أفانين
الحلم الذي ينأى
النقد

التشكيل الفضائي في المسار السردي – المجموعة القصصية -الحلم الذي ينأى- أنموذجا للكاتب فتحي نصيب – دراسة سيميائي

د . أمينة خليفة هدريز

 أمينة خليفة هدريز
أمينة خليفة هدريز

جامعة صبراتة كلية الآداب والتربية

Amina khlifa Hedriz

[email protected]

تاريخ الارسال 2026/12/11م   تاريخ القبول 2026/2/5م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Spatial Formation in the Narrative Trajectory:

The Short Story Collection “The Dream That Recedes” as a Model by the Writer Fathi Nasib – A Semiotic Study

Dr. Amina Khalifa Hadriz

Abstract

This study aims to examine spatial configuration in the short story collection The Dream That Recedes by the writer Fathi Nasib, which was written in Libyan prisons between 1982 and 1983. The research adopts a semiotic approach to analyze the collection, focusing on the author’s methods of constructing textual spaces and the role these spaces play in shaping the narrative trajectory. It also explores their affective function in influencing characters and progression of events within the text.

The study investigates the author’s vision and his engagement with the formation of artistic perspectives through the selection of spatial settings and their interrelation with other narrative structures, including characters, events and time. The findings reveal the presence of spatial formations that transcend their geographical dimensions to encompass psychological, social, and political meanings, manifested through open and closed spaces with their varied connotations and transformations.

keywords: Narrative Semiotics, Space, The Dream That Recedes.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التشكيل الفضائي في المسار السردي - المجموعة القصصية -الحلم الذي ينأى- أنموذجا للكاتب فتحي نصيب - دراسة سيميائيحقوق النشر © للمؤلف/للمؤلفين .2025 ينشر هذا البحث بموجب رخصة المشاع الإبداعي BY-NC (CC Commons Creative

الملخص :

يهدف هذا البحث لدراسة التشكيل الفضائي في المجموعة القصصية )الحلم الذي ينأى( للكاتب فتحي نصيب التي كتبت في السجون الليبية بين عامي 1982م ، 1983 م ، إذ تسعى هذه الدراسة لمقاربة هذه المجموعة مقاربة سيميائية تبحث عن طريقة الكاتب في تشكيل فضاءات النص ودورها في المسار السردي للحكاية ، وإظهار وظيفته التأثيرية على الشخصيات ومجريات الأحداث في النص، فالدراسة تبحث عن رؤية الكاتب وكيفية انشغاله بتشكيل رؤاه الفنية من خلال اختيار فضاءاته وارتباطها بالبنى السردية الأخرى من شخصيات وأحداث وزمان. حيث خلص البحث إلى وجود تشكيلات وفضاءات تجاوزت بعدها الجغرافي إلى أبعاد نفسية واجتماعية وسياسية، من خلال الفضاءات المفتوحة والمغلقة بدلالاتها وتحولاتها المختلفة.

فتحي نصيب
فتحي نصيب

الكلمات المفتاحية : السيميائيات السردية ، الفضاء ، الحلم الذي ينأى .

المقدمة :

اتخذ مصطلح المكان عند السيميائيين بُعدا مغايرا، إذ اسُتبدل بمصطلح الفضاء الذي يُعد من المصطلحات النقدية في الدراسات والبحوث الحديثة، فالفضاء في حقيقته مكون لساني )لفظي( يختلف عن الفضاءات الخاصة بالسينما والمسرح، أي الأماكن التي تدركها بحاسة البصر أو السمع، أي أنه لا يوجد إلا من خلال الكلمات المطبوعة في النص ويتسم بخصائص فنية وجمالية يخلقها الراوي وتشكل محمولا فكريا ورؤيويا له.

)بحراوي، (1990 ذلك أن الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان؛ فرؤيتهم للمكان

ووظيفته وأهميته تتعدى ذلك الموضع الذي تحدث فيه الوقائع والأحداث، حيث يتجاوز ذلك البعد الجغرافي محدد الأبعاد: الطول والعرض والارتفاع للمكان بمعناه التقليدي بتفريغ وظيفته التأثيرية على الشخصيات ومجرى الأحداث في النص، إلى مصطلح يتعدى المفهوم المادي للمكان، فالفضاء يتجاوز المكان بحيزه الضيق إلى فضاء حامل للقيم والدلائل والإيحاءات بسبب تفاعله مع الشخصيات والأحداث ،فعنصر المكان لا يحقق وظيفته الفنية إلا إذا تحّول إلى فضاء عامر بالقيم الثقافية والفكرية والإيديولوجية، والأخلاقية، وهو ما يجعل مدلوله واسعا ومعناه مرتبط بفضاءات عديدة: فضاء دلالي، فضاء نفسي، فضاء إيديولوجي، فضاء حكائي، فضاء جغرافي، فضاء نصّي، فضاء اجتماعي… وغيرها من الأنواع التي تلائم أوضاع الحياة البشرية. وفي هذا يرى الباحث يوري لوتمان أن”مشكلة بنية المكان الفني ترتبط ارتباطا وثيقا بمشكلتي الموضوع

والمنظور” )لوثمان، (1988 فالفضاء من وجهة نظر غريماس الذي يتفق فيها مع

جيرار جينيت يعتبر بنية دالة إذ أطلق عليها الدال الفضائي الذي يحيل إلى بُنى أخرى خارج النص )بُنى عميقة( من خلال العلاقة بين الدال كمظهر خارجي والمدلول كجوهر عميق، وهو يعتبر أن الفضاء بنية يمكن معاينتها داخل النص من خلال تمظهرها في اللغة الواصفة، وفي علاقاتها مع النص وسياقاته الخارجية.

استنادا إلى ذلك فالسيميائية استعملت مصطلح الفضاء لدلالاته الأوسع من مفهومه المادي الجغرافي ولارتباطه بالشخصيات والأحداث “فالسيميائية تنظر إلى الجانب الوظيفي للفضاء وبعلاقة الإنسان فيه وببقية الفواعل” )ستيتي، فنية التشكيل وصيرورة الحكاية ، .(2012 بالاعتماد على مفهوم الفضاء كمصطلح سيميائي تسعى هذه الدراسة لمقاربته باعتباره أجراء فنيا يحيل إلى تفاعل الشخصيات مع الأمكنة تأثيرا وتأثرا. حيث إن السيميائية في دراستها للفضاء تركّز على جانب التقاطبات، من خلال استعمال الثنائيات التقابلية وهو ما نلاحظه عند غريماس في تقسيمه للفضاء بين الهنا والهناك )ستيتي، (2012، فالأماكن تختلف من ناحية الأشكال والاحجام والمساحة، والارتفاع، وهو ما أكده )يوري لوتمان( على أهمية الإدراك البصري للعالم وما ينتجه من دلالات وتأويلات، فقد اهتم بمسألة التقاطبات الثنائية الضدية مثل: )الأسفل والأعلى(، )المنفتح والمنغلق( ، )الداخل والخارج(، )الأمام والخلف( وربطها بقيم الحياة السياسية والدينية ، والأخلاقية التي تتضمن بنسب متفاوتة صفات مكانية مثل: السماء/ الأرض تحيل إلى دلالة دينية، الطبقات السفلى /الطبقات العليا، تمثل قيما اجتماعية، اليسار/ اليمين لها مدلول سياسية، حيث يؤكد )يوري لوتمان( على أهمية المكان الفني في عملية التأويل والتحليل، فالاعتماد على دراسة البنية التقاطبية الظاهرية المكانية للنص باعتبارها مادة خصبة للتأويل والتحليل تساعد الباحث على معرفة كيفية اشتغال عنصر المكان دلاليا يعد الفضاء من البنى الأساسية والمكونات الهيكلية لبنية النص السردي، فهو يمتلك سمة تخيلية تضم مكونات النص وتضمن سيرورة الحكاية وفق مراحل معينة من بداية النص إلى نهايته، فالفضاء يعد أشمل وأوسع دلالة من المكان بمفهومه المادي الطبوغرافي؛ لأن مفهوم الفضاء يتعدى ذلك الموضع الذي تحدث فيه الوقائع والأحداث متجاوزا ذلك البعد الجغرافي بمعناه التقليدي بتفريغ وظيفته التأثيرية على الشخصيات ومجريات

الأحداث في النص، فهو يتجاوز ذلك البعد الضيق إلى فضاء حامل للقيم والدلالات

والإيحاءات المرتبطة بتفاعل الشخصيات والأحداث ورؤية الكاتب الفنية لتلك

الفضاءات. فالمكان كعنصر أساسي لا يحقق وظيفته الفنية إلا إذا تحول إلى فضاء عامر

بالقيم الثقافية والفكرية والإيديولوجية، والأخلاقية، وهو ما يجعله مرتبطا بفضاءات

عديدة: فضاء دلالي، فضاء نفسي، فضاء إيديولوجي ، فضاء طوبوغرافي، فضاء اجتماعي. )ستيتي، (2013 بهذا المفهوم يعد الفضاء السبب الأول الحامل للانفعالات التي يعكسها النص ويعيشها القارئ، فالتنوع في الفضاءات يعني تنوع الأحداث وبالتالي الدلالات، وهو ما يدل على الارتباط الوثيق بين الفضاء وبقية البنيات الأخرى، لهذا لا يمكن فصل الفضاء عن البنى السردية الأخرى من شخصيات وأحداث لأنه مندمج معها ومرتبط بها دلاليا وتشكيليا، اتسع المكان بمفهومه الضيق ليتعدى قيمته الهندسية إلى قيمة موضوعية وذاتية وتخيليية، و أيضا لما يخلقه من أثار فكرية ونفسية يتأثر بها المتلقي.

وظيفة الفضاء لا تقتصر على عملية الوصف ولا تنحصر في تجميل النص السردي

كالديكور للأحداث إنما تتعدى ذلك إلى رؤية الكاتب وكيفية انشغاله بتشكيل رؤاه الفنية

وتحميلها لأفكاره، ما يهم هو اكتشاف النظام الذي بنى عليه الكاتب نصه السردي وما الكيفية التي تم بها اختيار فضاءاته وهل ارتبطت تلك الفضاءات بإنتاجية النص وانشغالاته؟

مشكلة البحث وتساؤلاتها .

تتحدد مشكلة هذه الدراسة في كيفية التشكيل الفضائي في المسار السردي في قصة

)الحلم الذي ينأى( للكاتب فتحي نصيب ، وذلك من خلال طرح تساؤلات ملّحة : ــــــ كيفية رؤية الكاتب وانشغاله بتشكيل رؤاه الفنية ؟

ــــــ كيف تم اختيار الكاتب لفضاءاته؟

ـــــ هل ارتبطت الفضاءات بإنتاجية النص وانشغالاتها.

أهداف البحث :

يهدف هذا البحث إلى الكشف عن تنوع الفضاءات التي شكلت ركيزة السرد ومحورها الرئيس ، ذلك من خلال الفضاءات المفتوحة والمغلقة ، والتنقلات بين فضاءات الهنا والهناك، وفضاءات الخارج والداخل.

أهمية البحث:

ــــ أهمية الفضاء كامل للرؤى والأفكار في بناء هيكلية النص السردي.

ــــ مفهوم الفضاء يعد أوسع وأشمل من مفهوم المكان في الدراسة السيميائية ؟

ــ يعد الفضاء من الركائز المهمة في عملية الصراع بين الشخصيات والأحداث وتأثيرها على الحكاية في السرد .

إذن المجموعة القصصية تنوعت فيها الفضاءات التي شكلت ركيزة السرد ومحورها الرئيس من خلال الفضاءات المفتوحة والمغلقة ، والتنقلات بين فضاءات الهنا والهناك، وفضاءات الداخل والخارج.

الاشتغال على المجموعة القصصية الحلم الذي ينأى  ينطلق من خلال الكشف عن

قواعد اشتغال العنوان والغلاف كنص مواز عبر بنيته الصرفية والتركيبية، وبنيته

الدلالية من خلال علاقة النص بالعنوان وطبيعة هذه العلاقة، باعتبار العنوان إشارة

يتركب من مسند )الحلم(

سيميائية لها علاقات اتصال وانفصال مع النص. فالعنوان ومسند إليه )الذي ينأى(

سيميائية الغلاف والعنوان:


يعد الغلاف في النظرية السيميائية لوحة وفق ما يتضمنه النص فهو يختلف عن صفحات

المتن ، لأنه يرسخ ويوضح ورود المعنى إليها )بركات، (1998، تتضمن صفحة

الغلاف لمجموعة من العلامات اللسانية البصرية والتشكيلية ، إذ يحتوي شكل الغلاف على صورة لملامح جسد إنسان ملتفت وسط عاصفة ضبابية يبدو أنه ينظر إلى طائر يحاول التحليق والابتعاد )بركات، (1998 أما العنوان فهو مكتوب في أعلى الصفحة. تشير الصورة التشكيلية إلى مشهد )إنسان جالس بدون ملامح ملتفت ويتطلع وسط صورة ضبابية إلى طائر يحاول التحليق والابتعاد، تحمل هذه الصورة دلالة على عنوان المجموعة القصصية )الحلم الذي ينأى( وكأن المشهد المرسوم في هذه اللوحة يعطي دلالة الرحيل، فالإنسان عاجز وسط عاصفة ضبابية على فعل أي شيء سواء التطلع بحسرة على طائر يحلق بعيدا يوحي بدلالة الحلم الضائع، جسد إنسان بدون أطراف دلالة على العجز وعدم القدرة على تغيير الواقع ، أما الألوان الترابية والغامقة ما بين اللون البني والبني الغامق وبعض الخطوط السوداء فهي تكمل دلالة الضياع واليأس التي يمثلها الإنسان العاجز والطائر المغادر، مما يطرح تساؤلا حول دلالة العنوان، فالعنوان فيه دلالة على محتوى القصص التي تتمحور حول تيمة الأنا والأخر ، إعطاء مساحة للاختلاف، قبول الاختلاف ، فهل هذا يعد حلما لا يتحقق!! ليقرر الكاتب تسمية مجموعته )الحلم الذي ينأى( ويظل هاجس الحرية مرتبطا بقبولنا للاختلاف أي اختلاف والانضواء تحت مظلة الإنسانية، فلا علاقات بدون حرية تكفل مساحة للاختلاف، أما الإهداء فجاء “إلى روح والدتي التي توفيت وأنا في غربتي وهي في غربتها” أكمل هذا

الإهداء دلالات العنوان في حلم نأى بعيدا للقاء أمه التي توفيت وكلاهما يعاني غربة من نوع )ما( فقد تشير دلالة العنوان لفقدانه أمه ولحريته معا.

سيميائية الأفضية المفتوحة والمغلقة:

تشتغل المجموعة القصصية الحلم الذي ينأى من خلال تشكيل فضاءاتها على تقنية

الثنائيات الضدية للفضاءات المفتوحة والمغلقة وفضاءات الهنا والهناك وفضاءات

الداخل والخارج عبر الانتقالات بين تلك الأفضية وتحولاتها.

حركة السرد تتمحور حول الفضاءات المغلقة كالبيوت والمقاهي والحجرات المغلقة التي

لا تنحصر وظيفتها في تشكيل النص السردي كالديكور للأحداث وإنما تتسع لتشمل

نشاط الشخصيات وتفاعلها في ذلك الفضاء واكسابه الدلالات المختلفة لما فيه من طبيعة حية، ففيه الأصوات والروائح والألوان والأهواء النفسية والأبعاد الدينية والاجتماعية والأخلاقية.

يتحول الفضاء في قصة البيت من فضاء مغلق ذاتي قلق عكس قلق السارد في ترتيب البيت ” للمرة الخامسة أو ربما السادسة يعيد ترتيب المقاعد في غرفة الجلوس على

شكل نصف دائرة” )نصيب، (2020 إلى فضاء قبول الأخر والإحساس بأهمية

المشاركة الذي يعكس دلالة سياسية على أهمية العمل الجماعي ” تعثر بالبيت الذي بناه منذ قليل فتبعثرت القطع الصغيرة واختلطت” )نصيب، (2020، إذ عكس ذلك التحول من الفضاء المغلق إلى الفضاء المفتوح دلالة قبول الأخر في بناء مستقبل مشترك ” سنعيد ترتيب البيت وربما على نحو افضل مما كان عليه ” )نصيب، (2020، في إطار ثنائية الفضاء المغلق والمفتوح نستشف ثنائية الداخل والخارج ، أي الفضاء الداخلي )ذاتي( منغلق إلى فضاء خارجي منفتح على الأخر.

يبقى الفضاء الخارجي مخيفا؛ لأنه خارج عن سيطرتنا وهو ما عبرت عنه قصة

)العفريتة(حيث سيطر فضاء الخرافة بدلالاتها المرعبة والمخيفة وهو فضاء نفسي تعيش أحاسيسه الشخصيات، مبعثه التصديق الأعمى للخرافات والأساطير والخلط بين الحقيقة والخيال، إذ يتحول الفضاء الخارجي المغلق إلى فضاء داخلي منفتح من خلال

استغلال سيطرة الخرافة على العقول ” لكني تجمدت رعبا في السقيفة حين شاهدت

عفريتة تقمصت شكل ابنة عمي تمرق من باب البيت إلى غرفتها شبه عارية كانت تشبهها تماما ولكن لم تكن أقدامها تنتهي بحوافر حمار” )نصيب، .(2020دلالات فضاء الخرافة تتحول من دلالة الخوف والرعب إلى دلالة الحرية الشخصية والاطمئنان.

فضاء القطيعة كفضاء مغلق في قصة الحديقة عبر عنه الملفوظ السردي “خلع خاتم الخطوبة من بنصره الأيمن ووضعه أمامه” )نصيب، (2020 يتحول إلى فضاء مفتوح عامر بالتصالح والتسامح وقبول عيوب الأخر”صدفة وعلى أحد مقاعد حديقة عامة وفي مساء خريفي التقيا بعد أربعين عاما” )نصيب، 2020، صفحة (67 انفتح الفضاء على دلالة الحميمية والارتباط العاطفي وشكّل انفتاحا على الحب والود “تراكمت التجاعيد

نصف أسنانه وتأكل النصف المتبقي”

فقد´

على رقيبتها وظاهر كفيها، أما هو فقد

)نصيب، (2020، هذا التحول عبّر عن فضاء نفسي داخلي مفعم بالحب وتقبل الأخر ” شعرا ببرد المساء نهضا سارا معا عبر ممرات الحديقة المتعرجة كصديقين قديمين” )نصيب، (2020

يتحول الفضاء الخارجي إلى فضاء مغلق لما يحمله من دلالة الغربة والحرمان ، إذ أصبح الفضاء الخارجي فضاء داخليا وهو فضاء نفسي يتحدد بمقاييس الحالة النفسية والاجتماعية التي تخضع لمتطلبات النفس البشرية ومدى تأقلمها من عدمه، فالفضاء الخارجي بارد لا يبعث على الدفء والحميمية ” ما أن خرجت من البناية حتى لفحتني النسمات الباردة القادمة من شمال القارة الأوربية ” )نصيب، (2020 يتحول إلى فضاء حميمي يبعث على الدفء والصداقة ” عبر الردهة رأيت جارتي التي حييتها صباحا بادرتني بالتحية وسألتني بأدب جم أن كان لدي وقت كي أزورها لتناول الشاي” )نصيب، (2020، تحول الفضاء من الانطوائية والعزلة والوحدة إلى فضاء التواصل الحميم تظهر فيه الرغبة في خلق جو إنساني وكسر حواجز الغربة والعزلة لجعله فضاء يتدفق دفئا ” قبل أن تغلق باب شقتها قالت: أتعلم أنني منذ سكنت هنا من أربعة أعوام لم اسمع كلمة نهارك طيب من قاطني هذه البناية، كما إنني لا أفضل إنفاق بقية عمري مع القطط والكلاب” )نصيب، .(2020

اشتغال الفضاءات في بعض قصص مجموعة الحلم الذي ينأى تركزت في الانتقالات بين الأفضية : المغلقة والمفتوحة، الخارجية والداخلية، وبين الهنا والهناك التي أتاحت انتقالات زمنية بين الماضي والحاضر رصدته الذاكرة من خلال تقنية الاسترجاعات الزمنية بالعودة إلى الزمن الماضي قبل بدء الحكي، زمن )الماقبل.(

فضاء البيت المغلق في قصة الشيء الذي حدث يعبّر عن فضاء الاعتياد والمنطقة الآمنة يتسم هذا الفضاء الداخلي بشيء من الحميمية يجعل الذات تهرع إليه دائما ويصبح الملاذ والمأوى الذي يمدها بالقوة ويساعدها على مواجهة خطر الفضاء الخارجي، ولكن هذا الفضاء الحميمي يتحول إلى فضاء معاد فضاء القلق والتوتر، فضاء الخصام والبعاد”

إن المشكلة كلها في غاية السخف ودّ في أعماقه أن تنتهي هذه الليلة الثقيلة على أي نحو كان” )نصيب، .(2020

استخدم السارد تقنية التنقل بين الهنا والهناك عبر استحضار الذاكرة حيث عبّرت هذه

الفضاءات عن المشاعر إلى حد الإنذار الذي يعبّر عن وجود ما يجرحها فتتخذ أشكالا أخرى بين المفتوح والمغلق والأنا والأخر للبحث عن مخرج من حالة الانغلاق والانكفاء وصولا إلى التخلص من حالة الخصام والعداء عبر ثانية الهنا والهناك والانتقال من الآن ) العزلة كفضاء منغلق إلى الهناك فضاء الذكريات الجميلة ولحظات الود والحب ، الهروب إلى هناك كفضاء مفتوح أدي وظيفة الخروج من حالة القلق والحزن إلى حالة الهدوء والسكينة عبر فضاء التذكر الذي صاحبه القلق والتوجس ” تشاغلت بالعبث في سلسلة تطوق عنقها إلا أنها أبعدت يدها فجأة حين تذكرت أنه أهداها لها في أول عيد

زواج لهما” )نصيب، (2020 خلق فضاء التذكر بالعودة إلى زمن الماضي دلالة

الإحساس بالخطر القادم في ظل الانغلاق على الذات وعدم تقبل الأخر هذا الانتقال عبر استحضار الذاكرة أدى وظيفة تحذيرية من مغبة قسوة الغد التي نتائجها ستكون وخيمة “في الصباح تأخرا في الاستيقاظ وحين نهضا أخيرا التقيا وسط الردهة مسهدين كل منهما يحمل منشفته، نظرا كلاهما إلى الأخر وشعرا أن ليلتهما الماضية كانت قاسية وأن ما تصورا حدوثه في الصباح كان أقسى مما يستطيعان احتماله” )نصيب، (2020 يتحول الفضاء المفتوح إلى فضاء مغلق من خلال الانتقال من الهنا الفضاء المفتوح )البحر( إلى الهناك الفضاء المغلق )الزنزانة( عبر الذاكرة في قصة الكابوس ، ففي هذا النص يسيطر فضاء الهناك عبر استرجاع الذكريات واستحضار دلالات الخوف

والرعب والقلق” مرة أخرى يدفعه دوش الماء البارد إلى حافة الرعب” )نصيب،

(2020، الفضاء المغلق المستحضر من الماضي له سطوة قوية على الحاضر )الآن( “هل داهمه ذلك الكابوس الذي ظل يحاصره منذ سنوات والذي حاول عبثا دفنه بين

طيات الذاكرة أم أنه خاضع فعلا لعملية استعادة للوعي” )نصيب، .(2020التنقلات

المتناوبة بين الهنا والهناك عبر الذاكرة، فالذهاب إلى الماضي البعيد والرجوع إلى

الحاضر هو ما شكّل حركة السرد في هذا النص، تلك التنقلات كانت لعبة السارد التي

اتقنها بشكل جيد،  بحيث لم تفسد تسلسل الحكاية أو تخلق فجوات في السرد التي قد

تربك القارئ، لأنها أدت وظيفة دلالية من خلال محاولة التخلص من حالة نفسية خلقتها أوضاع القمع والسجن بسيطرة ذكريات مؤلمة ارتبطت بكابوس الزنزانة التي ظلت محفورة في الذاكرة لا تغادرها أبدا.

تراوحت حركة السرد بين الفضاء المفتوح )البحر( والفضاء المغلق )الزنزانة( عبر عملية التذكر فخلق هذا التنقل حالة بين البهجة والاطمئنان يمثله الفضاء المفتوح )

البحر( ” تركزت كل قواه على حاسة السمع فاستطاع وهو مغمض العينين التقاط

صيحات قريبة تلتها أمواج منتظمة فثرثرة بعيدة تتخللها موسيقى مختلفة الإيقاع”” سكنه الاطمئنان قليلا” غرق في الغبطة” )نصيب، (2020 وحالة من الألم والخوف والقسوة عبر عنها فضاء الزنزانة المغلق إذ خلقت حالة من التوجس والترقب ” أخفى بحركة مدربة الأوراق تحت الفراش ذي النتؤات والتي تجعل النوم فوقه عذابا، أمسك بآنية الطعام بحركة غريزية هب واقفا وانطلق مهرولا فور فتح الباب إلى عربة الطعام وقفل مهرولا كانه في سباق المئة متر” )نصيب، .(2020

استعادة الذكريات المؤلمة في أجواء مبهجة أدى وظيفة غير متوقعة فعادة الهروب يكون من واقع مؤلم إلى ذكريات مبهجة ولكن في هذه الحالة يبدو أن جرح الذكريات الأليمة غائر ليسيطر على بهجة الحاضر ويتحول الفضاء من فضاء البهجة إلى فضاء الألم. تنتهي حركة السرد التي اتقن الكاتب لعبتها عبر التنقلات بين الهنا والهناك من خلال

استغلال الحدث وتقليص مساحة الوصف فجاءت انتقالات سريعة بين الماضي

والحاضر وبشكل تناوبي في محاول للانتصار على الذاكرة في حركة مقاومة سجلتها الذاكرة لتعزيز بهجة الحاضر” جمع الأوراق وركنها جانبا وانطلق نحوها في مجاملة لاسترضائها سابحا في البحر مهملا نصائحه السابقة متناسيا حقيقة انه لا يجيد السباحة مطمئنا إلى وجودها قربه وأنها ستنجده إذا ما تعرض للغرق” )نصيب، (2020

بدأ السارد سير أحداث النص القصصي الحلم الذي ينأى عبر الفضاء المغلق فضاء البيت الحميمي الودود ” انهض ياوليدي قالت أمه … حاضر يا أمي قلت لها”.. )نصيب، (2020 يتحول الفضاء الحميمي إلى فضاء معاد فضاء القمع والحبس ” انهض يا ابن الكلب وين تسحاب روحك ؟ ركلني بحذائه العسكري ببطني فيما حلمي ينأى .. كنت

نائما بجوار الباب الحديدي المصمت التحف نصف بطانية وأتوسد حذائي ” )نصيب،

(2020 يتحول الفضاء الحميمي وهو فضاء البيت فضاء الألفة والحماية إلى فضاء

الألم والقيد والقمع ضمن مفارقة زمكانية وعبر تقنية الاسترجاع باستدعاء أحداث وقعت في الزمن الماضي مستخدما تقنية المشهد من خلال استقطاع فترة زمنية وضمن فضاء

دلالي يمثل صراع الذات مع الزمن وعبر الذاكرة في محاولة للتخلص من القهر

والضياع في واقعها الراهن واستحضار الماضي الحميمي تعويضا عن واقع مؤلم عبر الهنا والهناك بالانتقال من الآن العزلة كفضاء مغلق إلى الهناك الفضاء الحميمي ولكن

هذا الفضاء أيضا فضاء حزين ومؤلم “أتاني صوت أمي من جديد علّي الذهاب إلى السوق لجلب احتياجات البيت، استسلمت لدفء صوتها ولكن لم انهض لأنها ماتت وأنا مرمي في زنزانتي منذ ثلاث سنوات لم أر خلالها ضوء الشمس” )نصيب، (2020 الفضاء المغلق في هذا المشهد الذي بدأ به السارد قصته هو انتقال من فضاء مفتوح عبر استحضار الذاكرة بالانتقال من فضاء الحديقة “جلست على مقعد خشبي بمواجهة نافورة على هيئة فرس جموح تحيط به سبعة أسود حجرية تخرج من أفواهها الماء” )نصيب،

(2020 إلى فضاء الزنزانة، حيث يتحول الفضاء المفتوح فضاء الحديقة إلى فضاء

مغلق وهو فضاء الزنزانة بالانتقال من الهنا فضاء الحرية إلى الهناك فضاء القمع والقيد، المفارقة أن الانتقال الذي استحضرته الذاكرة فضاء الماضي يحدث فيه انتقال بين زمن

ماض وزمن حاضر أيضا أي بين )الهنا والهناك( اشتغال الكاتب بهذه التقنية أدى وظيفة

نفسية وشعورية فتداعي الأحداث الماضية واستحضارها يعبر عن حالة العزلة والوحدة التي تعانيها الذات الفاعلة عندما يحاصرها الوجع وعدم الآمان تتجه إلى الأشياء الأكثر حميمية المتمثلة في فقدان أمه والشوق إليها “رواغتني صور عديدة فيما صوت أمي ينأى” )نصيب، (2020 هل كان حلمه الذي ينأى هو فقدان والدته وبالتالي وطنه الذي هو أمه التي تحتضنه تحميه.

حركة السرد في هذا النص والانتقالات المركبة بين الهنا والهناك والفضاءات المفتوحة والمغلقة ضمها إطار سردي منفتح على فضاء مفتوح وهو فضاء خارجي لم تعش فيه

الشخصية بل ظلت حبيسة فضاءاتها المغلقة وهي فضاءات نفسية جلبتها الذاكرة “

انتبهت حين ارتطمت بي كرة الأطفال الذين يمرحون في المرج الأخضر أرجعتها إليهم قال أحدهم )ميرسي مسيو( )نصيب، .(2020

تنتهي حركة السرد في هذا النص من خلال الانتقالات الزمنية شكّلتها حركة الفضاءات المغلقة بين الهنا والهناك التي تحولت إلى فضاءات نفسية داخلية عبّرت عن مكنونات ذكريات مؤلمة وأخرى حميمية لتشكّل حلمه الذي ينأى وينأى معه فضاء الاحتماء والدفء مرصدا حالة اغتراب عن محيطه الذي انتزع منه.

الخلاصة :

إن التنقل بين الأمكنة كفضاءات مغلقة ومفتوحة بدأ متأرجحا بين مدّ الماضي وجزر الحاضر فبين فضاء الهنا والهناك يظهر فضاء من نوع أخر هو فضاء المقاومة، وفضاء الحرية، الانتقال بين أفضية متغايرة جاء بطريقة سلسة لا تظهر حواجز زماكنية تربك المتلقي وتفقد السرد خطيته، فقد اشتغل الكاتب على الحدّ من تقنية الوصف في النص

مما أعطى مساحة لتسارع الأحداث المتماثلة عبر الذاكرة وساعد على سرعة الانتقال

بين الهنا والهناك، هذا التدفق للأحداث  أدى وظيفة تحذيرية هي مقاومة الماضي والتحذير من مغبة الظلم والقمع .

فقد اشتغل الفضاء في خطاب المجموعة القصصية من خلال التقاطبات الثنائية الضدية عبر ربطها بقيم الحياة الإنسانية والسياسية والاجتماعية، نرصدها من خلال دور الفضاء المفتوح والفضاء المغلق بدلالاتها وتحولاتها المتعددة التي ترمز إلى العزلة والقيد والغربة وفي مقابلها فضاء الحرية والإرادة الحرة وكسر القيود.

حيث تحوّل المكان لفضاء تقبّل الاختلاف، فقد حملت هذه المجموعة تيمة )التقبل( وجسدت فكرة فضاء كسر القيود والتحرر من كل المعيقات التي تكبل النفس البشرية وإفراد مساحة لحرية الأخر وتقبل سلوكهم وأفكارهم وأرائهم ، تشتغل المجموعة على تيمة الاحترام المتبادل والتسامح الذي يتعارض مع مفهوم التسلط والقهر والعنف بشكل أشكاله الاجتماعية والسياسية والفكرية .

بيان تضارب المصالــــح:

يُقر المؤلف بعدم وجود أي تضارب مالي أو علاقات شخصية معروفة قد تؤثر على العمل المذكور في هذه الورقة.

المراجع

حسن بحراوي. .(1990) بنية الشكل الروائي )الفضاء ، الزمن ، الشخصية .( الدار البيضاء بيروت : المركز الثقافي العربي.

سعدية بن ستيتي. .(2013) فنية التشكيل الفضائي وسيرورة الحكاية في رواية واسيني الاعرج. الجزائر : جامعة سطيف.2

سليم بركات. .(1998) النسق الايديولوجي وبناء الدلالة في النص السردي رواية ذاكرة الجسد ألام مستغانمي نموذجا . الجزائر : جامعة وهران.

فتحي نصيب. .(2020) الحلم الذي ينأى . القاهرة : روافد للنشر والتوزيع. يوري لوثمان. .(1988) مشكلة المكان الفني . الدار البيضاء : عيون المقالات.

ذات صلة

تقرير صحفي: مغامرة صحفيّة مشوّقة في أحدث إصدارات وفاء عمران الروائيّة

suwaih

د. علي برهانه: مقتطفا من كتاب (سيد الحكاية….)

suwaih

قراءة في كتاب «من سقراط إلى سارتر»: رحلة الفلسفة الغربية من الميتافيزيقا إلى الوجودية

suwaih

العسف… رواية الوجع الفلسطيني

suwaih

تحليل رواية ثلاثية غرناطة لمؤلفتها المصرية رضوى عاشور

suwaih

فن السينما في العالم العربي: تطوّر، تحديات، وآفاق جديدة

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد