أفانين
رحلة نغم
الفنون

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ عريق ضارب في عمق الزمن، يمتد لآلاف السنين فقد كانت هذه الأرض مسرحًا لتعاقب حضارات كبرى، من الفينيقيين والبزنطيين والإغريق والرومان وصولًا إلى عصور لاحقة مرّت بها قوى مختلفة، لتبقى ليبيا رغم كل ذلك محافظة على روحها الخاصة وهويتها المتفردة .


ولم تكن ليبيا أرض عبور فحسب، بل كانت نقطة التقاء حضاري بين الشرق والغرب وبين الساحل الإفريقي وعمق الصحراء، نتيجة لموقعها الإستراتيجي على البحر المتوسط، هذا الموقع الذي منحها دورًا تاريخيًا مهمًا جعلها مركزًا للتبادل الثقافي والتجاري، وفضاءً غنيًا بالتنوع الإنساني والفني.
وقد شهدت هذه الأرض قيام مدن وحضارات خالدة مثل أويا ولبدة وصبراتة وشحات وجرمة وغدامس وغات والكفرة وغيرها من الحواضر التي شكّلت ملامح التاريخ الليبي، وكانت هذه المدن مصدر إلهام للرحالة والمؤرخين ومن بينهم المؤرخ الإغريقي هيرودوت الذي خلّد مقولته الشهيرة “من ليبيا يأتي الجديد”، في إشارة إلى فرادة هذه الأرض وغناها.

رحلة نغم
رحلة نغم


ليبيا .. تنوع يتكلم بكل اللهجات والأنغام


هذا الامتداد التاريخي العميق انعكس بشكل مباشر على المشهد الثقافي والفني في ليبيا، حيث نشأ تنوع غني في اللهجات والعادات والفنون والأهازيج الشعبية، فلكل منطقة طابعها الخاص ولكل مدينة إيقاعها ولكل بيئة لونها الغنائي الذي يعبر عنها.
في الجبل الأخضر نجد نغمة مختلفة عن تلك التي في الصحراء، وفي درنة وبنغازي نسمع شيئًا يختلف عن طرابلس أو فزان هذا التنوع لم يكن تشتتًا بل كان ثراءً، صنع لوحة فنية متكاملة تعكس روح الوطن الواحد بتفاصيل متعددة.


“رحلة نغم” .. حين يتحول الوطن إلى أغنية


في هذا السياق وُلدت ملحمة “رحلة نغم” في سبعينيات القرن الماضي، لتكون أحد أعظم الأعمال الغنائية في تاريخ ليبيا، من حيث الحجم والفكرة والرسالة والعمق الفني.
“رحلة نغم” كانت مشروعًا فنيًا متكاملًا، استغرق الإعداد له وقتًا وجهدًا كبيرين، ليخرج في صورة ملحمة غنائية تمتد لساعات، تأخذ المستمع في رحلة حقيقية عبر مدن ليبيا، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.
كانت الفكرة عبقرية في بساطتها تكمن في أن نغني ليبيا .. بكل ليبيا .


رحلة عبر الجغرافيا .. بالنغم


تنقلت الملحمة بين المدن الليبية، فبدأت من الجبل الأخضر مرورًا بالقبة ورأس الهلال وشحات وصولًا إلى بنغازي وطرابلس، ثم امتدت إلى سرت وفزان والجغبوب ومساعد والبردي وغيرها.
لم يكن هذا التنقل جغرافيًا فقط، بل كان فنيًا أيضًا، حيث تم توظيف الشعر الشعبي الخاص بكل منطقة، والإيقاع المحلي لكل بيئة، والألحان التي تعكس طبيعة المكان
فأصبحت “رحلة نغم” بمثابة خريطة موسيقية لليبيا تُسمع كما تُرى.

الكلمة .. دعوة لاكتشاف الوطن

رحلة نغم
رحلة نغم


كتب الشاعر الراحل فضل المبروك كلمات تحمل في طياتها بساطة عميقة، تخاطب الوجدان الليبي مباشرة ومن أبرزها “يا عارف بلاد الغير .. ومش عارف مداين بلادك
لو ينشدوك تحيّر .. عن أرض من خيرها زادك”
هذه الكلمات التي تمثل رسالة واضحة مفادها أن نعرف وطننا ونعيد اكتشافه، وأن نغني له كما يغني لنا.


محمد حسن .. قائد الرحلة وأسطورة اللحن


قاد هذه الملحمة الموسيقار الكبير أسطورة الفن الليبي محمد حسن، الذي استطاع أن يجمع هذا التنوع الهائل في قالب واحد متماسك.
بعبقريته، نجح في توحيد الألحان رغم اختلافها، وفي خلق انتقالات سلسة بين المقاطع، وكذلك في الحفاظ على هوية كل منطقة داخل العمل
فكان اللحن في “رحلة نغم” روحًا تسري في جسد الوطن.
أصوات صنعت الخلود


شارك في هذا العمل نخبة من كبار الفنانين الليبيين، الذين قدّموا أداءً صادقًا نابعًا من إحساس عميق بالانتماء، ومنهم محمد حسن ومحمد السيليني ومصطفى طالب وسالم بن زابية وأشرف محفوظ ولطفي العارف زفهيم حسين، إلى جانب الفنانتين عبير وتونس مفتاح.
وقد منح هذا التنوع في الأصوات العمل ثراءً استثنائيًا، حيث أصبح كل صوت يمثل لونًا من ألوان ليبيا، وكل أداء يضيف بعدًا جديدًا للملحمة .

التسجيل في اليونان .. ولادة عمل خالد


تم تسجيل الملحمة في اليونان على مراحل، في تجربة فنية احترافية تعكس حجم المشروع وطموحه، ولم يكن الهدف فقط إنتاج عمل غنائي، بقدر ما هو توثيق التراث الموسيقي الليبي وتقديمه في صورة تليق به.

والسؤال هنا لماذا بقيت “رحلة نغم” خالدة؟


بقيت هذه الملحمة حية في وجدان الليبيين لأنها عبّرت عنهم بصدق، ولأنها جمعتهم في عمل واحد رغم اختلافهم، ولأنها وثّقت تراثهم وهويتهم، كما أنها قُدّمت بإخلاص فني نادر
لأنها تجربة تُعاش وذاكرة تُستحضر كلما عاد اللحن.

حين يصبح الفن وطنًا


“رحلة نغم” ليست عملًا من الماضي، بل هي حضور دائم في وجدان الليبيين، تذكّرهم بأن هذا الوطن رغم كل ما مرّ به يظل غنيًا بثقافته حيًا بفنه ومتجذرًا في تاريخه .
هي ملحمة قالت كل شيء
عن الأرض والإنسان والحب، وعن الانتماء.
رحم الله من كتب ومن لحّن ومن غنّى وترك لنا هذا الإرث العظيم، الذي سيبقى ما بقي في ليبيا نغم.

ذات صلة

صور رزكار البرزنجي تروي فصولا من حياة الفنان الراحل ياس خضر

suwaih

النجمات العربيات يتألقن على السجادة الحمراء في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي

suwaih

أفضل ألبومات الراب في 2025 حتى الآن

suwaih

أحدث ظهور للفنان محمد صبحي بعد أزمته الصحية يثير اهتمام الجمهور

suwaih

“Euphoria” لكيندريك لامار: ليس ألبومًا… بل محاكمة

suwaih

مهرجان «ايام المسرح للشباب» الـ16 ينطلق على مسرح الدسمة بالكويت

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية