أفانين
بين الحلم و الواقع
الأدب

متاهات الانسان بين الحلم والواقع

مظاهر ومستويات الاغتراب في المجتمع العربي

فتحي نصيب

فتحي نصيب
فتحي نصيب

ما هي طبيعة العلاقات السائدة بين الإنسان العربي والمؤسسات والأنظمة السياسية والأوضاع الاجتماعية السائدة؟ كيف تتعمق الفجوة بين الحلم والواقع لدى الإنسان العربي؟ وما هي سبل التغيير التي يمكن من خلالها تجاوز حالة الاغتراب الذاتي والاجتماعي بحيث يتمكن الإنسان من أن يحقق تطلعاته إلى نفسه والمجتمع والإنسانية؟.

تشكل هذه الأسئلة محور كتاب “الاغتراب في الثقافة العربية” وعنوانه الفرعي أكثر دلالة “متاهات الإنسان بين الحلم والواقع” حيث يسعى “حليم بركات” إلى تشريح الإنسان العربي ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.

فالكتاب يطمح إلى تحليل واقع المجتمع العربي السائد من حيث هو واقع مُغرِّب “بكسر الراء”، يحيل الشعب إلى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر، وهذا –كما يرى الكاتب- من أهم مصادر الإخفاقات العربية والتي تحد من القدرة على التغيير ألتجاوزي للأوضاع السائدة.

إن الشعب -بمفردات المؤلف- عاجز في علاقاته بالدولة والأحزاب والمؤسسات العائلية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إنها تسيطر على حياته ولا يسيطر هو عليها، ويعمل في خدمتها ولحسابها أكثر مما تعمل في خدمته ولمصلحته، حتى يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى التكيف مع واقعه بدلاً من الانشغال بقضايا الإصلاح والعمل الثوري على تغييره

معاني الاغتراب ونظرياته

قبل أن يحلل الكاتب مظاهر ومستويات وتجليات الاغتراب في المجتمع العربي، أفراداً وجماعات، يفرد فصلاً نظرياً يتناول مفهوم “الاغتراب” ونشأته وتطوره وتنوعه باختلاف المفكرين والحقب التاريخية، وللإنباء الهدف فإنه يضع عدة تساؤلات كالآتي:

– ما هي معاني الاغتراب ومراحل تطوره وعناصره والنظريات التي يرتكز عليها؟

– إلى إي حد تبرز هذه الخصائص في المجتمع العربي وثقافته، وهل تختلف من بلد لآخر؟

– ما هي مصادر الاغتراب وإلى أي حد ترتبط بالبنى والقيم الاجتماعية السائدة؟

– ما هي نتائج الاغتراب على صعيد السلوك الفعلي؟

– ما أهمية وعي الإنسان لاغترابه وبدائل التعامل معه؟.

هل يتخذ سبل الهرب من مهمة مواجهته، أم الخضوع للأمر الواقع، التمرد والثورة بغية تغيير الواقع؟

– ما هي مظاهر الاغتراب السياسي والعائلي والديني؟

ويشير المؤلف إلى مفهوم الاغتراب في الحضارة الغربية، في الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، ومن حيث التعريف الإجرائي تدل الأبحاث إلى تحديد خمسة عناصر تعرف هذا المفهوم وهي: العجز/ فقدان المعايير/ غياب المعاني/ اللاإنتماء/ والاغتراب الذاتي أو الشخصي، في حين يشير بحث آخر إلى معايير أخرى هي: التركيز على الذات (الأنانية) –عدم الثقة- التشاؤم- القلق والاستياء.. ورغم جدية وأهمية هذه الأبحاث التجريبية فإنه يلاحظ عدم وجود قواسم مشتركة أو متقاطعة مما يشير الي انتفاء وجود تعريف محدد للاغتراب وذلك كغيره من المصطلحات المنتشرة في العلوم الإنسانية.

وقد أشار “توماس هوبز وجون لوك” إلى هذا المصطلح وظهوره وذلك لأن الإنسان تخلى عن “حقه الطبيعي” بالعيش الحرّ من أجل انتقال السيادة منه إلى المجتمع السياسي أو الدولة.

مصادر الاغتراب وتنويعاته في الحياة العربية

إن أهم مصادر الاغتراب أو العجز في الحياة العربية تتمثل في: التفتت الاجتماعي والتجزئة القومية، بداية من الأسرة وحتى العلاقات بين الأقطار العربية، وكذلك ظاهرة التبعية التي تتجلى في فقدان الوطن العربي سيطرته على موارده ومصيره، وسيطرة قيم الاستهلاك ،وترسيخ ظاهرة البنية الهرمية، وانتشار الفقر وازدياد التفاوت الاقتصادي بين شرائح المجتمع.

 والعنصر الثالث –كما يراه المؤلف- يكمن في سلطوية الأنظمة على المجتمع، وينعته بالاغتراب السياسي.

حيث تزيد هيمنة الحاكم على المجتمع وتهميش الجماهير الشعبية ولا تشارك في وضع قراراتها المصيرية.

نتائج الاغتراب السلوكية

يرى الكاتب أنه إزاء عجز الإنسان في علاقاته بالمجتمع والدولة فإنه أمامه ثلاث خيارات سلوكية بديلة للتعامل مع هذه المعضلة وتتمثل هذه الخيارات في الآتي:

– الانسحاب أو اللا مواجهة ويتخذ أشكالاً عدة منها: الهجرة وبخاصة “هجرة الأدمغة” إلى الدول الأجنبية أو العزلة والتقوقع في الداخل أو الانخراط في داخل طائفة معينة أو اللجوء إلى التوهم والأحلام والتعلق بالعودة إلى الماضي.

وقد عبر الأدب وخاصة في مجال الرواية عن ظاهرة الاغتراب بكل مستوياتها، ومنها روايات المنفى مثل “طائر ألحوم” لحليم بركات و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح والاغتراب الداخلي كرواية “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ و”السفينة” لجبرا إبراهيم جبرا.

ويصنف الكاتب الرواية العربية إلى: رواية الخضوع للواقع المعاش بكل تعاسته وتندرج روايات “زقاق المدق ” و”بين القصرين” تحتها، أما روايات المجابهة والتمرد الفردي فتتمثل في “صراخ في ليل طويل” لجبرا و”أنا أحيا” لليلى بعلبكي و”الزيني بركات” لجمال ألغيطاني، و”الصبار” لسحر خليفة.

ويصنف الكاتب روايات التغيير الثوري بكونها ترفض الثقافة السائدة وهاجسها الأساسي هو الخلاص المجتمعي وليس الخلاص الفردي ،وتجمع بين الذاتية والموضوعية ولا تقتصر ثوريتها على النظام السياسي بل تنطلق في جوهرها من ثورة اجتماعية.

ويرى بأن هذا النوع يتمثل في أعمال يوسف إدريس وعبدا لرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وغسان كنفاني وحنا مينة والطاهر وطار وغيرهم.

التحول الثوري في تجاوز الاغتراب

إن التحول من حالة الاغتراب في المجتمع العربي ومستوياته المتعددة الفردي منها والجماعي، الكلي والجزئي، وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والنفسية والثقافية والاقتصادية تتطلب حركة ثورية شاملة تبدأ –كما يحدد المؤلف- بالوعي الشعبي بأهمية التغيير وأن تنال المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية الاستقلالية الضرورية للتعبير عن نفسها، وتجديد القيم التي ينشأ عليها العربي منذ طفولته، وترسيخ قيم الإرادة الحرة وحق الاختيار، وتحمل الفرد لمسؤولياته، وإحداث ثورة في التعليم الجامعي بإحداث موازنة خلاقة بين التعليم والبحث وخدمة المجتمع وبين العلوم الطبيعية والاجتماعية والفنون، والاستفادة من الثورة المعلوماتية وتنشيط دور المرأة في الحياة العامة وإطلاق حرية الفكر النقدي ومناقشة مشكلة عزلة المثقف عن الشعب، ويرى الكاتب أن تحقيق الأفكار السابقة رهين بإرادة الشعب وليس الدولة أو الحاكم، فالتغيير الثوري بهذا المفهوم يمكن من تجاوز التخلف والتجزئة القومية والاغتراب والتبعية وسلطوية الأنظمة السياسية وتهميش دور الفرد وعزله.

يسعى “حليم بركات” في كتابه هذا إلى تحليل مظاهر الاغتراب ومستوياته في المجتمع العربي، وأن يرسم ملامح تغيير ظاهرة الاغتراب من خلال جملة من الاقتراحات والتوصيات، وهو بهذا يتجاوز كتابات الكثير من المحللين السياسيين والاجتماعيين الذين يقفون عند حد “وصف” الواقع فقط.

 وقد أصاب الكاتب في “تشريح” الواقع الذي يعيشه العرب من خلال تحليل ورصد مستويات ومظاهر الاغتراب السياسي والاجتماعي والديني والثقافي، وقد لا نتفق مع بعض آراء المؤلف وخاصة تصنيفه الأدبي لأنماط الروايات العربية بين روايات الخضوع أو الهروب من الواقع وتلك التي تدعو للثورة والتغيير الفردي والجماعي، حيث يتحكم التذوق الجمالي والوعي النقدي بهذا التصنيف، وكذلك الأمر حين يتقدم باقتراحات أو توصيات –حسب تعبيره- للحد من ظاهرة الاغتراب، فكثير منها يمكن أن يدرج في خانة “الحلم”، فتشابكات الواقع الاجتماعي العربي أكثر تعقيداً وإحكاماً مما يبدو عليه، إضافة إلى تناسي الكاتب لدور “الخارج” المتمثل في القوى الدولية والإقليمية التي تقتضي مصالحها بقاء الوضع الراهن وتنفق في سبيل ذلك الجهد والوقت والمال بل والتخطيط البعيد المدى مع استخدام القوة أو التهديد باستخدامها إذا ظهرت بوادر الثورة على الاغتراب بمستوياته العديدة.

وإذا كان العنوان الفرعي لهذا الكتاب هو (متاهات الإنسان بين الحلم والواقع) فإنه يصدق على طموحات ورغبة المؤلف الذي يرى أن الإنسان العربي ما يزال يراوح بين (واقع) يدفعه إلى الاغتراب و(حلم) يعيشه ليس في منامه فحسب بل وفي يقظته أيضاً.

هذا الكتاب الذي نشر منذ ربع قرن إلا أن أسئلته وفرضياته ما تزال قائمة حتى اللحظة الراهنة وربما ستكون مدار نقاش في المستقبل القريب، طالما ظلت الأسباب والظروف المجتمعية الداخلية والخارجية قارة ولم يطرأ عليها أي تغيرات جذرية.

– حليم بركات “الاغتراب في الثقافة العربية – متاهات الإنسان بين الحلم والواقع”. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية – 2006.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                          فتحي نصيب

ذات صلة

أحمد محسن يترجم رواية “ما لا إسم له” من الأدب الكولومبي

suwaih

أشهر كتب الفقه القديمة المخطوطة وأثرها في الفقه الإسلامي

suwaih

 أجمل الروايات في عيون روائيين عرب عام 2025

suwaih

أفضل 18 كتاباً لعام 2025

suwaih

الشعر‭ ‬الألفيني‭ ‬في‭ ‬ليبيا.. هل‭ ‬كُتبت‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬عندنا ؟‭!‬

suwaih

مهرجان الشعر العماني يختتم دورته الثالثة عشرة مؤكدا نضج التجربة واتساع أفقها الثقافي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية