أفانين
فواز السيحاني
أقلام

كان الطريق وعرًا، لكن «إيزابيل الليندي» كانت هناك في نهايته

فواز السيحاني

في رحلة صحفية وأدبية استثنائية تجاوزت بُعد المسافات والحدود الجغرافية، يشاركنا الكاتب فواز السيحاني قصة شغفه الطويل بلقاء الروائية العالمية الساحرة إيزابيل الليندي. حلمٌ بدأ برغبة عارمة في استنطاق حقيقة الموت، والحروب، والغياب المفاجئ

لسنوات طويلة… طويلة جدًا كنت أشعر بأنه وفي يومٍ ما سأتمكن من الحديث مع إيزابيل.. الحديث معها شخصيًا وليس عن طريق رواياتها وما كتبته… الحديث معها حول كل الأشياء التي تعبث بنا… أعني الحديث عن الموت… عن الحروب… عن الإنسان الذي تحول لحيوان مفترس… عن كيف يتركنا من نحب ونحن صغار جدًا لنعرف متأخرًا بأنهم ذهبوا راحلين دون أن يعودوا مجددًا… عن أشياء ناعمة ومزعجة كنت أشعر أننا سنتحدث… وإن كانت تعيش هذه السيدة الساحرة في قارة أخرى تبعد عني مئات مئات الأميال.

قبل أن تَحدث هذه المعجزة -أقصد معجزة أن ألتقي بها- كنت أقول لأصدقائي بأن كلماتنا ستخلق سويًا – أنا السؤال؛ هي الإجابة – سأكون حينها مشاكسًا كطفل بلغ للتو الخامسة من عمره… سينشر ذلك للملأ فهم شهود الله على هذه الأرض…. كانوا حين يستمعون لي وأنا أقول هذا الكلام يسخرون… يسخرون بكامل طاقاتهم بحثًا عن فكاهة ليلية تساعدهم على قضاء الوقت… قال لي أحدهم آنذاك:

– أنا أيضًا عرفت ماركيز قبل أن ينام إلى الأبد، لقد جلست معه في المقهى الذي يحب وشربنا سويةً القليل من الشاي والكثير من التبغ، بالمناسبة سارتر أيضًا استعان بي وهو يكتب الغثيان! ليستمر في الضحك بعد ذلك دون انقطاع.

لم أكن أبالي بكل هذا التهكم… كنت أسير حاملاً كل الأحلام وحدي

– ويا للعبء الذي شعرت به – كانت الأيام تمر… صوت الساعة الأزلي (تك تك تك) يمر بكامل ثقله على رئتي… وكنت في نفس الوقت أشعر بأني أقترب… أقترب… أقترب… وأنّ عليّ الآن… الآن تحديدًا وأكثر من أي وقتٍ مضى أن أركض… أركض … أركض بكامل قوتي… بحثًا عن الإجابات التي ستلقيها إيزابيل عليَّ لأترك الفرصة بعد ذلك للذين تبقوا على خط الانتظار بكامل براءتهم.

يوم السبت القادم -أي بعد 168 ساعة من الآن- ستكون إيزابيل هنا… هنا في “ثقافة اليوم” – يا للمفاجأة أليس كذلك!!-… ستقول لنا كيف أنها شُفيت بسبب الكتابة من رحيل ابنتها باولا… وأن الموت ليس بالضرورة أن يكون غولاً يأتي في الوقت الذي لا نتوقعه…

فمن الممكن جداً أن يكون حدائق وزهورا وأغنيات وحرية جميلة… الليندي -بعد عشرةَ آلاف وثمانين ثانية من الآن- ستحكي لنا كيف عرفت في حياتها رجالاً أحبوها بكامل صدقهم وأحبتهم هي أيضًا بكامل صدقها؛ لأنهم ربتوا على كتفها وأخرجوا كل طاقاتهم لإسعادها دون أن تكون هناك غاية معينة يطمحون لها…

وفي الوقت نفسه ستقول لنا: كيف أنها ناضلت لعقود وأزمنة من أجل المرأة… المرأة هناك في تشيلي التي لاقت تمييزاً عنصريًا وإقصاءً قاسيًا من الحياة… الليندي التي تحب إخبار القصص للعالم أجمع، رجالاً ونساءً وأطفالاً ستخبرنا أيضًا أنها لا تكتب بحثًا عن جائزة نوبل – الجائزة التي يتفق أغلب الكتّاب أنها تمنح في الأغلب لأسبابٍ سياسية وفق تعبيرها- إنها لا تكتب كي تحصل على وسام تتلقاه من حكومتها هناك أو كي يذكرها التاريخ بكامل أنانيته… إنها تكتب كي لا تنسى فقط… كي لا تذبل ذاكرتها المليئة بالتفاصيل والمشاهد والحركات والأصوات… تكتب لأن في الكتابة حياة مثيرة وتعاسة تستحق أن تُروى

ذات صلة

جمعة الفاخري: قريبًا هذه التَّراتيلُ

suwaih

محو الأمية وسؤال العزوف عن القراءة .. أمّة تلتقط الصور مع الكتب

suwaih

نظْم “الغزوات” للبدوي.. وثنائية الإبداع الأدبي والوصف الملحمي

suwaih

رضا الأعرجي: سيرة المعنى بين المنفى والكتابة

suwaih

الجريمة والعقاب

suwaih

السيرة الشعبية والتاريخ الشعبي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية