أفانين
فراس حج محمد| فلسطين
أقلام

أدب الحرية: المفهوم والمصطلح والأبعاد

فراس حج محمد| فلسطين

الأدب الفلسطيني المقاوم في جوهره فعل من أفعال الانبعاث الوجودي والتجلي الإنساني، حيث تتشابك الكلمة مع الهوية في صراع مرير ضد محاولات القتل والتشريد والسيطرة، وضمن هذا السياق العريض، يبرز تيار أدبي في أصل نشأته تبلور في أقبية السجون والمعتقلات، عُرف تاريخياً بـ “أدب السجون”، لكنه يشهد اليوم تحولاً اصطلاحياً نقدياً نحو مفهوم “أدب الحرية”، إن هذا التحول لا يعني استبدال مفردة بأخرى، إنما هو إعادة صياغة كلية للعلاقة بين المبدع وفضائه القسري، وانتقال من توثيق المعاناة والاضطهاد إلى صناعة المعنى والاشتباك المعرفي مع المحتل، كما أنه لا يتخذ من البلاغة والإنشائية المجانية والاستعارية المجازية متكأ له، إنما هو في حقيقته أدب ذو روح شاسعة وممتدة ومتمردة على القيود التي تحاول أن تؤطر كل ما يصدر عن الإنسان الأسير في قوالب جامدة غير مؤثّرة، لذلك- كما سيتضح لاحقاً- أدب ثوري على صعيد المعنى والرؤى وعلى صعيد الشكل أيضاً.

إن “أدب الحرية”، كما أراه من خلال ما أنتجه كتّابه من مدونات أدبية، هو الامتداد الطبيعي والشرعي لمفهوم “أدب المقاومة” الذي أسسه ووضع معاييره الكاتب الشهيد غسان كنفاني في كتابيه “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948- 1966” و”الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948– 1968″، حيث يتحول النص الأدبي من انعكاس للواقع إلى أداة لتغييره وتجاوز أسوار السجن المادية والمعنوية، ويبني أبعاده المفهومية على ما قد أسس له غسان كنفاني في هذين الكتابين، لكنه أبضاً له أبعاده التي سأتحدّث عنها.

يتجاوز مفهوم “أدب الحرية” الوصف السطحي للحياة داخل الزنازين ووصف ما يحدث داخل المعتقلات، ليعبر عن كينونة فلسطينية ترى في الكتابة فعلاً وجودياً بامتياز، في هذا الإطار، يُعرّف “أدب الحرية” بأنه “النتاج الإبداعي الذي يخطه الأسرى داخل معتقلات الاحتلال، أو ما يكتبه الكتاب استناداً إلى تجربتهم الذاتية أو العامّة، بحيث يكون المحرك الأساسي للنص هو التوق للتحرر والانتصار للذات الإنسانية في وجه منظومة القمع“.

وبناء على هذا التعريف الإجرائي المقتـرح فإن النقد يجب ألا يتعامل مع هؤلاء المبدعين كضحايا سلبيين، بل كمنتجين للمعرفة يصنعون من الألم معنى ومن العزلة معرفة حية، وبهذا المعيار النقدي العام يمكن للدارس أن يقيس النصوص المؤهلة لأن تدخل ضمن هذا الإطار النظري والتعريفي، وسبق أن ناقشت جانباً من هذه المسألة النقدية المهمّة في كتاب “تصدّع الجدران”. (ينظر في الكتاب: اختلاف المعايير النقدية تبعاً لاختلاف التجربة الإنسانية، ص 54).

تتجلى فلسفة “أدب الحرية” في كونه “فلسفة للتحدي والصمود”، حيث يدرك الأسير أن السجن ليس نهاية المطاف، بل هو ساحة نضال مستمرة لتأكيد الهوية ومواجهة سياسات السجان الرامية إلى تحويل الإنسان إلى رقم لا غير، ومن هنا، تصبح الكلمة هي المفتاح الحقيقي للحرية؛ فالحرية لا تبدأ من فتح باب الزنزانة، بل من الحبر الذي يلامس الجدار ليجعله نافذة، ومن الكلمات التي تتسلق الأسوار لتصل إلى الخارج قبل صاحبها، هذا المفهوم يعيد الاعتبار للإرادة الإنسانية، ويؤكد أن السجن لا يكتمل إلا إذا استسلمت الروح، والكتابة هي الدرع الذي يحمي الروح من التفتت والجسد من الانهيار، ويساعد على البقاء على قيد أمل، لا تنطفئ له شعلة.

وعلى ضوء من أبعاد غسان كنفاني التي وضعها لأدب المقاومة، فإن “أدب الحرية” يتضمن بهذا الوصف أبعاداً أساسية أخرى تخصّه على مستوى بنيوي داخلي أو على مستوى الهدف والغاية، وهي:

البُعد الوجودي أو المقاومة الإنسانية الوجودية، حيث إعلان الحضور الإنساني في وجه نظام عنصري يسعى للمحو بكل ما أوتي من قوة وبأساليب شتى، وإثبات أن الأسير كائن حي مكتمل المشاعر والتاريخ.

البُعد المعرفي أو المقاومة المعرفية، إذ يتم فيه تحويل الزنزانة إلى ورشة إبداعية ومختبر للفكر، والاشتباك مع رواية الاحتلال البغيض ومواجهتها برواية فلسطينية أصيلة، ومن ضرورات هذا الاشتباك قراءة الآخر بلغته، حيث يصبح تعلم اللغة العبرية مهمة واجبة من مهمات الصراع على الرواية.

البُعد الوظيفي أو المقاومة التواصلية العملية، وبه يستعيد الكتّاب الزمان والمكان المسلوبين عبر المتخيل السردي، وكسر العزلة التي يفرضها السجان من خلال التواصل مع القراء في الخارج، وخلق زمن موازٍ لا يخضع لمواضعات الزمن المكثّف الذي يعاني منه الأسير في السجن.

البُعد الجمالي أو المقاومة الجمالية الفنية، وينتج عنه نصوص تتسم بالواقعية المشوبة بالإيمان والروحانية، مع توظيف مكثف للتناصات الدينية والتاريخية والأدبية، ويستند إلى تاريخ طويل من النضال العالمي الذي يؤكد شرعية الفعل الثوري وتأكيده بالفعل الإبداعي، ويختلق أساليبه الفنية الخاصة بحكم التجربة باحثاً عن تقنيات كتابة جديدة ثورية، تجعل الأدب يدخل في تجريبيّته ليصنع أشكاله التي تميّزه عن غيره.

إن توظيف مفهوم “أدب الحرية” يتسع ليشمل كافة الأشكال الفنية، من الرواية والشعر إلى المذكرات والرسائل والنصوص المفتوحة والتأملات الفلسفية والشهادات الحية والأبحاث الأكاديمية والأغاني الثورية والمرافعات القانونية أمام المحاكم ومحاضر الجلسات التثقيفية داخل السجون والبيانات العامة والخاصة السياسية والحزبية، ومجازاً اللوحات الفنية والمشغولات اليدوية، هذا التنوع يعكس “ثورة أدبية” لجيل غير قابل للهزيمة، يمسك بالقلم ليقول للعالم إنه موجود وإنه يقاوم من خلال الإبداع.

منذ عام 2021 وأنا أسعى بمشاركة الكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي إلى ضرورة اعتماد منهجية فكرية واضحة لإحلال مصطلح “أدب الحرية” محل مصطلح “أدب السجون”، هذا الانحياز المصطلحي ليس ترفاً لغوياً، بل ينبع من عدة اعتبارات جوهرية تمس صلب القضية الفلسطينية ونضال الحركة الأسيرة، فقد كرّسنا سوياً جزءاً كبيراً من الاشتغال النقدي لتأصيل هذا المصطلح وتثبيته في الوعي الثقافي العربي والفلسطيني، وذلك من خلال مجموعة كبيرة من المقالات والأفعال الثقافية على الأرض من ندوات ومؤتمرات، كلها تنحاز إلى هذا المصطلح، ومن هذه الاعتبارات:

أولاً، يميل مصطلح “أدب السجون” في السياق العربي العام إلى الارتباط بمشاعر اليأس، والخوف، ووصف القهر الممارس من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية، بينما يتجه “أدب الحرية” في السياق الفلسطيني نحو شحذ الهمم وتأكيد الفعل المقاوم، فثمة فرق بائن بين سجين سياسي عربي يقبع في سجون تلك الأنظمة، ويكتب تجربته السجنية كما في “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أو كما في “خيانات اللغة والصمت” لفرج بيرقدار، وبين مناضل ومقاوم فلسطيني وقع أسيراً بين يدي أعدائه الذين يحتلون أرضه، وكتب في السجن ليستمر في المقاومة، فكأنه يمارس ما يعرف بلغة الفلسفة “المقاومة بالقوة”، كما كان يمارس “المقاومة بالفعل”.

ثانياً، إن كلمة “سجين” تعكس وضعاً قانونياً وجنائياً يحاول الاحتلال فرضه على المقاومين الفلسطينيين، بينما “أسرى الحرية” هم مناضلون من أجل قضية وطنية عادلة، وبالتالي فإن أدبهم يجب أن يعكس صفتهم النضالية لا وضعهم القسري، وفي هذا أيضاً استخدام لمصطلحات مغايرة لمصطلحات الاحتلال.

ثالثاً، إن “أدب السجون” يركز غالباً على الجدران، والأسلاك الشائكة، وفظاعة السجان، مما قد يحبس النص في دائرة “أدب الضحية”، وفي المقابل، ينطلق “أدب الحرية” من داخل السجن نحو الفضاء الرحب، وإن تحدّث أيضاً عن المعاناة، إلا أنه يتجاوز الأسير قيوده ليتحدث عن الوطن، والحب، والمستقبل، وصناعة الأمل، مما يجعل الكتابة فعلاً تحررياً يسبق التحرر الجسدي، وإن استبدال المصطلح يهدف إلى “تثوير” القراءة النقدية، بحيث لا يُنظر إلى النص بوصفه وثيقة معاناة فحسب، بل منجزاً أدبياً وفنياً متكاملاً يمتلك شرعيته من جودته الإبداعية وليس فقط من ظروف كتابته.

وبناء على هذا، ينبغي عليّ أن أشير  إلى مجموعة من وجوه الموازنة بين المصطلحين على النحو الآتي:

 تتجه النظرة للكاتب في “أدب السجون” على أنه ضحية للاحتلال، بينما في “أدب الحرية” فهو مبدع ومنتج للمعرفة والمقاومة، وأما المضمون فيوثق المفهوم القديم التعذيب والمعاناة اليومية، بينما يستشرف أدباء الحرية المستقبل مشبعين بفلسفة التحدي والتحرر، وفي ما يخص الهدف من الكتابة، فلا تعدو أن تكون في “أدب السجون” للتنفيس أو تسجيل الشهادة التاريخية، وفي “أدب الحرية” تصبح الكتابة فعلاً وجودياً وكسراً للعزلة واشتباكاً معرفياً، وفي مجال الارتباط السياسي، فغالباً ما يرتبط “أدب السجون” بأنظمة الاستبداد العربية، أما “أدب الحرية” فمرتبط عضوياً بأدب المقاومة الفلسطينية، وهو جزء منها.

وعليه، لا يمكن فهم “أدب الحرية” بمعزل عن الإطار العام لأدب المقاومة الفلسطيني. فمنذ بدايات القرن العشرين، ارتبطت التجربة السردية والشعرية الفلسطينية بتجربة الأسر، بدءاً من خليل بيدس الذي اعتقل أيام الانتداب البريطاني “وأودع سجن عكا حيث قضى أربعة أشهر كتب خلالها كتابه “حديث السجون ” وصف فيه السجن والأساليب الوحشية التي يعامل بها المستعمر المثقفين، حيث يساويهم بالمجرمين وقطاع الطرق، وقد ظل هذا الكتاب مخطوطاً لم يطبع وضاع ضمن ما ضاع من كتب في مكتبته”. (دائرة المعارف الفلسطينية، موسوعة الأعلام، خليل بيدس: أحمد عمر شاهين)، وإبراهيم طوقان الذي خلد شهداء ثورة البراق (محمد جمجوم، وفؤاد حجازي وعطا الزير)  برائعته الشعرية “الثلاثاء الحمراء”.

يمثل “أدب الحرية” اليوم القلب النابض لأدب المقاومة، فهو يجسد لحظات الحقيقة القصوى حيث يواجه الفرد آلة القمع وجهاً لوجه، فقد روى الكاتب المحرّر باسم خندقجي في لقاء أدبي (بودكاست) بقوله للسجان الذي أراد أن يعاقبه على فوزه بجائزة البوكر: “لو أنني أعرف أن الكتابة ستزعجك وتؤذيك لكنت كتبت كثيراً” (بودكاست قهوة عربي، 24/1/2026)، وقد أكد غسان كنفاني، مؤسس مفهوم أدب المقاومة، أن هذا الأدب ليس انعكاساً للواقع، إنما محاولة واعية لتغييره، وإن “أدب الحرية” يطبق هذه المقولة حرفياً؛ فالأسير حين يكتب، فإنه يغير واقعه النفسي والمكاني، ويحول الزنزانة من مكان للاحتجاز إلى منارة للتثوير والتنوير والاشتباك المعرفي.

علاوة على ذلك، يسهم “أدب الحرية” في صون الهوية الوطنية الفلسطينية وحمايتها من محاولات “الصهينة والتهويد” وطمس الذاكرة وتشويهها، وتزييف الوعي، وإنه سجل للوجود الفلسطيني وجسر يربط بين نضالات الماضي وتطلعات المستقبل، ويشترك “أدب الحرية” مع أدب المقاومة في كونه “أدباً إنسانياً” يدعو لتقوية الذات في مواجهة الآخر المعتدي، ويعبر عن الذات الجمعية للشعب الفلسطيني في سعيها للحرية والاستقلال، وأن تكون متساوية مع كل الناس في العالم في الحقوق والواجبات الفردية والجماعية؛ الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية، وإن لم يُسقط هذا الأدب البعد الجغرافي المحلي كونه يتحدث عن بلده المحتل، إلا أنه خلال صوغه لمشروعه فإنه ينطلق منطلقات إنسانية عامة، فمن حقه بوصفه إنساناً أن يعيش حراً ويعبر عن إرادته السياسة مع جماعته الوطنية أسوة بكل شعوب الأرض الحرة في دولة معترف بها تتمتع بكل ما تتمتع به الدول من حرية واستقلال.

لقد شهدت السنوات الأخيرة توجهاً نقدياً متزايداً نحو تبني مصطلح “أدب الحرية” وتثبيته في الأدبيات الفلسطينية، يقود هذا التوجه نخبة من النقاد والباحثين الذين آمنوا بأن نتاج الأسرى يتجاوز القيمة التوثيقية إلى القيمة الفنية العالمية، وقد فرضت حركة الأدب نفسه الخارج من السجون هذه التسمية، فهي ليست إنشاء خاوياً من المعنى الواقعي، إنما بالفعل تقوم تلك السرديات والمنتوجات الثقافية على ثيمات الحرية والعدل والمساواة والانعتاق من الظلم والظلام في بلد حرّ، يتمتّع أصحابه بمقدراته دون أن تمارس عليهم أية جهة أو دولة وصاية أو تحكّماً.

وعلى الصعيد الشخصي فقد اشتغلت كثيراً على تثبيت مصطلح “أدب الحرية” من خلال العديد من الموادّ والكتب المنشورة، وربطت بين جودة النص الأدبي وبين السياق النضالي للكاتب، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وقدمت مساهمات تأسيسية في هذا المجال بدءا من إفراد فصل خاص بعنوان “من داخل السجن” في كتاب “ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد” (2019)، حيث ناقشت “التمرد بالكتابة واختلاق أفق متسع للحرية”، فالكتابة هي العمل المقاوم الذي يقوم به الكتاب الأسرى داحل السجن، فتناولت “الجلسات التثقيفية داخل المعتقلات”، وناقشت مجموعة من كتب الأسرى الفلسطينيين.

ثم أصدرت كتاب “تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة” (2023)، المخصص بالكامل للبحث في أدب الأسرى، وتابعت فيه ما بذلته من جهد بحثي طويل امتدّ لسنوات للإحاطة بأدب الحرية في سجون الاحتلال، من أجل فهم ماهية الكتابة خلف القضبان، وطرحت فيه تساؤلات حول الجدوى والمغزى من الكتابة في ظل ظروف القهر المطلق، ورأيت أن الكتابة هي الوسيلة التي يثبت من خلالها الأسير أنه موجود وحي، وهي الأداة الفعّالة ليكون واحداً من الناس الفاعلين على الأرض خارج أسوار السجن.

وخصصت الكتاب الثالث “الأسوار والكلمات- عن أدب باسم خندقجي” (2025)، بأدب باسم خندقجي سرداً وشعراً، وحاولت فيه فك شيفرات أدب المقاومة من خلال بحث “أدب الحرية”، وسعيت لأثبت في الكتاب أن القلم أقوى من أسوار السجن وظلامه، مؤكداً مكانة خندقجي الإبداعية التي لا يمكن تجاهلها، وأن الكتابة في السجن ضرورة بيولوجية ونفسية للأسير، وأن هذا الأدب يستحق الدراسة المعمقة كأدب أصيل ومكتمل الأركان الفنية.

كما يبرز اسم المحامي والكاتب حسن عبادي الذي وضع كتاب “احتمالات بيضاء: قراءات في أدب الحرية الفلسطيني” (2025)، وفيه يحلل أكثر من ستين كتاباً للأسرى، مؤكداً فلسفة التحدي الكامنة فيها، كما يلعب عبادي دوراً محورياً في هذا السياق من خلال مشروعه التوثيقي في كتاب “الكتابة على ضوء شمعة” (2022)، وكتاب “يوميات الزيارة والمزور- متنفس عبر القضبان” (2024) وكتاب “زهرات في قلب الجحيم” (2024)، حيث يحرص على رعاية مخطوطات الأسرى ونشرها، معتبراً إياها “نطفاً محررة” ورموزاً للأمل المستمر، هذا الحراك النقدي يعكس وعياً جديداً بضرورة تجاوز الأطر الضيقة للنقد التضامني العاطفي نحو تحليل فني وفلسفي عميق يضع أدب الأسرى في مكانه الطبيعي ضمن المشهد الثقافي العربي والعالمي.

ومن الجهود النقدية التي لا بد من الإشارة إليها، جهود الناقد الفلسطيني رائد الحواري الذي درس في عدة كتب ومقالات هذه الظاهرة عند الكتاب الفلسطينيين والعرب، كما في كتاب “إضاءات على رواية المعتقلين الأدباء” (2018)، وكتاب “إضاءات على إبداعات كميل أبو حنيش” (2021)، وكتاب “السجون والمعتقلات في الرواية العربية” (2023)، عدا المقالات الأخرى غير المجموعة في كتب وتناولت أعمال كتاب آخرين كتبوا عن السجن ومن السجن، وفي كل هذه الكتابات لا تغيب عن بال الحواري وهو يحلل تلك الأعمال الأدبية ثيمات الصمود والتحدي والحرية والأمل، وإن انحاز- عملاً بالرائج- إلى مصطلح أدب السجون.

وصدر مؤخراً كتاب “قراءة نقديّة في نصوص وروايات فلسطينيّة، إطلالة على أدب الحريّة” (2026) للكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح، وكما هو واضح يتعمّد المؤلف أن يؤطّر قراءاته النقدية في العنوان الفرعي للكتاب داخل إطار مفهوم “أدب الحرية”، وجاء فيه: “نشأ أدب الحرية بوصفه أحد أشكال التعبيـر الأدبي الأكثر التحاما بالواقع النضالي لشعب يرزح تحت وطأة الاحتلال، لم يكن هذا الأدب مجرد كتابة عن تجربة السجن أو واقع الحال فيما يعانيه ويكابده الكاتب خلف القضبان فقط، بل كتابة من داخل السجن في مواجهة القمع والطمس السلطوي التي يحاول الاحتلال من خلالها إسكات الأسير ونزع إنسانيته وتجريده من إحساسه ووعيه لواقع شعبه، لذلك جاء هذا الأدب كفعل مقاوم، يعيد للأسير هویته کإنسان مقاوم وكأديب مبدع يعبر عن ذاته وعن هويته وعن طموحات شعبه وتحرره”.

وأما على صعيد الفعل الإبداعي فتزخر المكتبة الفلسطينية بأعمال إبداعية شكلت ركائز لمفهوم “أدب الحرية”، هؤلاء الكتاب لم يكتفوا بنقل تجربتهم، بل طوروا أدوات سردية وشعرية فريدة جعلت من نتاجهم علامات فارقة في تاريخ الأدب المقاوم، وأبرز الكتّاب والأعمال الإبداعية في “أدب الحرية” أذكر منهم الكاتب والأسير وليد الهودلي في روايته “ستائر العتمة” (2001)، إذ يلمس الباحث تباشير الريادة في تحويل تجربة الاعتقال إلى سرد روائي واقعي يمزج بين البُعد الوطني والروحاني، ولا يستسلم لليأس بأي حال من الأحوال، بل إنه يؤسس لفكرة كيفية مقاومة الأجيال الجديدة الداخلة إلى سجون الاحتلال السجان والعصافير ويعرفهم بأساليب التحقيق وكيفية مواجهتها، ثم تلتها مجموعته القصصية “مجد على بوابة الحرية” (2003) التي تسلط الضوء على تجربة الأسر في سجون الاحتلال، وتعد جزءاً بارزاً من الأدب الذي يجسد صمود وتضحيات الأسرى الفلسطينيين، وقد جعل في العنوان لفظ الحرية بديلاً عن السجن، تأكيداً منه لهذا الأفق من التفكير الواعي، كما أن الكاتب يواصل هذا النفس الإيجابي في إصداره الأخير “الغرفة الزهراء” (2025) الذي أصدره ليتحدث عن واقع الأسرى الفلسطينيين خلال حرب الإبادة الجماعية، وعلى الرغم من أنه كان واقعاً مأساوياً إلا أنه يجد التفاؤل في عمق هذا الواقع فانحاز إلى وصف تلك الزنزانة بأنها “الزهراء” ، “ليُسجل بذلك معنى آخر للزنزانة، حيث لا تعد المكان الذي يتم فيه “حبس” الثوار، بل هي المكان الذي يُخلق فيه الوعي الثوري، ويزدهر فيه الفكر المقاوم”. (القدس العربي، 24/4/2025)

وللشهيد الكاتب وليد دقة- رحمه الله- مساهمة فعالة في ترسيخ حقيقة “أدب الحرية” من خلال أعماله المهمة المقاومة: “صهر الوعي” (2011)، و”حكاية سر الزيت” (2018)، و”حكاية سر السيف” (2021)، ويتميّـز أدب دقة بأنه يسعى إلى تقديم أدب لليافعين ينطلق من خلف القضبان، وصياغة مفاهيم فلسفية لمواجهة سياسات القمع، وتقوم الحكايتان على فكرة الحرية وكيفية تحققها، ويلمس فيهما القارئ تلك الأبعاد التي يقوم عليها “أدب الحرية” المذكورة أعلاه، وأهمها تأكيد فكرة الحرية ومقاومة المنع بأي طريقة ممكنة ولو كانت بالفنتازيا والتصور الذهني المجرّد.

كما تبرز مساهمة الأسيرة المحررة الكاتبة عائشة عودة   في كتابيها التوثيقيين”أحلام بالحرية” (2004)، و”ثمناً للشمس” (2012)، علماً أن الكاتبة تجنح في الكتابين إلى توثيق تجربة الأسيرات الفلسطينيات وتسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأسر، إلا أنها لم تكتب للتعبير عن شعورها باليأس، وإنما كتبت لشعورها بالحرية، ويكفي للدلالة على ذلك تأمّل دلالة العنوان في الكتابين، وقد حاز الكتابان اهتماماً نقدياً واضحاً.

ومن أبرز الكتاب الذين كتبوا داخل السجون الكاتب والأسير المحرر باسم خندقجي، فمدونته السردية تعتمد في عمقها على مفهوم “أدب الحرية”، ومن رواياته “مسك الكفاية- سيرة سيدة الظلال الحرة” (2014)، و”نرجس العزلة” (2017)، و”ثلاثية المرايا: قناع بلون السماء (2023)، وسادن المحرقة (2025)، وفراشات مريم الجليلية (2026)”، وقد انحاز خندقجي إلى الرواية ذات النفس الطويل، واستخدام الذاكرة والتاريخ لمساءلة الذات والواقع، متجنباً عن عمد الوقوع في فخّ “أدب السجون” التقليدي لأنه يرى أن هذا الأدب قد استنفد مضامينه، ويضع الكاتب تحت رحمة التعاطف مع الكاتب كونه أسيراً، بل إن باسماً يصف القراءة والكتابة بأنهما “فعل مقاوم وفعل من أجل التحرر،… ولكن  التحرر المجازي أو الحرية المجازية كانت تتحقق أثناء فعل الكتابة”. (بودكاست الحل إيه؟/ 10/4/2026).

لم تكن الأعمال السابقة إلا نماذج مختارة، أستشهد فيها متتبعاً مسيرتها التاريخية، ليس لها أفضلية على غيرها، وتشترك مع أعمال كثيرة أخرى كنت قد درستُها أو توقفت عندها في دراساتي ذات العلاقة، ويبدو جلياً من خلال تلك الكتابات جميعها، أن الكتّاب الأسرى ابتكروا في كتاباتهم لغة رمزية فريدة تعكس خصوصية تجربتهم وتحديهم للسجان، وعملت هذه الرموز كأدوات فعلية مكنت النص من الحيوية في التلقي القرائي والنقدي؛ لأنها كانت تتمتع بدرجة عالية من النضج الفني، ولم تكتب تحت ضغط التأثير الانفعالي العاطفي، ولم يرد لها أن تجد حياتها ضمن هذا التأثير الوجداني اللحظي.

ومع ذلك، فإن تلك الأعمال الأدبية تتجاوز أهميتها في حياة الأسير حدود الإبداع الفني لتصل إلى مرتبة “الضرورة البيولوجية والنفسية”، فالكتابة تمثل للأسير استعادة الكينونة بالخروج من ضيق الزنزانة إلى رحابة المتخيل، فعبر كلماته، يتحول الأسير إلى عصفور، أو بحر، أو غيمة، أو وردة، وبالكتابة يتم التواصل مع العالم لكسر العزلة التي يفرضها السجان.

هذا النوع من الأدب يمنح الإنسانية فرصة لتعيد النظر في أفكارها حول السلطة والقوة، ويوضح “أدب الحرية” أن القوة الحقيقية ليست في السلاح ولا في القمع، بل في القدرة على بقاء الروح حية رغم الظروف القاسية، ولهذا السبب، يبقى الأسرى المبدعون حاضرين رغم سنوات الاعتقال الطويلة، تماماً كما بقي لوركا خالداً رغم إعدامه.

أطمح أن يصل مصطلح “أدب الحرية” إلى مرحلة الاستقرار النقدي، إذ بدأت هذه المسيرة مع “أدب السجون” التقليدي الذي كان يغلب عليه الطابع التوثيقي والمظلومية، ومع تطور الحركة الأسيرة الفلسطينية، وتحولها إلى “أكاديميات” شكّلت “حلقات تحرر معرفي” كما سمّاها خندقجي، هذه الحلقات التي تمتد إلى أربع ساعات ” كانت بمثابة انتصار مجازي على هذا الآخر الصهيوني/ السجان” (بودكاست الحل إيه؟/ ذُكر سابقاً)، وبذلك بدأ الإنتاج الأدبي يأخذ منحىً جمالياً ومعرفياً وإنسانياً أعمق من ذي قبل.

اليوم- وبفضل كل هذه الجهود- صار المصطلح ينحاز إلى فكرة “الحرية” كفعل مستقبلي وليس كحالة مفقودة، إن تثبيت هذا المصطلح في الأدبيات الجديدة لأدب المقاومة الفلسطيني يعني الاعتراف بأن الأسير الفلسطيني هو “ذات فاعلة” وليس موضوع معاناة تستدعي الشفقة والعطف، هذا التحول النقدي يسهم في بناء سردية فلسطينية قوية قادرة على مواجهة الرواية الصهيونية وهي عنصر فعّال في بناء الشخصية الفلسطينية المقاومة.

إن مسيرة مصطلح “أدب الحرية” هي انعكاس لمسيرة الشعب الفلسطيني نحو الخلاص، ولقد أثبتت هذه الحيوية الإبداعية والتفاعلية النقدية، وبالاستناد إلى كثير من المواد الغنية التي قدمها كثيرون، أن الانتقال من مفهوم “أدب السجون” إلى “أدب الحرية” هو ضرورة نضالية ومعرفية تهدف إلى تحرير النص والمبدع من قيود الضحية نحو رحابة الفعل التاريخي، وبالتالي فإنني أؤكد جملة من القضايا المتصلة بهذا المصطلح لترسيخه وإعطائه شرعية مصطلحية معتبرة ومستقرة:

أولاً، يجب تأكيد أن “أدب الحرية” هو فعل وجودي يثبت حضور الإنسان الفلسطيني في وجه محاولات الإلغاء والإحلال، فثنائية الذات والآخر تصبح أعمق معنى ضمن هذا الأدب، لأن المسافة تتسع بين الطرفين، وكلما اتسعت المسافة صار النقيض أوضح.

ثانياً، هذا الأدب هو الامتداد الحي لأدب المقاومة الذي أسسه كنفاني، وهو يمثل اليوم رأس الحربة في مواجهة الرواية المزيفة للاحتلال.

ثالثاً، الدور الذي يقوم به النقاد والباحثون في تثبيت المصطلح ومنح إبداعات الأسرى حقها من الدراسة والتحليل دور مكمل لفعل المقاومة على الأرض، ويواكب ما يقوم به الكتّاب الأسرى والمحررون من فعل إبداعي يرسخ أبعاد هذا الأدب.

رابعاً، تظل الكتابة في السجن معادلة موضوعية للحرية، فبينما يمسك السجان بالمفتاح، يمسك الأسير بالقلم الذي يفتح له أبواب العالم والخلود، وحتى لا يُمنح هذا السجّان فرصة السيطرة على الأسير الكاتب، عليه أن يكسر- مجازياً- جدرانه ليرى ويعيش الحالة بكامل تجلياتها كأنه خارج تلك الأسوار.

إن “أدب الحرية” هو نشيد للروح الإنسانية التي ترفض الانكسار، وشهادة حية على أن الليل زائل، وأن فجر الحرية آتٍ لا محالة، ليس فقط بوعود السياسة، بل بقوة الكلمة التي لا تموت أبداً، وإنّ ترسيخ هذا المفهوم حق ثقافي مكتسب بالرؤية الصائبة للمشتغلين به لضمان بقاء السردية الفلسطينية نابضة بالحياة والتحرر وحتى لا نصبح جميعاً أسرى القوالب اللغوية الجامدة التي صيغت في ظروف مغايرة لا تعبّر تمام التعبير عن الواقع الذي يحياه الأدب وصنّاعه اليوم، فالظروف اختلفت، فانعكس هذا الاختلاف بلا شك على الأدب نفسه، وبدوره لا يكتمل إلا بالرؤى النقدية التحليلية التي تحاول أن تضع تلك الإنتاجات الثقافية في نصابها الصحيح بتأطير مصطلحي يلازمه ملازمة ضرورية.

ذات صلة

بيعة الخوارزمية

suwaih

أرسان الروح: فضاء مشبع بالذاكرة

suwaih

نظْم “الغزوات” للبدوي.. وثنائية الإبداع الأدبي والوصف الملحمي

suwaih

التاريخي والوجودي: لماذا تنجو ثقافتنا من الصدمة؟

suwaih

كتاب غسان

suwaih

التحول الرقمي والتحديات القانونية:مستقبل الأمن والخصوصية في عصر التكنولوجيا المالية

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية