنى الأوسع، أنه من الممكن تعلم الكثير عن الكتابة من خارجها، في حالتي ذكرت الزراعة لأنها هواية أحبها، وعلمتني الكثير عن الكتابة، في حالات أخرى، قد يتعلم آخرون من هوايات ونشاطات أخرى، المهم أن نكون منفتحين للتعلم. 

(*) كُتبت قصص “ضوء مهتز” (ميريت، 2001) في التسعينيات، وكانت الثيمة المسيطرة على أغلب قصص المجموعة هي مقاومة فقد لم يحدث، أي إنه فقد متخيل، إلى أي مدى تستخدمين الكتابة كوسيلة مقاومة لهذا الفقد المتخيل؟

 ربما تكون الثيمة المسيطرة أكثر على قصص “ضوء مهتز” هي الاغتراب وعلاقة مع العالم أو الوجود محورها الفزع. الفقد موجود ضمنيًا، لكن ليس في “ضوء مهتز” فقط وليس في كتابتي فقط. عادة ما يكون محركًا أساسيًا للكتابة عند معظم الكتاب هو والسخط أو عدم الرضى عن شيء بعينه أو عن العالم ككل. فمشاعر الاكتمال والرضى لا تلهم كثيرًا.

حين بدأت الكتابة، لم أرغب منها أن تمثل تعويضًا ما أو حتى سلوى، بدا الأمر كأنها نشاط فطري أو فِعل غريزي كالتنفس مثلًا، رغم أنها ليست في سهولة التنفس طبعًا. كتبت مرة أنني وقت كتابة قصص مجموعة “ضوء مهتز”، أردتُ من الكتابة أكثر مما بإمكانها منحه؛ رغبتُ في أن تقودني الأحاجي والألغاز المكتوبة في قصص المجموعة إلى أجوبة على أسئلة لا أدرك كنهها تمامًا، وأن تكون الأضواء المهتزة لعبًا لاهيًا مع الضوء والظل وتلاعبًا بهما لا طريقًا للإنارة أو الإيضاح. أردت من الكتابة أن تروِّض مخاوفي وتخففها، فإذا بها – كدأبها في الخيانة والمراوغة – تضاعف الخوف وتنقّيه من كل ما يشوِّش عليه أو يخفف منه. بالكلمات وحدها رغبت في ترويض أشباح مخيلتي والتآلف معها. كان هذا في بدايات علاقتي بالكتابة، الآن أشغل نفسي بعوالمي وشخصياتي وأسئلتي الفنية أكثر مما أشغلها بأي شيء خارج هذه العوالم والأسئلة. ولا يروقني كثيرًا البحث عن وظائف للكتابة أو مبررات للقيام بها، أصبحت حتى لا أتضايق حين أزهد فيها وأبتعد عنها لفترة، بل أعتبرها فرصة للاستجمام والتفكر وإعادة الحسابات. ففي النهاية سأعود في حالة وجود شيء حقيقي ومُلِّح.

(*) هناك انشغال في روايتك الأولى “متاهة مريم” بكتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي المصري بداية من تموز/ يوليو 52، هل تعتبرينها بذلك رواية تاريخية أم تأريخية؟

لا أعتبرها تاريخية ولا تأريخية، لكني لا أعترض إن رآها آخرون كذلك، لأن العمل ما إن يصدر حتى يصبح مِلكًا لقارئه. التاريخ الاجتماعي حاضر بشكل خافت وغير مباشر وهو منسوج في نسيج العمل بحيث لا يمكن فصله عنه، لكن طموحات الرواية وأسئلتها الفنية في مكان أبعد من هذا، من وجهة نظري.

(*) في كتاب إرنستو ساباتو “الكاتب وكوابيسه”، يقول: “الفن كالحلم يقتحم أراضي للإنسان سحيقة في القدم، وما زال وسيطه كي يستعيد اكتماله المفقود والذي يكون أجزاء لا تنفصل”. وهذا ينقلنا إلى الحديث عن سيطرة الأحلام عليكِ في عدة أعمال مثل “وراء الفردوس”، وبداية محاولة الاشتباك مع التراث عبر ابن سيرين و”تفسير الأحلام”، وكان الاشتباك مع “تفسير الأحلام” بهذه الطريقة بلا حس نقدي كبير، كيف ترين التعامل الذي يتم مع النصوص القديمة سواء كانت تراثية أو حتى الكلاسيكية، هل يلزمنا الإعجاب بها والاشتباك معها بلا أي محاولة للتمرد؟

الفن يأخذنا بالفعل إلى أراض سحيقة، وإلى غابات اللاوعي المتشابكة، ويعرفنا على أعماق نفسية لم نكن لندركها أو نتخيل وجودها بدونه. بالنسبة لجزئية التراث ممثلًا في كتاب “تفسير الأحلام” في “وراء الفردوس”، أرى أن البعض يخلط بين إشارة عابرة لكتاب تراثي ما في حاشية من حواشي رواية وبين أن يشكِّل هذا الكتاب أحد محاور الرواية، كما يوجد خلط كذلك لدى البعض بين الرواية من حيث كونها فنًا وبين الدراسات النقدية أو الكتابات غير الروائية.

لا يوجد اشتباك مع التراث من الأساس في “وراء الفردوس”، يوجد حلم حلمت به شخصية من شخصيات العمل وفسرته لها شخصية أخرى، مع إشارة في حاشية إلى أن هذا الحلم وارد في كتاب “تفسير الأحلام” المنسوب لابن سيرين. الشخصيتان ريفيتان تؤمنان بالغيبيات والخرافات، وبالتالي فأن تفسّر إحداهما للأخرى حلمها على هذا النحو أمر منطقي. وكما سبق وذكرت الإشارة للكتاب هامشية تمامًا، أسئلة العمل وطموحه الفني في منطقة مختلفة عن الاشتباك مع النصوص الكلاسيكية المكتوبة. هو يستفيد، في جزء منه، من غيبيات وخرافات الريف ويرسمها من خلال شخصيات مؤمنة بها وتتعامل معها باعتبارها حقائق لا تقبل التشكيك. الروايات تختلف عن الكتاب الفكري أو البحث الأكاديمي، في الرواية يتقمص الكاتب وعي شخصياته وصوتها، ويعتمد المواربة والمراوغة الفنية.


بالنسبة للتعامل مع التراث، حين نقول إن من المهم الاشتباك معه والتمرد عليه، فهل هذا الأمر يخص التراث وحده؟ المفترض بالقراءة عمومًا أن تكون نقدية سواء حين نقارب التراث أو أي عمل آخر. وكي ننجز هذا، علينا تحرير عقولنا أولًا، ومحاولة الابتعاد عن الاستعراض والمراهقة الفكرية، أن نقرأ النصوص من داخلها وننقدها بعمق بناءً على محددات موضوعية مع مراعاة السياق الزمني لها، وليس كي نظهر بمظهر المتمردين. سأضرب لك مثالًا، حين يكتب طه حسين بإعجاب وتماهٍ عن أبي العلاء المعري، ويكتب آخر عن أبي العلاء منتقدًا إياه ومقللًا من شأنه. هل نصفق للآخر المفترض لأنه وفق كلامك تمرّد على المعري؟ أم نصفق لطه حسين؟ الإجابة من وجهة نظري أن ثنائية الإعجاب في مقابل التمرد لا أهمية لها هنا، هذا بخلاف أن التصفيق مفردة لا تبشر بالخير في هذا السياق. المهم أن نكون قارئين للمعري بدرجة تمكننا من تقييم الرؤيتين المغايرتين له من جانب طه حسين والآخر المفترض، بناءً على درجة فهم كل منهما لإبداعه وقدرة كل منهما على استنطاق نصوصه وتأويلها. هذا أمر يراه كثيرون شاقًا، لأنه يتطلب جهدًا وبحثًا والكثير من الحذر في إطلاق الأحكام، في وقت الغلبة فيه للأحكام السريعة واللافتات البراقة.

العملان المشتبكان بوضوح مع التراث العربي والإسلامي عندي هما “جبل الزمرد” و”بساتين البصرة”؛ الأول سردية مضادة لـ”ألف ليلة وليلة” وينطلق منها لطرح أسئلته الخاصة وخياله المغاير، والثاني يشتبك مع الفكر المعتزلي فنيًا وروائيًا ويضعه موضع التساؤل في سياقين أحدهما قديم والآخر معاصر.

(*) بين رواية “وراء الفردوس” ومجموعة “نحو الجنون”أربع سنوات، وكان الانشغال الظاهر في الكتابة بالجنون وحالات الديجافو، وهذه كانت الثيمة المسيطرة، عكس التغيير الذي مس كتابتك بداية من رواية “جبل الزمرد” و”أخيلة الظل” ومجموعة “مأوى الغياب”. ما سر هذا التحول من وجهة نظرك وهل لاحظتِ ذلك بالفعل؟ وهل هذا يرجع إلى اهتمامك وقتها بقراءة كتب التراث والعلاقة الجديدة التي كونتها مع النصوص التراثية؟

الأعمال الثلاثة التي ذكرتها، ومعها عمل مُنجَز وغير منشور بعد، تتمحور حول فكرة الكتابة أو التدوين بشكل أو بآخر ومن زوايا متعددة. هذا سؤال انشغلت به كثيرًا بعد 2011، في وقت مررت فيه بفترة اكتئاب طويلة مصحوبة بتشكك في جدوى الكتابة. في تلك الفترة، فضلت أن أطرح هذا التشكك روائيًا بدلًا من أن أستسلم له بالابتعاد عن الكتابة. كل عمل منها طبعًا، له ظروف مختلفة، ومر خلال كتابته بمراحل كثيرة حتى تبلور في شكله النهائي، لكن هذا الرابط الجامع بينها ملحوظ وكنت واعية به خلال الكتابة، بغض النظر عن التباين الكبير في عوالم كل عمل عن الآخر.

“نحو الجنون”، كُتِبَت على مدار سنوات طويلة، بعض قصصها سابق حتى على “متاهة مريم” و”وراء الفردوس”، كما أنني لا أتفق معك بخصوص وجود نقلة حادة أو تحول كبير، المسألة فقط لها علاقة بالاشتغال على الذات والعمل على توسيع العالم والأسئلة خلال رحلة الكتابة. كتبت قبل “جبل الزمرد” روايتَي “متاهة مريم”، عمل غرائبي تجريبي، و”وراء الفردوس” يعتمد على الواقع بدرجة أكبر، وكل عمل من العملين يمثل رافدًا في تجربتي، في “جبل الزمرد” كان هناك نوع التواشج بين هذين الرافدين، مع طموح فني أكبر تمثل في الاشتباك بنيويًا مع “ألف ليلة وليلة” بكتابة سردية مضادة لها.

علاقتي بالتراث ليست جديدة، بل هي الأساس منذ البداية، “متاهة مريم” نفسها قائمة على مفهوم القرين في التراث الإسلامي، وهو مفهوم له وجود أسبق في الثقافة المصرية القديمة وفي الفولكلور الشعبي المصري، و”وراء الفردوس”، صلتها قوية بالتراث الغيبي والمحكيات الشفاهية الشعبية في دلتا النيل. ربما تكون المسألة أوضح في “جبل الزمرد” بالنظر لمركزية “ألف ليلة وليلة” الحالية، وترسخت أكثر مع نشر “بساتين البصرة”، وعلاقتها بالفكر المعتزلي، لكن قراءتي للتراث قديمة، وبدأت في سن صغيرة، خاصة الشعر العربي القديم بعصوره المختلفة.

ذات صلة

محمد سمير ندا: حين يتحوّل القلق إلى سرد يفوز بجائزة الرواية العربية

suwaih

الكاتب الليبي فتحي نصيب: الكتابة هي التفكير بصوت عالٍ.. وبنغازي منحتني التكوين وباريس أعادت اكتشاف الذات

suwaih

الجوانب الفكرية للرسوم والنقوش في الصحراء الليبية خلال عصور ما قبل التاريخ

suwaih

حوار مع القاص خلدون الدالي: القصة القصيرة جداً هي فن التكثيف والذكاء اللغوي

suwaih

طرابلس ورمضان وموائد الرحمن: عادات وتقاليد سمحة تميز المدن عن بعضها البعض توشك أن تندثر!!

suwaih

للحفاظ على التراث والتعريف بأهمية المنتجات المنزلية: أسرة الفراشية  تنظم معرضها الرابع للزي التقليدي والأشغال اليدوية

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية