أفانين
«مسامير» العجيلي العبيدي
الفنون

«مسامير» العجيلي العبيدي .. حين يتحوّل الكاريكاتير إلى ذاكرة نقدية وجراحة بصرية للواقع الليبي

طرابلس | السبت 24 يناير 2026

ليس من السهل اختزال تجربة العجيلي العبيدي في معرض أو كتاب، فالرجل الذي رافق التحولات الليبية والعربية بريشته منذ عقود، لا يرسم كاريكاتيرًا بقدر ما يكتب يوميات وطن بلغة الخط المختزل والسخرية الذكية. ومع افتتاح معرضه الجديد «مسامير» في دار الفنون بطريق السكة، مساء السبت، بدا واضحًا أن الحدث يتجاوز فكرة العرض التشكيلي، ليغدو لحظة ثقافية جامعة، أعادت للكاريكاتير مكانته كفن نقدي، وكمساحة تفكير لا تقل عمقًا عن المقال أو النص الفلسفي.

افتتاح لا يشبه المناسبات العابرة

منذ الساعات الأولى للافتتاح، اكتظت قاعة دار الفنون بحضور متنوّع جمع عشّاق الفن، والإعلاميين، والصحفيين، والأكاديميين، إلى جانب أصدقاء الفنان ورفاق دربه. حضور لم يكن بروتوكوليًا، بل عفويًا يعكس علاقة خاصة بين العبيدي وجمهوره؛ علاقة تأسست على الثقة، وعلى شعور مشترك بأن هذا الفنان «يقول ما نفكر فيه»، دون خطابة، ودون ادعاء.

«مسامير» العجيلي العبيدي
«مسامير» العجيلي العبيدي

القاعة لم تكن مجرد مساحة عرض، بل تحوّلت إلى فضاء حوار مفتوح، حيث توقّف الزوّار طويلًا أمام الأعمال، يتبادلون التعليقات، ويعيدون قراءة الواقع من زوايا مختلفة، في مشهد نادر يعكس قدرة الكاريكاتير على خلق نقاش ثقافي حي خارج الأطر التقليدية.

الكاريكاتير بوصفه معرفة

يقدّم معرض «مسامير» نحو ستين لوحة كاريكاتيرية، أنجزها العبيدي بين عامي 2024 و2025، جاءت كثيفة المعنى، مقتصدة في الخط، لكنها مشحونة بدلالات سياسية واجتماعية وإنسانية. في أعماله، لا يلجأ العبيدي إلى المباشرة أو الشرح، بل يراهن على ذكاء المتلقي، ويترك له مساحة التأويل، في معادلة دقيقة بين البساطة البصرية وعمق الفكرة.

هنا، تتحوّل السخرية إلى أداة تفكير، لا إلى نكتة عابرة. سخرية سوداء، أحيانًا مرّة، لكنها ضرورية، تضع المتلقي أمام نفسه، وأمام واقع اعتاد التعايش مع مفارقاته. كل لوحة تشبه مسمارًا صغيرًا يُدق في جدار الصمت، لا ليهدمه دفعة واحدة، بل ليُضعفه تدريجيًا، ويفتح فيه شقوقًا للرؤية.

«مسامير»… عنوان يختصر الفلسفة

اختيار عنوان «مسامير» لم يكن اعتباطيًا. فالمسمار، في دلالته الرمزية، أداة تثبيت، لكنه أيضًا أداة إيلام. وهذا بالضبط ما يفعله العبيدي في أعماله: يثبّت الذاكرة، ويدقّ الأسئلة في وعي المتلقي. مسامير تُثبت اللحظة التاريخية، وتحولها من حدث عابر إلى صورة لا تُنسى.

العنوان يحيل كذلك إلى تجربة الفنان السابقة، وإلى مشروعه المستمر في مساءلة الواقع، بعيدًا عن الزخرفة أو الاستعراض التقني، لصالح الفكرة بوصفها جوهر العمل الفني.

الكتاب: حين يصبح الكاريكاتير وثيقة زمن

«مسامير» العجيلي العبيدي
«مسامير» العجيلي العبيدي

يتزامن المعرض مع صدور كتاب «مسامير»، الذي يضم أكثر من 300 لوحة كاريكاتيرية، ليشكّل توثيقًا بصريًا مكثفًا لعامين من العمل المتواصل. الكتاب لا يُقدَّم بوصفه أرشيفًا فنيًا فقط، بل بوصفه سجلًا بصريًا لتحولات الواقع الليبي، كما رآها فنان عاش التفاصيل اليومية، وقرأها بوعي نقدي وإنساني.

جاء الكتاب بإخراج فني للأستاذ مصطفى الأطيوش، ومقدمة كتبها الأديب منصور أبوشناف، بينما تولّى الفنان محمد الخروبي تصميم خطوط الغلاف، وأنجز الفنان رياض زبيدة البورتريه الشخصي، واختار الشاعر عبد الحكيم كشاد عنوان الكتاب، في عمل جماعي يعكس تكامل الخبرات، ويؤكد أن المشروع يتجاوز الفرد إلى فعل ثقافي مشترك.

وخلال حفل التوقيع، تحوّل الكتاب إلى مساحة لقاء مباشر بين الفنان وجمهوره، حيث بدا واضحًا أن الكاريكاتير ما زال قادرًا على الحياة خارج صفحات الصحف، وأنه حين يُقدَّم بإخراج محترم، يحافظ على سحره وقيمته.

آسيل… حين تكون الرعاية فعلًا ثقافيًا

لا يمكن الحديث عن نجاح «مسامير» دون التوقف عند الدور البارز الذي لعبته شركة آسيل للطباعة والإعلان، التي تولّت رعاية وتنظيم المعرض، وطباعة الكتاب والمواد الإعلامية المصاحبة. حضور آسيل لم يكن تقنيًا فقط، بل حمل وعيًا بدور الثقافة في الفضاء العام، وقدّمت نموذجًا مهنيًا في الشراكة بين القطاع الخاص والمشهد الفني.

جودة الطباعة، التنظيم الدقيق، والاهتمام بالتفاصيل، كانت محل إشادة من الحضور، وأكدت أن دعم الفنون لا يكتمل إلا حين يُدار بعقلية احترافية تحترم الفنان والجمهور معًا.

العجيلي العبيدي… مسيرة تتجاوز الرسم

يُعدّ العجيلي العبيدي، المولود عام 1970، أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في ليبيا، واسمًا حاضرًا في الصحافة الليبية والعربية منذ الثمانينات. استطاع خلال مسيرته أن يحوّل الكاريكاتير من تعليق ساخر إلى خطاب بصري، يشتبك مع الواقع دون أن يقع في فخ الشعارات.

أعماله لا تُراهن على الصدمة بقدر ما تُراهن على التراكم، وعلى بناء وعي بصري نقدي لدى المتلقي، وهو ما جعل تجربته متماسكة، وقادرة على الاستمرار في زمن الاستهلاك السريع.

خاتمة: الفن بوصفه ضرورة

معرض «مسامير» ليس احتفالًا بفنان بقدر ما هو احتفال بفكرة الفن نفسه، بوصفه فعل وعي، وموقفًا أخلاقيًا، وأداة مساءلة. في زمن يضيق فيه الهامش النقدي، يأتي هذا المعرض ليؤكد أن الكاريكاتير لا يزال قادرًا على أن يكون شاهدًا، وفاعلًا، وذاكرة.

يستمر المعرض في دار الفنون حتى 27 يناير 2026، موجّهًا دعوة مفتوحة لكل من يريد أن يرى الواقع بعيون فنان لم يتخلَّ عن سؤاله، ولم يساوم على ريشته، مؤمنًا بأن «المسامير» التي يدقّها الفن في جدار الصمت، هي وحدها ما يُبقي الذاكرة حيّة.

ذات صلة

الموسيقار المصري عمرو سليم يعود  إلى التلحين

suwaih

تشييد أكبر جدارية فسيفساء بالعالم في مدينة هون الليبية

suwaih

منة شلبي تتعرض لموقف محرج خلال تكريمها في “الجونة السينمائي” ويسرا تتدارك الموقف

suwaih

ضمن فعاليات “حلب ست الكل” : حفل غنائي يزاوج بين التراث والحداثة

suwaih

أوّل تعليق من هاني شاكر بعد خضوعه لعمليّة جراحيّة

suwaih

تألق في “آر آند بي” وأعاد إحياء “سول”.. وفاة المغني الأميركي دي أنجلو عن 51 عاما

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية