مدينة نمساوية حولت الموسيقى إلى هوية خاصة ومعمارها إلى مرايا.
عبدالكريم البليخ / صحافي سوري

صحافي سوري
هناك مدن تتجاوز معمارها إلى أن تصبح أفكارا ومشاعر تسحر كل من يمر بها، وسالزبورغ المدينة النمساوية الفريدة من تلك المدن، إنها تعرف كيف ترتب تاريخها وتصنع مبدعيها وفنها وتاريخها، لتكون مرآة مفتوحة.
منذ الطفولة، كان اسم “سالزبورغ” يمرّ في مسامعي كنسمة عابرة، يُردّده الكبار وهم يتحدثون عن فريقها الرياضي الشهير، فيترسّخ في مخيلتي كعلامة غامضة لا تتجاوز حدود الملعب. لم يكن الاسم يعني لي أكثر من صوت عابر، مثل حجر صغير أُلقي في بركة الذاكرة ثم اختفى في عمقها.
غير أن الأسماء، مثل البذور، لا تموت؛ إنها تبقى مختبئة تنتظر مواسمها، وحين يجيء الوقت تنبت فجأة في الروح، فتنكشف حقيقتها. وهكذا، بعد سنوات طويلة، وجدت نفسي أخطو في طرقات تلك المدينة، ألمس حجارتها الباردة، أستنشق نسيمها الرقيق، وأدرك أنَّ سالزبورغ لم تكن مجرد جغرافيا بعيدة، بل حياة كاملة مكتوبة بالحجر والماء والموسيقى.
منذ اللحظة الأولى، تباغتك سالزبورغ بجمال لا يُشبه سواه. جبال الألب تحتضنها كأمّ رؤوم، والهواء يدخل صدرك كغناء خفيّ، والمدينة بأفقها المتأرجح بين التاريخ والحداثة تبدو ككائن يرفض أن ينغلق في زمن واحد. فهي، وإن كانت الرابعة من حيث الأهمية في النمسا، تحتفظ ببهاء المدن الكبرى مع خفّة المدن الصغيرة. لم تسمح للتطور العمراني بأن يبتلع أصالتها، ولم تترك للتاريخ أن يتكلّس في قوالب الماضي. إنّها مدينة تعيش على التوازن: بين القديم والجديد، بين صلابة الحجر ورهافة اللحن، بين ثِقَل القرون وخفة الخطى.
إيقاع النهر الخفي
في سالزبورغ يبدو الحجر كائنا حيّا، يحمل ذاكرة لا تفنى. مبانيها القوطية والباروكية ليست أحجارا صامتة، بل شهادات متجددة على عصور مرّت وما زالت تضيء الحاضر. هنا، العمارة ليست شكلاً جماليا فحسب، بل خطاب بصري عن الزمن، عن قدرة الإنسان على تحويل الجماد إلى ذاكرة تُعاش. ومن يطلّ على قصورها الباروكية التي تعانق شوارعها الحديثة، يدرك أن الزمن نفسه يمدّ يده ليصالح الماضي بالحاضر، ليُبقي الحلم متوهجا في عيون العابرين.
والمدينة القديمة، التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي، ليست شوارع ضيّقة أو بيوتا متلاصقة فحسب؛ إنها لوحة مكتملة العناصر. هناك، لا تسير وحسب، بل تستمع إلى صمت الحجارة وهي تروي تاريخا مكتوما، وتلمس كيف يتحوّل العمران إلى وجدان جمعيّ يعلّم الناس احترام الزمن، والإيمان بأن الجمال ليس في الجديد الذي يزيح القديم، بل في القديم الذي يتجدّد دون أن يفقد روحه.
ولسحر سالزبورغ فصوله الأربعة. في الربيع، يغسل المطر أرصفتها ويمنحها إشراقا جديدا، فتبدو المدينة كطفلة خرجت للتو من رحم الطبيعة. في الصيف، يَهبُّ النسيم معتدلاً، كأنه بُعث ليخفّف ثِقَل الحياة عن صدور أهلها وزوّارها. وفي الخريف، تسيل الألوان الذهبية على الأشجار والسهول، فتحيل المكان إلى مرسم مفتوح لا يعرف نهاية للوحة. أما في الشتاء، فتغدو سالزبورغ عروسا بيضاء تتزيّن بالثلوج، وتصبح جبال الألب مرايا تعكس نقاء السماء، فيستيقظ في النفس شعور دفين بالسلام، كأن المرء قد عاد إلى براءته الأولى.
لكن جمال سالزبورغ ليس محصورا في طبيعتها ومعمارها؛ إنّه يمتد إلى وجدانها الجمعيّ، إلى الطريقة التي تحوّل بها الحياة اليومية إلى فنّ. فالموسيقى هنا ليست مجرد ترفٍ أو زينة، بل لغة عيشٍ مشتركة. هي مدينة وُلد فيها موزارت، ولا تزال ألحانه تُعزف فيها كما لو لم يرحل. يكاد المرء وهو يسير في شوارعها يسمع إيقاعات خفية تنسجم مع وقع خطواته، وكأن المدينة بأكملها تتحرّك على لحن جماعي.
هذه الروح الموسيقية جعلت من سالزبورغ “المدينة الموسيقية” بحق، تستقطب المهرجانات والاحتفالات، وتحوّل أيام الصيف إلى مسرح واسع تُعزف فيه السمفونيات وتُعرض فيه الأوبرات، فيمتزج فيها الجمهور من كل أنحاء العالم. ليست الموسيقى في هذه المدينة فنّا نخبويا، بل لغة حياة تذكّر الإنسان بأن الجمال ضرورة بقدر ما هو متعة.
جمال سالزبورغ ليس محصورا في طبيعتها ومعمارها، إنّه يمتد إلى وجدانها الجمعيّ، وطريقتها في تحويل الحياة إلى فنّ
وهناك، بين النهر والجسور، يطلّ “جسر العشّاق” كرمز يتجاوز الحجر إلى الذاكرة الإنسانية. الأقفال الصغيرة المعلّقة على شبّاكه ليست حديدا، بل قلوب معلّقة بالرجاء، شاهدة على وعود لا يريد أصحابها أن يبتلعها النسيان. الجسر ليس معبرا بين ضفتين وحسب، بل مرآة لقلوب الناس، إعلان جماعيّ عن أن المشاعر يمكن أن تُحفر في الفضاء العام بلا خوف أو خجل.
سالزبورغ ليست مدينة تُزار فحسب، بل تُعاش كتجربة كاملة. كل تفاصيلها تتواطأ لتخلق في النفس شعورا عميقا بالانسجام: الطبيعة التي تمنحك صفاء، العمارة التي تذكّرك بقدرة الإنسان على الخلود عبر الجمال، والموسيقى التي تفتح أبواب الروح على فضاءات أرحب. إنّها مرآة لحلم أوروبي متجدد، لكنها في الوقت نفسه تذكّر أبناء الشرق، حين يقارنون، بما تحمله أوطانهم من سحر آخر، دفين، لكنه مغيَّب تحت وطأة الحروب والضغوط.
ولذلك، فإن زيارة سالزبورغ ليست مجرد رحلة عابرة؛ إنها استراحة وجدانية، تعيد ترتيب الفوضى في الداخل، وتمنح الروح فرصة لتتأمل كيف يمكن للإنسان أن يعيش أكثر تناغما مع نفسه ومع محيطه. ومن يغادرها لا يخرج منها كما دخلها؛ إذ تبقى محفورة فيه مثل لحن موزارتي لا ينطفئ، أغنية مفتوحة على الزمن، تُذكّره دوما بأن الحياة أجمل حين تُعاش على إيقاع الجمال.
هذه الطبيعة ليست زينةً إضافيةً تُعلَّق على واجهة المكان، بل روحٌ متجذّرة في هويته، تنبض في تفاصيله الصغيرة كما في ملامحه الكبرى. حتى نهرُ سالزاخ، الذي يشقّ المدينة بصفائه وانسيابه، يظلّ شاهدا على حكاياتها، كأنّه يعزف لحنا أبديا لا ينقطع؛ ماءٌ يمضي ولا يتعب، يحمل ظلال الجسور ووجوه العابرين، ويعيد صياغة صمتهم على هيئة موسيقى.
في قلب هذا المشهد، يبرز “جسر العشّاق” بوصفه أكثر من معبرٍ معدنيّ يربط ضفّتين. هنا تُعلَّق الأقفال الصغيرة كتعاويذ ضدّ النسيان، إعلانا رقيقا بأنّ الحبّ يستحق أن يُحفَر في الفضاء العام. تتدلّى الأقفال كأمنياتٍ مصوغةٍ من معدن، لا تريد أن تستسلم للوقت، بينما يجري تحتها النهر حاملاً قصص الضحك والبكاء، الخيبات والوعود المؤجّلة، كأنه يدوّن يوميّات القلب دون كلام. هناك يتعلّم العابر أنّ المشاعر إذا لم تتجسّد تبهت، وأن المدينة التي تمنح العاطفة مكانا على جسرها، إنما تعلّم سكّانها معنى أن تكون الروح جزءا من العمران.
وفي مدننا الشرقية، غالبا ما يبقى الحبّ معلّقا في فضاء الغيب؛ خجولاً، حذِراً من العيون والتأويلات. نحرسه بالسرّ ونطويه على وجعٍ حلو، كأن إعلانه خيانةٌ لذاته. أمّا هنا، فيصير فعلُ الإعلان جزءا من المشهد اليومي، فتبدو المدينة كأنّها تُشجّع أهلها وزوّارها على المصالحة مع عواطفهم، على الاعتراف بما يهزّهم من الداخل. ليس في ذلك استعراضٌ أو ابتذال، بل تربيةٌ على الصدق: أن نسمّي ما نشعر به، وأن نترك له أثرا ماديا ينجو من نسياننا العابر.
في يومي الأول بين أزقتها، خُيِّل إليّ أنّني أسير في مرآةٍ لحلمٍ أوروبيّ متجدّد. ليست سالزبورغ وجهةً سياحيةً أنيقة فحسب، بل فلسفةٌ حضاريةٌ كاملة تؤمن بأنّ الحياة لا تُعاش بالخبز وحده، وأنّ الجمال ليس ترفا يضاف حين تسمح الظروف، بل شرطٌ من شروط صحة الروح. كل زاويةٍ فيها تذكّرك بأن الزمن لا يشيخ إذا حُسن التعامل معه، وأنّ المدن يمكن أن تحتفظ بطفولتها حتى وهي تمشي على عتبات التاريخ؛ طفولةٌ لا تنكر خبرتها، وخبرةٌ لا تقتل اندهاشها.
إيقاع السلام الداخلي
هنا تبدأ المقارناتُ تتسلّل إلى الوعي بلا استئذان. نحن أبناءَ الضاد نحمل في أرواحنا سحرا آخر لا يقلّ بريقا: رائحةُ الأرض بعد المطر، دفءُ الذكريات، حنينٌ لا ينطفئ إلى بيتٍ أول وحكايةٍ أولى. لكنّنا نُنهك تحت أثقالٍ لا ترى: قلاقلُ السياسة، قسوةُ المناخ، تشققاتُ اليوميات. شبابُنا المكدودون يحملون أحلامهم على أكتافٍ متعبة، يبحثون عن شمسٍ أكثر رحمة تشرق من أفقٍ بعيد. لعلّ هذا ما يجعل السفر إلى مدنٍ مثل سالزبورغ أشبه بمرآةٍ نرى فيها ذواتنا كما ينبغي أن تكون: متصالحة مع جمالها، مؤمنة بأنّ للوقت حقّا علينا وأنّ للروح نصيبا من المعنى.
تقع سالزبورغ في شمالِ وسط النمسا، على سفوح جبال الألب، قريباً من الحدود البافارية الألمانية. موقعٌ لم يُكتب على هامش الجغرافيا، بل في صلبها؛ جعلها عبر العصور نقطةَ تلاقٍ بين ثقافاتٍ واقتصاداتٍ وأديان، بين حروبٍ وسلام. مدينةٌ لا تنتمي إلى نفسها وحدها، بل إلى تقاطع طرقٍ حضاريٍّ ممتد، لذلك تراها تُجيد الإصغاء لما يأتيها من الجهات الأربع، وتنسج منه ثوبا يخصّها دون أن ينكر خيوط الآخرين.
المدينة القديمة، التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي، ليست مجرد معمار، إنها لوحة مكتملة العناصر
وهي لوحةٌ تتبدّل ألوانُها على مهل: خضراءُ في الصيف حين تسترخي الحقول والحدائق، ذهبيةٌ في الخريف حين تسيل الشمس على أوراق الشجر، بيضاءُ في الشتاء حين تتردّى الثلوجُ عباءةَ النقاء، وزرقاءُ مائيةٌ في الربيع حين يستيقظ الماءُ والنسيمُ معا. بهذا التنوع يظلّ المشهد مفتوحا على الدهشة، وتظلّ النفس قادرةً على أن تجد في الفصل المتبدّل معنًى يُهون صرامةَ اليوم.
لكن سالزبورغ ليست حجرا ولا طبيعةً فحسب؛ إنّها قبل كل شيء مدينةٌ موسيقية. هنا وُلد فولفغانغ أماديوس موزارت، وهنا ما زالت موسيقاه تُعزف كأنها لم تُكتب في قرنٍ مضى. لا عجب إذن أن تُلقّب بـ”المدينة الموسيقية”: مهرجاناتٌ سنوية تستقطب عشّاق الفن من أصقاع الأرض، وأذنٌ جماعيةٌ تتّسع للأوبرا كما تتّسع لأغنيةٍ تُدندنها طفلةٌ على ضفة النهر. الموسيقى هنا ليست زينةً ولا رفاهية؛ إنّها لغةُ عيشٍ يومية، تكاد تشعر بأنّها تسري مع النهر، مع وقع الأقدام، مع حفيف الأشجار. وفي مدنٍ كهذه، تتحوّل الموسيقى إلى هويةٍ جامعة لا تحتاج إلى ترجمة، لأنّها تُخاطب ما فينا من إنسان مباشرٍ قبل أي انتماء.
وتنتصب قلعةُ “هوهن سالزبورغ” منذ عام 1077 فوق المدينة كحارسٍ لا ينام؛ واحدةٌ من أكبر قلاع العصور الوسطى في أوروبا. بُنيت لتحميها من أخطار الإمبراطورية الرومانية المقدّسة، ثم تحوّلت اليوم إلى متحفٍ مفتوح يروي قصص القرون. الوصولُ إليها متعةٌ بحدّ ذاته: يمكنك أن تركب التلّفريك فتشعر بأنّ الجبل يلين تحتك، أو تصعد مشيا كاختبارٍ لإرادتك. وما إن تبلغ القمّة حتى يتلخّص أمامك التاريخُ والعمارةُ والطبيعةُ في مشهدٍ واحد، كأنّ الأزمنةَ كلّها قرّرت الاجتماعَ لبرهةٍ كي تُريك ما تصنعه العناية إذا التقت بموهبة الإنسان.
والعمارةُ في سالزبورغ لا تُقرأ كفنٍّ بصريّ وحده، بل كوثيقةٍ اجتماعيةٍ ونفسيّة. المباني القديمة تُرمَّم لا لتُحنّط، بل لتظلّ حيّةً شاهدةً على طبقات الزمن. كأنّ المدينة تقول: الجمالُ ليس في الجديد الذي يزيح القديم، بل في القديم الذي يجدّد نفسه دون أن يفقد أصالته. هذه الفلسفةُ تدرّب سكّانها وزوّارها معا على الصبر، على احترام الإيقاع الداخلي للأشياء، وعلى الإيمان بأن الماضي ليس عبئاً على الحاضر، بل سندُه ومعناه.
لهذا كلّه، لا تُزار سالزبورغ على لائحةِ أماكنَ مرئية، بل لتُعاش كتجربة. الطبيعةُ تُصفّي ما علق في الروح من غبارٍ ثقيل، والموسيقى تُعيد ترتيب الداخل على مقامٍ أكثر تناغما، والعمارةُ تُذكّر بأنّ اليد التي تبني قادرةٌ أيضا على أن تحرس ما بنت. ومن يرحل عنها لا يخرج كما دخل؛ يظلّ في أذنه خيطُ لحنٍ لا ينقطع، وفي قلبه جسرٌ صغيرٌ تتدلّى عليه أقفالٌ من وعودٍ أعاد تصديقها، وفي خطاه إيمانٌ جديدٌ بأنّ المدن يمكن أن تُربّي فينا إنسانا أوسع صدرا وأصفى نظرا.
هكذا تُقنعك سالزبورغ بأنّ الجمال ليس وصفا للمكان بقدر ما هو طريقةٌ للعيش فيه؛ وأنّ المجتمع الذي يفسح للمشاعر مكانا تحت الشمس، ويعامل الحجر كذاكرةٍ حيّة، ويتيح للموسيقى أن تكون لغة البيت والشارع معا، إنما يربّي مواطنيه على المعنى قبل المنفعة، وعلى الكفاية الداخلية قبل الاكتفاء الظاهر. وفي هذا درسٌ لا تُلقّنه المدينة بلسان الخطباء، بل تهمس به أزقتها وجسورها وأنهارها: أن نُصغي لما يداوينا، وأن نترك للجمال مهمةَ تنظيم الفوضى فينا، كي نعيش أخفَّ حملاً وأقربَ إلى أنفسنا.
البعد النفسي والاجتماعي للمدينة يكمن في أنها لا تمنحك مجرد صور جميلة، بل تفتح في داخلك نافذة على نفسك
لا يمكن اختزال سالزبورغ في زيارة عابرة، فهي ليست مدينةً تكتفي بأن تُرى ثم تُترك خلفك، بل تجربة كاملة تُحفر في الذاكرة والوجدان. هنا تتداخل الموسيقى مع العمارة، وتتمازج الطبيعة مع الأسواق والمقاهي والجسور، لتصنع نسيجا يربط بين الحواس والروح. سالزبورغ لا تُقرأ كما تُقرأ كتب التاريخ، بل تُعاش كما تُعاش التجارب الوجدانية: تلمسها بقدميك، تسمعها بأذنيك، تراها بعينيك، وتبقى بعد رحيلك محفورة في قلبك كأغنية لا تُنسى.
منذ أكثر من قرن، تحوّلت هذه المدينة الصغيرة إلى مركز عالمي للموسيقى والمسرح. مهرجانها السنوي الذي بدأ عام 1920 لم يكن مجرد احتفال فني، بل محاولة جريئة لترميم ما تصدّع في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. كان مشروعا ثقافيا يسعى إلى مصالحة الشعوب عبر الجمال، إلى إعادة بناء ما هدمته البنادق على هيئة لحن أو عرض مسرحي. ومنذ ذلك الحين، صار المهرجان بمثابة قلب نابض للمدينة، يذكّرها والعالم بأن الفن قد يكون أحيانا لغة للسلام حين تعجز السياسة عن الكلام.
اليوم، يجتذب المهرجان مئات الآلاف من الزوّار من نحو تسعين دولة، ويحوّل سالزبورغ إلى مسرح مفتوح تتجاور فيه الأوبرا مع الدراما، والجدية مع البهجة. ليس غريبا أن يدرّ هذا الحدث ملايين اليوروهات على اقتصاد المدينة، لكن قيمته الأعمق تكمن في أنه رسّخ صورة سالزبورغ كمدينة تعيش على إيقاع الفن، لا على صخب الصناعة وحدها. في هذا التوازن، تنجح المدينة في أن تذكّر العالم بأن القيم الروحية ليست ترفا، بل ضرورة لقيام مجتمعات أكثر إنسانية.
أما المدينة القديمة فهي القلب الذي لا يتوقف عن الخفقان. ليست مجرد حي تاريخي تحرسه الحجارة العتيقة، بل فضاء يجمع القداسة بالجمال والفن في آن واحد. في شارع “غيتريدغاسيه” وُلد موزارت، وما زالت جدرانه تردد أصداء موسيقاه، بينما الكاتدرائية الرومانية المهيبة تقف كصرح يزاوج بين الإيمان والفن المعماري. وحدائق ميرابل بدورها تضيف لمسة شعرية، بتماثيلها التي ترمز لعناصر الحياة الأربعة: النار، الهواء، التربة، والماء؛ كأنها تقول للزائر إن المدينة ليست فقط مسرحا للتاريخ، بل مختبر دائم لمعنى الوجود.
حتى التفاصيل الصغيرة هنا تتحول إلى رموز. محلات الشوكولاتة التي تحمل صورة موزارت ليست مجرد هدايا تذكارية، بل اختزال لذاكرة جمعية تحب أن تُمسك بالفن حتى في أبسط أشكاله اليومية. إنّها طريقة المدينة في أن تقول “هويتنا ليست مفهوما نظريا، بل طقس يومي يُعاش ويُتذوق”.
أغنية لا تنطفئ
حين تغادر سالزبورغ تدرك أنك لم تزر مكانا عاديا، بل دخلت في نص معماري موسيقي طبيعي متكامل. النهر الذي يشقها لا يبدو مجرد مجرى ماء، بل كأنه يعزف لحنا مرافقا لكل خطوة. الجبال المحيطة لا تُرى ككتل صخرية، بل كخلفية مسرحية تحفظ للمدينة إطارها الجمالي. القلعة التي تشرف عليها من علياء القرون ليست حجرا جامدا، بل ذاكرة صلبة تذكّرك بأن الماضي يمكن أن يكون سندا للحاضر. وحتى الجسر والأسواق والمقاهي، تتحوّل إلى مقاطع في أغنية واحدة تكتبها المدينة كل يوم مع زوارها وسكانها.
هنا يتحقق البعد النفسي والاجتماعي للمدينة: فهي لا تمنحك مجرد صور جميلة، بل تفتح في داخلك نافذة على نفسك. حين تتجوّل بين أزقتها، يتراجع صخبك الداخلي، ويُعاد ترتيب فوضاك كما لو أن الموسيقى والعمارة والطبيعة تعاونت على تهذيب روحك. هذه ليست سياحة بالمعنى التقليدي، بل نوع من العلاج الهادئ الذي يعيد الإنسان إلى بساطته الأولى، ويذكّره بأن الحياة يمكن أن تكون أكثر رحمة إذا أُفسح للجمال مكان في قلبها.
سالزبورغ لا تسمح لزائرها بأن يظل متفرجا محايدا. إنها تستدرجه ليصبح جزءا من إيقاعها: قد تجلس في مقهى صغير فتشعر بأن وقع فناجين القهوة على الطاولات ينسجم مع إيقاع خطوات المارة، أو تعبر جسرا فيغدو وقع قدميك جزءا من موسيقى النهر الجاري. إنها مدينة تُشركك في طقسها، فلا تعود أنت والزمن منفصلين، بل تتحولان معا إلى نغمة في سمفونية كبرى.
بعد أن تغادر سالزبورغ يتضح لك أنها ليست محطة عابرة، بل تجربة وجودية متكاملة. هي أغنية مفتوحة على الزمن، تستمر في عزفها داخلك حتى بعد أن ترحل، مثل لحن موزارتي لا ينطفئ. قد تطوي خريطتها وتغلق حقائبك، لكنك لن تستطيع أن تغلق أثرها فيك. ستبقى صورتها في داخلك لا كذكرى سياحية، بل كدرسٍ عميق: أنَّ الإنسان لا يُبنى بالعمل وحده، ولا يكتمل بالخبز فقط، بل يحتاج إلى ما ينعش روحه ويذكّره بجماله الكامن.
إنها سالزبورغ: مدينة تُعلمك أنَّ الجمال ليس شيئا يُرى من الخارج فقط، بل تجربة تُعيد تشكيل الداخل، لتخرج منها أخفّ حملاً، أصفى روحا، وأقرب إلى نفسك.

