أفانين
صدور رواية "ذاكرة مقهورة" للروائي عمر الحمود: تشريح أدبي لأوجاع الذاكرة السورية وخراب الرقة
الإصدارات

فظائع الحرب وترميم شروخ الذات: رواية “ذاكرة مقهورة” للروائي عمر الحمود

مقدمة: الكلمة كوثيقة لإنقاذ الذاكرة من التلاشي

عن دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، صدرت حديثاً رواية ذاكرة مقهورة للروائي السوري ابن مدينة الرقة عمر الحمود. تأتي الرواية في 152 صفحة من القطع المتوسط الأوروبي، حاملاً غلافها بصمة فنية لافتة وتعبيرية للفنان محمد الحريري.

يمثل هذا العمل السردي إضافة جديدة ومهمة للمكتبة العربية ولأدب الحرب السوري؛ إذ لا يقف الكاتب فيه عند حدود الرصد التاريخي الجاف للأحداث، بل يغوص بكاميرته الروائية إلى أعماق النفس البشرية المقهورة، ليفكك شروخ الذاكرة التي أحدثتها سنوات الدمار والرماد في العقد الثاني من الألفية الثالثة.

سيميائية الغلاف وعتبة العنوان: ملامح القهر البصري

يضعنا الغلاف، الذي صممه الفنان محمد الحريري، أمام عتبة بصرية مشحونة بالدلالات والرموز التي تمهد لمتن الرواية:

  • تضاد الألوان والظلال: تظهر اللوحة شخصيات تتشح بالسواد والرمادي، وهي تسير وسط فضاء باهت وضبابي يشي بالضياع والوحشة.
  • العمق الحركي: حركة السير للشخصيات تعطي شعوراً بالنزوح القسري، أو الترحال الأبدي بحثاً عن ملاذ آمن، حيث تبدو الأجساد مثقلة بالهموم والانتظار، تماماً كما هي الذاكرة التي يحملونها.
  • العنوان “ذاكرة مقهورة”: يمثل هذا المبتدأ والخبر صدمة أنطولوجية؛ فالذاكرة بطبيعتها خزان لحفظ الهوية والحياة، لكن عندما توصم بـ “المقهورة”، فإنها تتحول من أداة إنقاذ إلى زنزانة نفسية يعاد داخلها إنتاج الألم والخذلان والترقب الخائف بين قبرين.

تفكيك البنية الموضوعية: محاور المرارة والنجاة الناقصة

من خلال النبذة التقديمية المثبتة على الغلاف الخلفي للكتاب، يمكننا تفكيك أهم الثيمات والمحاور الموضوعية التي اشتغل عليها الروائي عمر الحمود:

1. الرقة كنموذج للمدينة المستباحة

تحضر مدينة الرقة في النص ليس كديكور جرافي أو مسرح جامد للأحداث، بل ككائن حي ناله النصيب الأكبر من الفقد والوجع. يصف الكاتب رقة الجمال بعبارة تقطر أسى:

«وما مدينة الرقة التي نالت حظها من الهمّ السوري حتى باتت المدينة التي كأنها إلا الأنموذج الحاضر لما جرى لمدن سورية كثيرة، طالتها يد الخراب، وضُيّعت تفاصيلها الجميلة».

إنها مرثية لخصوصية المكان وتحولاته المفجعة من حواضر الأنس والجمال إلى فضاءات تحكمها أنظمة الخراب التي شوهت التفاصيل وامتدت لتسلب الإنسان ذكرياته البسيطة.

2. تحولات البلاد وسرقة الحياة

ترصد الرواية بجرأة حوادث الحرب وحالة الاستلاب التي عاشها البيت السوري. يصف الحمود هذا التحول التراجيدي بأن الحوادث قد «حوّلت البلاد إلى غابة، يُسترق الإنسانُ الحياة فيها مستسلماً لقوانين الاشتباك، ويترقب قبراً له بين قبرين». هذه الصورة الوجودية تلخص حالة الرعب اليومي، حيث تصبح النجاة بحد ذاتها “سرقة قسرية” من فم الموت، ويغدو البقاء مجرد تأجيل مؤقت للنهاية.

3. بطل الرواية: المثقف والمهام الإنسانية المجهضة

تتحرك الحبكة حول بطل اختُطف عند عودته من “مهمة إنسانية”. هذا الاختطاف لا يمثل غياباً جسدياً فحسب، بل هو رمز لـ “تغييب العقل والصوت الإنساني” وسط غبار الصراعات الشمولية. وعبر دروب المقابر الحية التي خلفتها الحرب، يبرز النضال الداخلي للبطل للحفاظ على جذوة الإخاء والقيم الإنسانية النبيلة، في واقع صار فيه القابض على المبادئ كالقابض على الجمر.

4. شهوة الدم وانتهازية الحروب

يكشف النص بوضوح ومباشرة عن تشريح السلوك البشري في زمن الأزمات؛ حيث لا يتوانى الكاتب عن تعرية الفئات الاستغلالية والأنظمة الديكتاتورية الشمولية التي اغتنت واقتاتت على حساب عذابات الأبرياء:

«وما قتل البطل لإشباع شهوة الدم إلا حالة تفضح مرحلة الانحطاط والتوحش، والانتهازية التي وصلت إليها فئات استفادت من استمرار الحرب».

الرؤية الفلسفية والنقدية: رواية الأرواح المعذبة

تنتمي “ذاكرة مقهورة” إلى ما يمكن تسميته بـ “أدب المقاومة النفسية والتوثيق السيكولوجي”؛ فالكاتب عمر الحمود لا يكتفي بإدانة العنف فيزيائياً، بل يدينه معنوياً عبر رصد آثار الشظايا داخل الأرواح. إن تتبع مصائر الشخوص في الرواية يعكس عمق الأزمة الهوياتية التي خلفتها الحرب في وجدان الإنسان السوري؛ حيث تتحول الذاكرة من قوة دافعة للمستقبل إلى ثقل يشد الذات نحو الوراء، ونحو أطلال البيوت المهدمة والشوارع المحروقة.

تتميز لغة الحمود بالرصانة والوضوح، مع جنوح لافت نحو التكثيف والعبارات الحِكمية ذات البعد الفلسفي التي تجعل القارئ شريكاً في طرح الأسئلة الوجودية حول جدوى الكتابة، ومعنى الانتماء، وإمكانية ترميم الهوية بعد كل هذا التهشيم.

خاتمة

تعتبر رواية “ذاكرة مقهورة” صرخة واحتجاجاً أدبياً رفيعاً ضد النسيان، ومحاولة جادة لإعادة بناء الذاكرة الجمعية لمدينة الرقة خصوصاً، وسوريا عموماً. إنها عمل يجمع بين حرارة التجربة الميدانية وعمق الرؤية الإبداعية، لتثبت دار توتول ومن خلفها المؤلف عمر الحمود، أن الكلمة الحرة تظل قادرة على البقاء والإشراق حتى من تحت أنقاض الخراب والدمار.

ذات صلة

“صخب الأوطان”.. مجلة رؤى الليبية تصدر عددها 62 بملف خاص عن المذهب المالكي والهوية الوطنية

suwaih

دراسات إماراتية مغربية في الذكاء الاصطناعي وعقول رقمية وهوية متجددة

suwaih

«كان زمان 2».. ذاكرة لا تشيخ ومسيرة تُروى من جديد

suwaih

صلاح أنقاب يصدرالنسخة الفرنسية من روايته «جمهورية الضباع»

suwaih

“الغائب الحاضر”: مروة الزواوي توثق ألم الفقد وأمل العودة في كتابها الجديد

suwaih

الليبية في عددها الثامن عشر: نوافذ على الواقع الليبي

suwaih

تعليق واحد

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية