أيـاد خضير

كانتْ ليلةً فقدتُ فيها الجرأة ، وفقدتُ فيها ذاك العناءَ وتلك الرغبة الملحّة التي تظلُّ تضرب غشاوةً على أفكاريَ كضرب طبلٍ أجوف بيد قويةٍ صُلبة لا تلين ولا يشكمها قانون .. إنّه الشعور بالصرخة رغم التخاذل …
لا أعرفُ بالضبط ، هل أُصبتُ بالأرق ؟
أم أنَّ الليل هو الذي اُصيبْ … ؟
لقد كانت ليلةً رمادية أوحشتْ صلواتي ، تجرّعتُها على مضض ، وبدون إرادة : لنتناقش فلسفةً ! حول كوب شاي اِنتحرتْ فيه ذبابة ، ولعلّها من ذبابات سارتر ، لأنّها غريبةُ الطبع .. كانت تدور .. وتدور ، وتطنّ في الجوِّ منقضّةً على أيِّ شخصٍ يمر . حركات لا حصر لها .. لم أتمالكَ زمام نفسي ، داهمتني صورٌ غريبة كثيرة قابعة لم تغادر مخيلتي .
أبي .. لقد زرعتني في صحراءَ لا مطرَ فيها وذهبتْ… قالوا لي إنّك ستعود محمّلاً بالحنين .. راكباً خيوط الشمس ، لكنّك لم تأتِ أبداً…
وتهتُ في الصحراء وحيداً وبكيتُ على أمّي ولازلت أبكي ، لأنّني لم أذهبْ إليها عندما نادتني وأنا أتلصّصُ وراء الباب أنظر إليها قبل أن تغادرَ الحياة ، لم ألبِّ طلبها ، ربّما أرادتْ تقبيلي ، آه .. ليتني مِتُّ قبلها ، أنا جبان ! أو ربّما خائفٌ من الوداع .. لا أدري ما أصابني وأنا طفلٌ دونَ السابعة , كلّما أتذكّرها ، يصيبني أرقٌ … يبقى النعاس راكداً في مقلتي ، أحسستُ بخدرٍ مقزّز .. لا بد وإنني سأختنق .. لم أطقْ ذلك الهولَ المباغتَ فهبّت كل عضلة من جسدي المنفوش لأخوض تجربة المأساة التي لازمتني منذ الصغر ، أحالتني إلى كومة أعصاب ممزّقة أرتعش فتهتُ في سمفونيات خالية من النغم الممجّد , غلقتُ الباب ورائي بقوّة ، اصطكّتْ أسناني .. هربتُ إلى الشارع .. الملاذ الفسيح ، يدفعني تيارٌ أسود من الهواء الرطب وهو يكاد يمزّق ما يغطيني من ثياب فأنتهي بفاجعة لا أستطيع تحمُّلها ، أصابني صداع عنيف … أمسكتْ يدي اليسرى بأختها ، فألفيتُها تهتز ، ومسستُ أصابعي فوجدتها مخدّرة … تسلّط ضياء الشارع الضبابي على عيني ، فأسدلَ عليها غشاوة كثيفة ، كدتُ أقع من جرّائها على الأرض لعدم تمكّني التمسّك بالحائط المتهرّئ .. رجعتُ إلى غرفتي , ألفيتني أتمدّد باسترخاءٍ معلناً استسلامي إلى ذكرياتي التي لازالت إلى اليوم تؤرّقني وتحرق ما تبقى من شعر أسود !!

