أفانين
الناقد الثقافي د. إياس الصائغ
النقد

قراءة ثقافية في كتاب “الفنتازيا الإسلامية” في ضوء خماسية الغذامي

الناقد الثقافي د. إياس الصائغ

المقدمة

انتقل النقد الأدبي من الانشغال الأولي ببنية النص الإبداعي ومظاهره الجمالية إلى مجال أوسع يختبر آليات إنتاج الخطاب النقدي ذاته، وهو ما يُعرف بميتانقد الخطاب (Meta-criticism)، ولم يعد النقد في هذا الأفق التأويلي مجرد أداة محايدة لكشف القوانين الجمالية، بل أضحى بدوره وثيقة ثقافية وأيديولوجية تختزن الأنساق المضمرة وموازين القوة وتوازنات المؤسسة الراعية للفكر، ومن هنا، يبرز النقد الثقافي بوصفه فاعلية تفكيكية ومقاربة حفرية تسعى إلى تعرية المؤسسات والأنساق الثقافية القابعة خلف الأطر التنظيرية والمصطلحية التي يصوغها الناقد.

تتأسس هذه الدراسة على إخضاع كتاب “الفنتازيا الإسلامية: ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” للناقد فراس حج محمد للمساءلة الميتانقدية، ويطرح هذا الكتاب أطروحة نقدية تسعى إلى مأسسة مفهوم “الفنتازيا الإسلامية” بوصفه جهازاً معرفياً أصيلاً ينبع من المرجعيات العقائدية والفلسفية للإسلام، مراهناً على صهر مدونات سردية متباينة تاريخياً ونوعياً (تتمثل في كتب التوهم، والمنامات، وشجرة الكون، وآيات الرحمن في جهاد الأفغان، ورواية البلاد العجيبة المعاصرة، إضافة إلى حكايات الموت والسرديات المستقبلية ليوم القيامة) في بوتقة مصطلح موحد.

تتمثل مشكلة البحث في فحص كيفية ممارسة كتاب “الفنتازيا الإسلامية” إنتاج نسق ثقافي دفاعي وتوفيقي، وتتبع طرق تداخل رغبة التأصيل الأكاديمي للناقد مع ضغوط الوعي الجمعي والمؤسسة الثقافية لتجويز “الخيال الفنتازي” عبر تغليفه بالديني والتراثي منحاً له للحصانة، وينبع هذا الطرح من حقيقة أن النقد العربي المعاصر، عند تعامله مع المفاهيم الحداثية الوافدة (كالفنتازيا والواقعية السحرية)، يقع تحت وطأة اضطراب نسقي بين مقتضيات الحرية التخيلية والتسليم للمرجعية العقدية الصارمة.

تتبلور أسئلة الدراسة الميتانقدية فيما يأتي:

  1. ما الأنظمة والأنساق الثقافية المضمرة التي وجهت حركة قلم الناقد أثناء صياغته لمفهوم “الفنتازيا الإسلامية؟
  2. كيف ينشطر قلم الناقد بين الذات النقدية الواعية (الأكاديمية) والوعي النسقي الجمعي (الحارسي) فيما يُعرف بظاهرة “المؤلف المزدوج”؟
  3. ما طبيعة “المجاز الكلي” والجمل الثقافية النقدية التي يتأسس عليها الكتاب لمنح المفهوم مشروعيته ولتجنب شطحات التكفير والتهميش؟
  4. كيف يسهم الكتاب في تشكيل ذائقة “المستهلك الثقافي” وتأطير أفق تلقيه للبنية العجائبية؟

تكمن أهمية الدراسة في الكشف عن الحصانة الثقافية والآليات التعويضية التي يلجأ إليها الخطاب النقدي العربي للتعامل مع المفاهيم الغربية الوافدة عبر محاولة دمجها بالمرجعية المقدسية، وإبراز النجاعة المفهومية لخماسية عبد الله الغذامي في قراءة الخطاب التنظيري والنقدي وعدم اقتصارها على النصوص الأدبية الشاعرية أو الروائية.

تأسيس الميتا-نقد الثقافي وتبيئة خماسية الغذامي

لتفكيك بنيات الخطاب النقدي في كتاب “الفنتازيا الإسلامية”، تستند هذه الدراسة إلى حفرية أركيولوجية تستلهم أطروحات ميشيل فوكو حول تشكل الخطاب وعلاقات السلطة والمعرفة، ومتكاملة مع الجهاز المفاهيمي للنقد الثقافي كما بلوره عبد الله الغذامي في مشروعه للتحليل النسقي، فقد طور الغذامي أدوات إجرائية هدفت أساساً إلى تعرية العيوب النسقية في الثقافة والسلوك عبر النصوص الأدبية؛ بيد أن تطبيق هذه الأدوات على النص التنظيري النقدي يتطلب تبيئة إجرائية تنقل المفاهيم من نقد النص الإبداعي إلى “نقد النقد”.

ينطلق الحفر الميتانقدي من تفكيك حركة الخطاب التنظيري في الكتاب بوصفه بنية موازية تعيد إنتاج الهيمنة الثقافية، فالخطاب النقدي ليس معزولاً عن مؤسسات التلقي، بل هو ساحة صراع تتداخل فيها سلطة المؤسسة الدينية والمؤسسة الأكاديمية والمخيال الجمعي، ومن هذا المنطلق، يتم تنزيل المفاهيم الخمسة للغذامي على المتن التنظيري للنص النقدي للوقوف على كيفية تحول المفهوم الأدبي إلى قناع أيديولوجي.

تتضح معالم هذه التبيئة المفهومية من خلال المقارنة بين وظيفة المفهوم في التحليل الأدبي التقليدي ووظيفته المعدلة في الميتانقد الثقافي للخطاب التنظيري:

المفهوم الغذاميالوظيفة النقدية التقليدية (على النص الإبداعي)الوظيفة الميتانقدية المعدلة (على الخطاب التنظيري)
النسق المضمركشف العيوب الثقافية والأفكار الخفية المؤثرة في سلوك الشخصية أو الشاعر.تعرية “المركّب الحضاري” والدافع الدفاعي التوفيقي الذي يوجه قرارات الناقد التنظيرية.
الجملة الثقافيةرصد التراكيب البلاغية والمعيارية التي تكرر الفاعلية النسقية في الشعر.تحليل العبارات التنظيرية الصارمة التي يصوغها الناقد لشرعنة المفهوم وفرض الوصاية الجمالية.
المؤلف المزدوجتتبع الانشطار في شخصية المبدع بين الذات المبتكرة والذات المحاكية للنسق.رصد التنازع داخل قلم الناقد بين الأكاديمي التفكيكي والحارس العقدي المؤسسي.
المجاز الكليالمفهوم البلاغي الشامل الذي ينظم رؤية الشاعر للوجود والعالم.الشعار المصطلحي المزدوج (“الفنتازيا الإسلامية”) الذي يستوعب التناقض ويمتص التوتر.
المستهلك الثقافيدراسة المتلقي الذي يعيد إنتاج النسق الجمالي التقليدي دون وعي.تحليل كيفية إعادة تدريب أفق تلقي القارئ لعدم قبول الخيال إلا إذا كان مؤصلاً وموجهاً.

تظهر فاعلية هذا الجهاز المفاهيمي في قدرته على النفاذ إلى المناطق المعتمة في كتاب “الفنتازيا الإسلامية”؛ حيث يتحول النص النقدي ذاته إلى وثيقة أنثروبولوجية تفصح عن أزمة العقل النقدي العربي عند مواجهته للحداثة الغربية وأشكالها الأدبية الوافدة، وفيما يأتي بيان وتفصيل لمحاور التحليل والتطبيق على خماسية الغذامي.

  1. “الفنتازيا الإسلامية” كمجاز كلي وقناع أيديولوجي

تستدعي دراسة الشعار المصطلحي “الفنتازيا الإسلامية” تفكيك المكونات اللسانية والأيديولوجية التي تؤسس لهذه التركيبة المفهومية، إذ يتكون المصطلح من دالين ينتميان إلى حقلين معرفيين متمايزين بل ومتعارضين تاريخياً؛ فالمركب الأول “الفنتازيا” (Fantasy) يحيل في مرجعيته النقدية الغربية (كما حددها تزفيتان تودوروف وتي إي أبتر) إلى مجال الخرق لقوانين الطبيعة، والتذبذب بين المعقول واللامعقول، والتهويمات الذهنية اللاواعية التي تتوسل بالشك، والتردد، والتمرد على المألوف، في حين يحيل المركب الثاني “الإسلامية” إلى المرجعية المقدسة، واليقين العقائدي المطلق، والثبات المفهومي المستند إلى الوحي.

إن الممارسة النقدية في الكتاب تُشغل هذا الجمع الهجين بوصفه مجازاً كلياً (Total Metaphor) صُمم لامتصاص التوتر التاريخي والفقهي بين حرية التخيل وبين التحريم التقليدي للخصب الخيالي الذي يتجاوز الحدود الحسية، ويصر الناقد على إسناد الفنتازيا إلى مرجعية إسلامية ليحولها من “افتراء مذموم” أو “شطح عقائدي” إلى “متخيل مشروع ومأجور”، ويتبدى هذا التحول عندما يعرّف الناقد الفنتازيا الإسلامية بأنها التصور البشري المحض لما لا يقع عليه الحس من العالم الآخروي، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذا السرد لا يقدم خيالاً سريالياً منفلتاً من كل عقال، بل هو خيال عجائبي موجه ومشروط ومبني في أساسه على نصوص مرجعية مقدسة.

تتنزل الوظيفية الأيديولوجية للمجاز الكلي عبر حركتين متكاملتين داخل الخطاب التنظيري:

تتمثل الحركة الأولى في تفكيك الشعار المصطلحي لامتصاص الشك؛ حيث يدرك الناقد أن دال “الفنتازيا” محمل بحمولة علمانية وتفتيتية في النقديات الغربية القائمة على التحليل النفسي الفرويدي أو التردد البنيوي لدى تودوروف، ولذلك، فإن إضافة دال “الإسلامية” لا تعمل كصفة تقييدية فحسب، بل كمرساة أيديولوجية تعيد إرساء المفهوم في أرض اليقين العقدي، فيصبح الخيال وفق هذا الجمع مجازاً كلياً يضمن للمبدع والناقد تحريك الطاقات التخيلية دون الخروج من حومة الجماعة.

وتتمثل الحركة الثانية في تحويل المصطلح من أداة إجرائية للتحليل إلى “قناع ثقافي” يوفر السلامة الفكرية والاجتماعية، فالناقد يعلن بصراحة أن غاية هذا التأطير هي حماية المبدع من الوقوع في شرك سوء التفسير والتكفير. إن هذه العبارة تكشف النقاب عن البنية المضمرة للمجاز الكلي؛ إذ لا ينبع المصطلح من ضرورة سردية محضة، بل من حاجة مؤسسية ووقائية لحماية النص وصاحبه من سلطة الرقابة الاجتماعية والدينية.

يتعزز هذا المعنى بوصف الناقد للخطاب السردي الغيبي بأنه يملك سنداً حقيقياً نابعاً من الوعد الإلهي؛ فالمجاز الكلي يستعير أداة التوثيق الحديثية (السند) ليسبغها على الفنتازيا، مما يلغي خرق المعقولية الغربية ويستبدل بها عقلانية إيمانية تجعل الغريب مقترباً من الحقيقة المؤجلة، ومن ثَمّ، يعمل المجاز الكلي كاستراتيجية تعويضية تمنح المفهوم الوافد مشروعية التوطين داخل القلعة التراثية.

  • النسق المضمر والجملة الثقافية في المتن التنظيري

يتحرك الخطاب النقدي في كتاب “الفنتازيا الإسلامية” تحت توجيه نسق ثقافي مضمر يتأرجح بين النزعة الدفاعية والنزعة التوفيقية، ويُصيب هذا النسق قلم الناقد بما يمكن تسميته بالمركّب الحضاري أو عقدة الموازاة؛ حيث يسعى الناقد حثيثاً عبر فصول الكتاب إلى إثبات أسبقية المتن السردي العربي والإسلامي للنظريات والغربيات الحديثة.

تظهر هذه الآلية النسقية الدفاعية في المحاجات النقدية التي يعقدها الناقد بين النصوص التراثية والمنجزات الغربية؛ فهو يصر على أن كتاب “العظمة” وكتاب “التوهم” للمحاسبي قد سبقا أوروبا ولاتينيتها إلى ابتكار تقنيات الواقعية السحرية بقرون، كما يجهد الناقد نفسه في ربط نص ابن عربي “شجرة الكون” برحلة دانتي في “الكوميديا الإلهية”، وربط التقنيات المخطوطية لسرود البرزخ بروايات أمبيرتو إيكو (“اسم الوردة”) ودان براون (“شيفرة دافنشي”) ويوسف زيدان (“عزازيل”)، ولا ينبع هذا الحشد المقارن فقط من رغبة في الكشف الجمالي، بل يستجيب لدافع نسقي مضمر يحاول افتكاك الاعتراف الحداثي عبر الاستحواذ على مقولات الآخر وإثبات أن التراث يتضمنها بالضرورة.

وتتأكد فاعلية النسق المضمر في إستراتيجية الجمع والإدراج للمدونات السردية المتباينة، حيث يضم الكتاب تحت مظلة “الفنتازيا الإسلامية” نصوصاً تنتمي إلى ألياف جنسية ومعرفية شديدة التباين؛ من نص وعظي سيكولوجي قديم (“التوهم” للمحاسبي)، إلى مدونة حلمية وآثار برزخية (“المنامات” لابن أبي الدنيا)، إلى خبر صوفي حروفاني (“شجرة الكون” لابن عربي)، إلى كتاب أدبي موجه لليافعين يدمج التكنولوجيا بيوتوبيا فضاءات كوكب آخر (“البلاد العجيبة” لجميل السلحوت)، وصولاً إلى كتاب خطابي سياسي وعسكري يعنى بكرامات المعارك الميدانية (“آيات الرحمن في جهاد الأفغان” لعبد الله عزام)، بل وإقحام نص حديثي مكذوب لا أصل له.

يقود التحليل الثقافي لهذه التوليفة إلى كشف المنطق النسقي المضمر: إن الرغبة في مأسسة المصطلح الأيديولوجي “الفنتازيا الإسلامية” جعلت الناقد يتغاضى عن الفوارق الأجناسية والبنائية الهائلة بين هذه السرود، مفضلاً الشمولية الأيديولوجية على التحديد الجنسي الصارم، فالرابط الوحيد الذي يجمع بين كرامات الميدان الأفغاني وشطحات ابن عربي ونوفيلا المحاسبي ليس بنية سردية موحدة، بل هو الحضور المباشر للمرجعية الدينية والغاية الاستبدالية للغيب.

تتخلق في ثنايا هذا التنظير حزمة من “الجمل الثقافية النقدية” التي تؤدي دور الحارس النسقي للمفاهيم، وتتضح طبيعة هذه الجمل ووظائفها عبر المقارنة بين معلنها الجمالي ومضمرها الثقافي:

الجملة الثقافية النقديةالمعلن الجمالي والإجرائي (سطح الخطاب)المضمر النسقي والثقافي (عمق الخطاب)
“خيال مشروط وموجه بالمرجعية”.تحديد طبيعة المتخيل الإسلامي وتنظيمه.نزع صفة الحرية عن التخيل، وإخضاعه لسلطة المؤسسة العقائدية.
“له سند سردي حقيقي”ربط العالم العجائبي بالنص القرآني والحديث.نفي تهمة الكذب والافتراء والتخريف عن النص الفنتازي لشرعنته فقهياً.
“ضبط الشطح والحد من الجموح”.تهذيب القالب السردي وصيانة البناء.تمارس الذات الرقابية حراستها لمنع الفكر من الانزلاق إلى البدعة والتكفير.
“تسامي المعجم الحسي وتجنب الجماع المباشر”.تنزيه السرد عن المادية الفجة والارتقاء بالجمال.قمع الجسد واللذة، والاستجابة للثقافة المحافظة التي تتحرج من إبراز الجسداني.
“عوضاً عن المفتريات المجانية”.تأكيد الغاية التربوية والسلوكية للسرد.تحقير الفنتازيا الغربية العبثية، واشتراط النفعية الأخلاقية للأدب.

يمارس الخطاب من خلال هذه الجمل النقدية إستراتيجية استبعاد وإدراج ثقافية؛ فهو يدرج النص العجائبي ويمنحه الشرعية طالما أنه ملتزم بالتأطير المرجعي “العجائبي المحمود”، في حين يستبعد الفنتازيا العبثية والشاكة التي لا تنتهي بإحداث اليقين وتطهير الذات، هنا يتبدى النقد بوصفه خضوعاً لمعايير الاستبعاد الثقافي لصون المقدس لا للجماليات السردية المحضة.

  • “المؤلف المزدوج” والانشطار الذاتي لدى الناقد

تتجلى ظاهرة “المؤلف المزدوج” (Dual Author) في كتاب “الفنتازيا الإسلامية” بوصفها انشطاراً بنيوياً في قلم الناقد بين الذات النقدية الواعية والذات النسقية المضمرة، ويظهر هذا الانشطار حاداً في المواضع التي يتردد فيها الناقد بين إعمال أدوات التحليل البنيوي والسردي الحديثة، وبين الانسحاب التلقائي لممارسة الرقابة الذاتية والتبرير الأخلاقي لحماية المنظومة العقائدية.

تتحرك الذات النقدية الواعية (الأكاديمي التفكيكي) باقتدار في التحليل النصي والسردي؛ حيث يحلل الناقد بنية الراوي والمروي له في كتاب “التوهم” للمحاسبي، ويكشف عن آلية هيمنة “ضمير المخاطب المفرد” (أنت) وتكرار فعل الأمر (توهم) كاستراتيجية لهدم المسافة الجمالية وتوليد التماهي السيكولوجي، كما ينفذ إلى تقنية الاستباق الذهني المؤجل والقفزات الزمنية المديدة في أدب البرزخ، ويحلل تفكيك الحروف الكونية عند ابن عربي في “شجرة الكون” والروابط المكانية في رواية جميل السلحوت، ويمارس الناقد في هذه المساحات فاعلية أكاديمية تستعين بالمفاهيم الغربية والبنيوية لتفكيك المعمار القصصي.

غير أن الذات النسقية المضمرة المتمثلة في الحارس العقدي تنسحب وتتراجع بمجرد اقتراب السرد من البؤر الحساسة التي قد تمس الثوابت العقائدية أو الأخلاقية؛ لكي تحل محلها الذات الحارسية النسقية، ويبرز هذا الصراع النسقي في ثلاث محطات نقدية داخل الكتاب:

تتمثل المحطة الأولى في التعاطي مع الجسد واللذة الجنسية في الجنة؛ فعند تحليل الوصف الفنتازي للحور العين وعالم النعيم الحسي في كتاب “التوهم” للمحاسبي ورواية “البلاد العجيبة” للسلحوت، يقع الناقد في حرج نسقي واضح، فالشغف البنيوي يقتضي رصد الجموح الخيالي في تصوير الجسد الأنثوي، غير أن الذات الحارسية تتدخل فوراً لتؤكد أن المحاسبي والسلحوت تجنبا عمداً وصف اللذة الحسية المباشرة ونشوة الجماع، واكتفيا بالمقدمات كالضم والتقبيل والوصف الخارجي، ويجعل الناقد هذا الاحتماء الأخلاقي فضيلة نقدية تميز الفنتازيا الإسلامية، متناقضاً مع ما أورده هو نفسه في القراءة التحليلية لكتاب “العظمة” نقلاً عن كمال أبو ديب، والتي تفصل في الممارسات الجنسية للمؤمن مع الحورية لمقدار أربعين سنة دون فتور، فيضطر الناقد هنا إلى التبرير الأخلاقي وتأويل النصوص لصون السرد من الشبهة المادية والشهوانية الفجة، حفاظاً على الصورة الذهنية للزهد والتسامي الروحي.

وتتجسد المحطة الثانية في شرعنة الحديث المكذوب والكرامات الحربية؛ إذ يتعاطى الناقد مع القصة المنسوبة لصحابي على فراش الموت (“ليته كان جديداً…”) بالاعتراف الأكاديمي بأنها حديث مكذوب لا أصل له في كتب السنة الشريفة، بيد أن الذات النسقية المضمرة سارعت فوراً لإعادة إدراج النص وشرعنته تحت مقولة إن كونها سرداً إسلامياً يعطيها شرعية أن تدخل في باب الفنتازيا الإسلامية، لأن لا شيء فيها يعارض صحيح الدين، وهنا تتنازل الذات الأكاديمية عن معيار الصحة الإسنادية والمنطق العلمي لصالح النسق العقدي الذي يستسيغ الموعظة العجائبية طالما أنها تسند قيم الصدقة والإحسان، ويتكرر الأمر ذاته عند معالجة كتاب عبد الله عزام “آيات الرحمن في جهاد الأفغان”؛ حيث يتحول الناقد من التفكيك السردي إلى تبني الخرافة الميدانية وتسويغ خرق الفيزياء؛ كالرصاص الذي يتساقط بارداً، والدبابات التي تمشي فوق الأجساد فلا تضرها، والطيور التي تحجب الطائرات السوفيتية، ويبرر الناقد هذه العجائبية بأنها فنتازيا عملياتية ومادية تحقق النصر من الدنيا ولأجل الدنيا، متسقاً مع الخطاب التعبوي الأيديولوجي ومضحياً بالمسافة النقدية المحايدة.

أما المحطة الثالثة فتظهر في الدفاع الاحترازي ضد التكفير؛ حيث تصل ذروة الانشطار النسقي إلى السطح في مقدمة الكتاب ذاته، حين ينفجر القلم النقدي بعبارات دفاعية عنيفة تعكس خوفاً مضمراً من المحاكمة الاجتماعية؛ إذ يقول الناقد أنه يعلم أن كثيرين قد يتجهون إلى هذا المعين فتختلف اختياراتهم، مشيراً إلى أن لهم دينهم وله دينه، وأن هذه وجهة نظره التي يدافع عنها بشراسة، إن استدعاء الآية القرآنية {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} في سياق سجال نقدي أدبي، هو قمة التوتر الدرامي للذات المزدوجة؛ فالناقد يعامل أطروحته النقدية كعقيدة وضياء يخشي عليهما من السيف التكفيري، مما يبرهن على أن الناقد يكتب وعينه على السلطة الدينية والمؤسسة النقدية التراثية في آن واحد.

  • “إنتاج المستهلك الثقافي” وتأطير أفق التلقي

لا يقف كتاب “الفنتازيا الإسلامية” عند حدود التنظير المفهومي والتطبيق النصي، بل يتجاوزه ليؤدي وظيفة نسقية أعمق تتمثل في إعادة تشكيل ذائقة القارئ وتأطير أفق تلقيه للبنية العجائبية، وهو ما يصطلح عليه الغذامي بـإنتاج المستهلك الثقافي.

تتحقق هذه العملية عبر استراتيجية “التدريب المفهومي” للمتلقي على قبول الفنتازيا بشرط تحصينها بالدين؛ فالكتاب يعيد توجيه الذائقة العربية العامة والنخبوية لرفض النموذج الغربي للفنتازيا (أورويل، كافكا، بورخيس، تودوروف) باعتباره نموذجاً قائماً على الشك، والتهويمات النفسية اللاواعية، والتمرد السريالي، والهروب العبثي من الواقع، وفي مقابل ذلك، يدرّب الكتاب المتلقي على استهلاك الفنتازيا البديلة المحكومة باليقين العقائدي والغاية الأخلاقية الخلاصية.

يتم هذا التأطير عبر تنويع التلقي بين عدة مستويات سردية وتنظيرية داخل المدونات المدروسة:

في مستوى الاستهلاك المباشر عبر التماهي السيكولوجي، يُمارس التأطير في تحليل كتاب “التوهم” للمحاسبي؛ حيث يضع الخطاب النقدي القارئ داخل معامل القراءة التفاعلية؛ إذ يتم تدريب المستهلك الثقافي على أن يكون هو البطل والفاعل والضحية عبر فعل الأمر “توهم” وضمير “أنت”، ولا يُسمح للمستهلك بأن يقرأ النص بمسافة جمالية أو بتلذذ فني مجرد، بل يتوجب عليه أن يعيش تجربة الاحتضار والحساب والنعيم كعملية استباقية لتعديل سلوكه الأرضي، ليتحول القارئ هنا من مستهلك جمالي إلى مستهلك يتطهر أخلاقياً.

وفي مستوى مأسسة المنامات والكرامات كوثائق حقيقية، يتعلم المتلقي عبر التحليل لكتاب “المنامات” لابن أبي الدنيا قبول الرؤى والأحلام واللقاءات البرزخية ليس بوصفها شطحات خيالية، بل كونها “قنوات معرفية موثوقة” تمتلك إسناداً ينتهي بهذه الصيغة: “حدثنا وفلان عن فلان”، يُدرب الخطاب القارئ على التعامل مع الفنتازيا الحلمية بصفتها حقيقة برزخية تؤثر وتتأثر بسلوك الأحياء في اليقظة كدفع الديون وعرض الأعمال.

وفي مستوى تقبل العجائبية في الواقع السياسي والجهادي، يتجه الخطاب في الفصل الخاص بكتاب “آيات الرحمن” إلى توجيه ذائقة القارئ لاستهلاك الكرامات الحربية والتسليم الخارق بها دون إعمال للمنطق الفيزيائي أو التفكير العسكري العقلاني، ويتم تدريب المتلقي على الاستجابة العاطفية للشهادات الإسنادية الشفاهية، بحيث يصبح الشك في انضباط الطيور أو عدم انفجار الألغام نوعاً من الخلل الإيماني وضعف اليقين، مما يجعل الفنتازيا سلاحاً للتحشيد والأيديولوجيا الميدانية.

وفي مستوى اشتراط اليوتوبيا الأخلاقية في الأدب المعاصر، يتم عبر تحليل رواية “البلاد العجيبة” لجميل السلحوت، تأطير القارئ اليافع والنخبوي لعدم تقبل السرد الماورائي إلا إذا كان موجهاً لخدمة قضايا الأمة كالقدس والصمود، ومقروناً بالتسامي الأخلاقي والعلم المادي، فالقارئ هنا يتعلم أن النعيم الفضائي والذهب الماورائي لا يستحقانه إلا الذوات التي امتلكت رصيداً من الصبر والتنسك الأرضي.

ينتهي الخطاب النقدي للكتاب إلى إعادة إنتاج النسق الثقافي التقليدي نفسه؛ فهو يرسخ لدى المتلقي قناعة حاسمة مفادها أن الخيال البشري عاجز ومشبوه وقاصر ما لم يستند إلى المرجعية الدينية العليا، وبذلك، يتحول كتاب “الفنتازيا الإسلامية” إلى أداة مؤسسية تعيد إحكام السيطرة على حركة التخيل، وتمنع ولادة أدب فنتازي عربي مستقل يمتلك جرأة الشك والمساءلة والتحرر من الأطر الأخلاقية المسبقة.

المنهج المتبع: المقاربة الأركيولوجية النسقية

تأسس هذا البحث على إعمال المنهج النقدي الثقافي الحفري (الأركيولوجي) الذي يستعين بأدوات التفكيك، والتحليل النصي، والتشريح النسقي للخطاب، ولم يتعامل البحث مع كتاب “الفنتازيا الإسلامية” بوصفه مجرد قراءة نقدية تصنيفية للنصوص التراثية والمعاصرة، بل تعامل معه بوصفه وثيقة ثقافية وأيديولوجية تشهد على تحولات العقل النقدي العربي وأزماته عند اصطدامه بالمعطيات الحداثية.

اعتمدت المقاربة الأركيولوجية على تتبع الطبقات المفهومية التي بنى عليها الناقد حججه النقدية، وذلك عبر ثلاث خطوات منهجية متكاملة:

تتمثل الخطوة الأولى في الحفر المصطلحي والتفكيك المفهومي؛ حيث جرى تشريح العناوين الرئيسية، والشعارات المفاهيمية، والمصطلحات الإجرائية “الفنتازيا الإسلامية”، “السند السردي”، “الخيال المشروط” للوصول إلى الجذور الأيديولوجية التي أنتجتها، وبيان كيفية اشتغالها كأقنعة ومجازات كليّة.

وتتمثل الخطوة الثانية في التحليل النسقي للخطاب؛ حيث اعتُمد على أداة الرصد التفكيكي لتتبع المسكوت عنه، والانزياحات اللغوية، والجمل الثقافية النقدية المعيارية، وكشف التناقضات الناشئة عن صراع الذات الأكاديمية الواعية مع الذات النسقية الحارسية داخل المتن التنظيري.

وتتمثل الخطوة الثالثة في التركيب الثقافي والميتانقدي؛ حيث جرى ربط الممارسات النقدية داخل الكتاب بالمؤسسة الثقافية الكبرى وسياقات التلقي الجمعي، لإثبات كفاءة خماسية عبد الله الغذامي في قراءة الخطاب التنظيري، وتوضيح كيف يسهم الخطاب النقدي ذاته في صيانة الأنساق المحافظة وإعادة إنتاجها تحت دعاوي التأصيل والابتكار.

الخاتمة والنتائج المتوقعة

ينتهي هذا البحث الميتانقدي الحفري إلى كشف البنية الثقافية والمفهومية التي وجهت كتاب “الفنتازيا الإسلامية: ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” للناقد فراس حج محمد، فقد أثبت التحليل أن هذا المشروع النقدي – برغم جهده التجمعي الاستثنائي وقيمته الأدبية في قراءة مدونات سردية تراثية ومعاصرة همشها النقد التقليدي – يظل مكبلاً ومحكوماً بأنساق ثقافية دفاعية وتوفيقية تعكس أزمة العقل النقدي العربي المعاصر في تعاطيه مع الوافد المفهومي الحداثي.

ويمكن إجمال الاستخلاصات الميتانقدية المترتبة على تطبيق خماسية عبد الله الغذامي على هذا النص التنظيري في النقاط الآتية:

نجح مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” في أداء دور المجاز الكلي الذي يمتص التوتر بين التحريم الفقهي والحرية التخيلية، محولاً المفاهيم النقدية من أدوات تحليلية إجرائية إلى أقنعة ثقافية توفر درعاً للسلامة الفكرية والأخلاقية للمبدع والناقد، وتمنع المفهوم من ممارسة طاقته التفكيكية الشاكة.

كشف الحفر النسقي عن هيمنة نزعة تعويضية محكومة بعقدة الأسبقية؛ حيث سعى الخطاب النقدي حثيثاً لربط نصوص التراث (المحاسبي، ابن عربي، ابن أبي الدنيا) بالمنجزات الروائية والغربية الحديثة (الواقعية السحرية، إيكو، دان براون، تودوروف)، ما أدى إلى قسر جنسي جمع بين مدونات متباينة ووظف سروداً غير ثابتة تاريخياً لخدمة التماسك الأيديولوجي للمفهوم.

أظهر التحليل التمزق الحاد في قلم الناقد بين الذات النقدية الأكاديمية الراغبة في التفكيك النصي واستثمار المفاهيم السردية المعاصرة، وبين الذات النسقية الحارسية التي تتدخل فوراً لتأطير اللذة، وقمع الجسد، وتبرير الخوارق الحربية، وممارسة حراسة القيم العقائدية، وهو ما انقاد بالناقد إلى الوقوع في حرج التبرير الأخلاقي والدفاع الشرس في مقدمة كتابه.

كشفت الدراسة عن أن التنظير للنص السردي الغيبي لم يكن حيادياً، بل استهدف إعادة تدريب المتلقي العربي وتأطير ذائقته ليرفض الفنتازيا الحرة الشاكة، ولا يستهلك من المتخيل العجائبي إلا ما كان مشروطاً وموجهاً ومحمياً بالسند المرجعي والموعظة التطهيرية.

أثبت هذا النموذج التطبيقي أن الجهاز المفهومي للنقد الثقافي لدى الغذامي (النسق المضمر، الجملة الثقافية، المؤلف المزدوج، المجاز الكلي، المستهلك الثقافي) يمتلك كفاءة إجرائية عالية لا تقتصر على تفكيك الشعر والرواية، بل تمتد باقتدار لإخضاع النص التنظيري والنقدي ذاته لما يمكن تسميته “نقد النقد الثقافي”، مما يفتح أفقاً جديداً للمكتبة العربية لمساءلة الخطابات النقدية وتعرية بنياتها المؤسسية والأيديولوجية الحاكمة، وشرعيته تنطلق أساسا من كون أيّ نص سواء أكان إبداعيا أم نقديا هو وليد عقل وثقافة، وليس جهدا فرديا محضاً.

ذات صلة

«الهَبَل» لعبدالرحمن موكلي حين تتحول الجغرافيا إلى أسطورة

suwaih

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

suwaih

“الحلم الذي ينأى” قصص ليبية تبحث عن الدفء في رماد العبث

suwaih

قراءة فى رواية (مصنع السكر) للكاتب المبدع محمد شعير

suwaih

مع كتاب بلاغة الصنعة الشعرية. . استقصاء في كينونة القصيدة وتحولات النقد المعاصر

suwaih

“أرى أن الروائيين يباشرون مهام عديدة نافعة لرفقائهم المواطنين، غير أن واحدة من أكثر تلك المهام قيمةً هي: تمكيننا من رؤية أنفسنا كما يرانا الآخرون”.

suwaih

اترك تعليقًا

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

"نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان منحك أفضل تجربة تصفح على موقع أفانين، ولمساعدتنا في تحليل حركة المرور وفقاً للائحة GDPR. باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامها." قبول اقرأ المزيد