جابر نور سلطان
عَرَفت الكاتب جابر نور سلطان في مطلع تجربتي الصحافية كصحفي محترف، ثم كشاعر يضبط بوصلة نصه بإتقان، والآن يطل علينا كروائي في باكورة أعماله «تغريبة سليمان». من خلال هذه الرواية، يطرح جابر تجربة الغربة الليبية، متنقّلًا بين المدن والأزمنة، حيث تتقاطع الأماكن وتتداخل الذكريات، فتنبض الصفحات بالحياة والدهشة والحنين.
وقد كتب الدكتور الاديب محمد قصيبات عن الرواية قائلاً: “اختار جابر عنوانًا مناسبًا للرواية سيفهمه جيلي قبل غيره، لأنه الجيل الذي عاش بين ثقافتين: مصر وليبيا.”
الرواية تأخذنا في رحلة مع بطله سليمان بين الشوارع والمدن، حيث تصبح المسارات شهودًا على الانكسارات والانتصارات، والذكريات حكايات تحفظها الأزمنة. بنغازي، المدينة التي تسكن الروح، ترافق البطل كظل دائم، بينما الإسكندرية تفتح نوافذ الثقافة العالمية، لتصبح الرواية نافذة على تجربة إنسانية عميقة، وحكاية أجيال عاشت بين وطنين وذاكرتين متداخلتين.
تغريبة سليمان هي أصوات عديدة تتداخل وتتشابك أصوات أجيال متعاقبة عبر حقب طويلة، على امتداد جغرافية ليبيا ومصر. هذا الامتداد شهد في المئة عام الأخيرة تفاعلات شديدة التعقيد والتماهي. فهذه الهجرة الجماعية إلى مصر لم تكن ترحال أجساد خاوية أنهكتها الحرب وويلاتها، بل كانت رحلة أرواح وعادات وتقاليد وهموم وانشغالات. استقرت تلك العائلات في مصر وخاصةً مدينة الإسكندرية وتماهت وانصهرت مع النسيج الاجتماعي المصري، حتى كادت تكون جزءاً أصيلاً منه. ولعل ما ساعد على سهولة ويسر الانصهار والتمازج، أن البيئة المصرية والسكندرية – إن صح التعبير- ليست بيئة طاردة تلفظ الغريب وتظل تتقصّى وراءه، تفتش في جراب روحه، وتتفحص شكله ولسانه. البيئة السكندرية احتضنت الليبيين المهاجرين، بل أكثر من ذلك اعتبرتهم مصريين وجزءاً من نسيجها و، وحدث التمازج والتزاوج والتواشج. سليمان ليس الشخصية البطلة أو المحورية، الشخصية البطلة والمحورية هي حالة ممتدة بكل مكوناتها وتفاصيلها وأوجاعها وهمومها. ليس وجعاً شخصياً هو وجع أجيال ما بعد الهجرة والعودة للوطن الذي عرفه الكبار، أما الأطفال الذين انتزعوا من محيطهم وبيئتهم لم يعرفوا هذا (الوطن) وغير مرتسم في ذاكرتهم الوطن عندهم هو مصر أو أكثر تحديداً الإسكندرية. هذه المدينة العبقرية التي تمتلك القدرة على صهر الجميع في بوتقتها. سليمان وجيله كانوا جزءاً من هذا النسيج وتكوّن وجدانهم بين يديه وعلى مقربة لصيقة بكل تفاصيله ودقائقه، التي شكّلت انتماءهم العفوي مبكراً لهذه المدينة التي سينتزعون منها لاحقا.
تغريبة سليمان هي التي كتبتني ولست أنا الذي كتبتها هي التي تملكتني وأملت نفسها عليَّ. وصرت مثل قارئ من خارجها أتطلّع لتطور الأحداث والشخصيات التي ظلت قابعة في زوايا النفس والذاكرة. وكنت أظن الزمن قد طواها أو نال من وهجها أو ذبلت نضارتها. لكنني اكتشفت حين بدأت الرواية تكتبني أن تلك الطفولة لاتزال مكتنزة وناضرة ووارفة. لم أبذل أي جهد في الاستدعاء والتمثُّل. كانت الأحداث تنساب انسياباً مذهلاً، يدهشني أنا القارئ الأول ومع كل سطر أتطلع لما بعده وأتطلّع لشخصيات العمل وكيف ستمضي وتتطور .تفاصيل كثيرة كانت حاضرةً وكأنها بالأمس وكأن ذلك الطفل ( السكندري) المولد والنشأة لم يفقد شيئاً من وهجه وطزاجته وفوضاه وشقاوته ،يتؤسّم خطاه قبل 50 عاماً ولا يخطيء العناوين أبدا .أحببت سليمان صوت الأجيال المتشظية بين هويتين الممزقة بين وطنين ،أحببته وصرت شغوفاً بسرده وكيف يتنقل بين الأماكن والأحداث وكيف يتفاعل .أبكي مع بكائه وأضحك مع ضحكه وأعشق مع تفاصيل عشقه وأتوجع مع مرضه .سليمان صوت أجيال حُجر صوتها في بيئة ليست دائماً مرحّبة ولا محببة، بل بيئة في كثير من الأحيان تتوجس من الغريب أو ( العائد) كما يسمونه أو ألفاظ قد تحمل بُعداً عنصرياً مريراً ،لايزال كثيرون يتجرعون مراراته حتى بعد امتزاج الأنساب والأحلام والدماء .
كما قلت لك. هي كتابةً تمثّل قصة أجيال تنقَّلت بين ثقافتين وارتبكت بين محيطين، ولم يكن تنقلاً عابراً أو سطحياً بل كان تنقلاً شديد التداخل والتعقيد والتشابك الاجتماعي على المحيطين. هذه مكونات اجتماعية شديدة الخصوصية تمثّلت في الملايين من العائدين إلى وطنهم مشبعين بثقافة مختلفة وإرث اجتماعي مختلف إلى وطن هم جزء أصيل منه، ومن تركيبته الاجتماعية. لكن هذا الوطن ومن خلال كثير من مواطنيه (بالولادة) لم يقبلوا (المواطن) الذي أجبرته الظروف القاسية على الهجرة وربما اعتبروه مواطناً من الدرجة الثانية ومارسوا ضده كثيراً من مظاهر التنمر. وثمة جزء أصيل آخر من النسيج الاجتماعي الليبي متمثلاً في مئات الآلاف من الأمهات المصريات اللواتي ارتبط بهن أزواج ليبيون. هؤلاء النسوة هم قاطع أصيل في البنية الاجتماعية الليبية، قاطع له تأثيره الثقافي والاجتماعي العميق عبر الأجيال. الرواية كثيرة الأحداث والتدخلات والتعقيدات الاجتماعية التي تمسُّ الهوية ومكوناتها.
علاقتي بالإسكندرية لم تنقطع أبداً وهذا من سمات المدن التاريخية والحواضر الثقافية عبر التاريخ. الإسكندرية لن تستغرق وقتاً طويلاً كي تعشقها وتتورط في محبتها ولا تتردد في الجهر بولهك بها والتغني بجمالها. هذه المدينة تتطور بعبقرية وذكاء. فالأماكن لا تزال تحتفظ بهويتها وتأثيرها: الحارة التي نشأنا بها الروضة المدرسة الابتدائية والمدرسة الإعدادية الشوارع الميادين السينيمات (دور العرض) المسارح الملاعب. الأسواق كل شيء على حاله. ولا يزال يحتفظ للطفل الذي مرَّ من هنا قبل 50 عاماً لايزال يحتفظ له بكل ما تركه، فأنَّى ومتى جاء وجد نفسه هنا. الإسكندرية بطل من أبطال الرواية، فقد أسهمت عميقاً في تشكيل الوجدان والأذهان بقلب متسع للجميع.
برقة بالنسبة لسليمان برقة هي بنغازي. جاءها طفل مثقلاً بالذكريات وبأحلام الطفولة وبالأصدقاء وبالأماكن والمناطق واللهجة السكندرية. كل تلك المكونات كانت تشكّل لسليمان وجيله تحدياً، بدأ من المدرسة والسخرية من اللهجة والتأكيد على التغريب. وبداية الاحتكاك ببيئة مغايرة لا يعرفها، وجد نفسه فجأةً في قلبها وهو يحاول التقرب منها وهي في بعض ممارساتها تلفظه. وتمضي الأحداث في حياة سليمان في بنغازي وتفاصيلها مكتظة بأحداث وشخصيات لا حصر لها. وتظل بنغازي عشيقة الروح بمعزل عن ممارسات (العنصرية) هي مدينة عبقرية كوَّن سليمان علاقته معها بشغف مع الوقت ومارس الطقوس نفسها التي كان يقيمها في الإسكندرية.
«سليمان» ليس بطلًا بالمعنى الكلاسيكي، بل مرآة لجيل. إلى أي مدى يشبهك؟ وهل يمكن القول إنك كتبت سيرتك بطريقة مستترة؟
كنتُ أخشى أن يقع هذا المفهوم. تغريبة سليمان ليست سيرة ذاتية. سليمان هو حالة اجتماعية وثقافية وفكرية. هو أصوات أجيال آن لها أن تجهر بمكنونها وما سكتت عنه طويلا. الرواية ليست سيرة ذاتية. هي سيرة (ذات جمعية) لو صح التعبير. ذات جيل بل أجيال هم يسكنون بيننا ومعنا، وهم بعضنا وامتدادنا وهم جزء أصيل من ذاكرتنا ووجداننا وتاريخنا وهويتنا. يتوجعون بصمت. بعض الرفاق الذين طالعوا الرواية كلٌّ منهم يقول: هذا أنا وبعضي هنا.
الدافع لأي عمل أدبي أو إبداعي هو شيء مبهم. لا نستطيع تفسيره ولسنا مطالبين في الوقت نفسه بتبريره. كما قلت لك قبل قليل. هذه الرواية هي التي استدعتني وهي التي كتبتني وهي التي أملت عليَّ. أنا شخصياً أقف مندهشاً ومتعجباً في حالة الوعي بعد طقس الكتابة. كيف مضت كل هذه الأحداث وتوالت كل هذه الشخوص وتداخلت من الحارة السد حتى البعد الإنساني عند جماعة (رب السلام).
تغريبة سليمان ليست رواية تاريخية هي رواية اجتماعية في أساسها والأحداث التاريخية لا تسرد منعزلةً في صفحاتها، بل من خلال الشخصيات التي عاشت تلك الأحداث وأثرت فيها وتأثرت بها وتفاعلت معها. فالبعد الذاتي والاجتماعي هو الذي يمنحنا المُكنة على سرد التاريخ وإكسائه لحماً ودما.
تقصدين الأم الليبية التي نشأت هي أيضاً في الإسكندرية حين هاجر أبوها (الفقيه حسين) من الرجمة في 1918، وتزوج وعاش في الإسكندرية وكان يتنقل بين الإسكندرية والرجمة. الأم (سليمة) حافظت على كيان الأسرة وعاشت تجربة فريدة هي وأشقاؤها كمواطنين ليبيين تحت الاحتلال فكانت تمنحهم إيطاليا شهادة (رعايا إيطاليين) تخيلي هجرة داخل الهجرة مواطنون ليبيون. يعيشون في مصر. يمنحون هوية رعايا إيطاليون. نسيج متداخل شديد الانصهار والتعقيد.
أنت تتحدثين معي وكأن التغريبة سيرة ذاتية تروي تفاصيل شخصية. قد يحدث هذا الفهم للعمل. لكن الحقيقة أن الرواية هي قصة أجيال متعاقبة من البلدين ليبيا ومصر وسليمان مجموعة أصوات ومكونات وأحداث وهويات متشظية ووقائع وقصص عشق وموت وخوف وتطرف. أماكن كثيرة مشحونة بالمواقف والأحداث.
لقد تفاجأت حين تواصل معي الأديب الكبير منير عتيبة مدير مختبر السرديات التابع لمكتبة الإسكندرية العريقة. وأبلغني أن (تغريبة سليمان) ستكون محل نقاش من نخبة من النقاد المصريين.
سعدتُ جداً بالخبر وأدركت أن للعمل أهمية ورسالة، قد أدركهما هذا المختبر الرصين. وربما تكون التغريبة الرواية الليبية الأولى التي يناقشها المختبر من خلال هذا العدد المهم من النقاد المصريين إلى جانب أستاذ النقد الأدبي من ليبيا الدكتورة أريج خطاب التي قدَّمت قراءةً أكاديمية رصينة في الرواية. وقد قدّم دراسة معمقة حول الرواية الناقد المصري الكبير شوقي بدر يوسف وقراءة نقدية ثاقبة للأديبة الروائية والناقدة الأستاذة منى منصور. وكذلك كانت هناك وقفة نقدية شديدة العمق للفنان التشكيلي والناقد الأدبي الأستاذ إبراهيم علي حسن. ودراسة مطوّلة للأديب والناقد الكبير الأستاذ عذاب الركابي. وقراءة مهمة للكاتب الأستاذ إبراهيم فرحات. ومداخلة ثرية وفارقة للأستاذ الدكتور خالد الزغيبي أستاذ الفلسفة بالجامعات الليبية.. إلى جانب مداخلات قيّمة من الحضور.
كذلك احتفت بالرواية وبمناقشتها في مصر، مجلة روز اليوسف العريقة وصحيفة الدستور واسعة الانتشار.
بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان فلسفة الكتابة في المعتقل وقراءة في سوسيولوجيا أدب الحرية…
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…