الشخصية الروائية
تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر الإنساني والاجتماعي عبر التاريخ، وقد كان لمفهوم الشخصية الروائية نصيب كبير من اهتمام النقاد والدارسين، لما تؤديه من دور محوري في تشكيل البنية السردية وتجسيد رؤية العمل الأدبي للعالم والإنسان. ومن هنا تنوعت المقاربات النقدية التي حاولت تفسير طبيعة هذه الشخصية ووظيفتها داخل النص الروائي، فظهرت اتجاهات متعدّدة قدّمت تصورات مختلفة لها تبعًا لاختلاف المنطلقات الفلسفية والمنهجية لكل اتجاه.
ينطلق هذا المقال من تتبع الكيفية التي يعالج بها الفصل مفهوم الشخصية الروائية عبر عدد من الاتجاهات النقدية، وفي مقدمتها الاتجاه الاجتماعي الذي يربط الشخصية بسياقها التاريخي والاجتماعي، مرورًا بالاتجاه الطليعي أو الحديث الذي يركز على البعد الوجودي والداخلي للذات، ثم المنظور البنيوي الذي ينظر إلى الشخصية بوصفها عنصرًا داخل بنية سردية أو فاعلًا يؤدي وظيفة محددة في نظام الحكاية، وصولًا إلى المقاربات التفكيكية التي تعيد مساءلة مفهوم الذات نفسه. ومن خلال هذا العرض، تسعى الورقة إلى إبراز التباين بين هذه الاتجاهات، والكشف عن الأسس الفكرية التي يقوم عليها كل منها، بما يوضح أن دراسة الشخصية الروائية لا تنفصل عن التصورات النقدية الأوسع حول الإنسان والمجتمع واللغة.
الإشكالية والأهداف
تنبع إشكالية هذه الورقة من التباين الواضح في تصورات النقاد لمفهوم الشخصية الروائية ووظيفتها داخل العمل السردي، إذ لم يعد النظر إليها مقتصرًا على كونها عنصرًا حكائيًا ينهض بالأحداث، بل أصبحت موضوعًا نظريًا تتقاطع فيه أسئلة الإنسان والمجتمع واللغة والبنية السردية. ومن هنا نطرح مجموعة من التصورات النقدية التي تعكس اختلاف المنطلقات الفكرية بين الاتجاهات النقدية المختلفة، بدءًا من الاتجاه الاجتماعي الذي يربط الشخصية بالبنية التاريخية والاجتماعية، مرورًا بالاتجاه الطليعي الذي يركّز على البعد الوجودي والذاتي للشخصية، ثم الاتجاه البنيوي الذي يتعامل معها بوصفها عنصرًا ضمن نظام من العلاقات السردية، وصولًا إلى الطروحات التفكيكية التي تعيد مساءلة مفهوم الذات وتمثيلها في النص الأدبي.
نسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، يتمثل أولها في عرض الأفكار الرئيسة التي يطرحها الفصل الثاني من الكتاب حول مفهوم الشخصية الروائية للدكتور صلاح السروري، وثانيها إبراز الاختلافات النظرية بين الاتجاهات النقدية التي تناولت هذا المفهوم، وثالثها توضيح الكيفية التي تتشكل بها رؤية كل اتجاه للشخصية بوصفها تعبيرًا عن تصور معين للإنسان وعلاقته بالعالم. كما تهدف الورقة إلى تنظيم هذه الأفكار في إطار تحليلي يكشف عن مسارات تطور مفهوم الشخصية في النقد الحديث.
الموضوع
ينطلق هذا التحليل من مبدأ جوهري في الاتجاه الاجتماعي، وهو مركزية الإنسان في العمل الأدبي. فالإنسان عند جورج لوكاتش ليس مجرد موضوع سردي، بل هو المحور الأصيل الذي تدور حوله كل المضامين، والسؤال الأساسي الذي يظل مطروحًا في كل أدب حقيقي هو: ما هو الإنسان؟ قيمة العمل الأدبي تتحدد بقدرته على طرح قضية الإنسان طرحًا إبداعيًا يتجاوز الزخرفة الشكلية أو الوعظ التعليمي، إلى مساءلة وجوده الاجتماعي والتاريخي. الأدب “الحقيقي” عنده يجعل الإنسان بؤرته، بينما ما يتجاهل هذا السؤال ينزلق إلى الزيف أو التفاهة.
ومن أجل بلورة هذا المعنى، يستند لوكاتش إلى مقولة أرسطو بأن الإنسان كائن اجتماعي، ويرى أنها تنطبق على ما يسميه “الواقعية العظيمة”[1] التي خلدت في التاريخ من خلال شخصياتها الروائية المميزة، مثل أوديب عند سوفوكليس، وفارتر عند يوهان فولفجانج غوتة، وآنا كارنينا عند ليو تولستوي. العظمة الفنية في هذه الشخصيات لا تكمن في عمق نفسي منفصل عن العالم، بل في استحالة فصل وجودها الفردي عن بيئتها الاجتماعية والتاريخية. فمصيرها الشخصي يتشابك مع شروط عصرها، وتفردها لا ينفصل عن الإطار الذي وُجدت فيه. فشخصية آنا كارنينا ليست مجرد امرأة تعيش مأساة عاطفية، بل تمثل صراعًا بين الفرد والقيم الاجتماعية في المجتمع الروسي الأرستقراطي في القرن التاسع عشر. حبها لفرونسكي ليس مجرد قرار شخصي، بل مواجهة مع بنية أخلاقية صارمة تحكم المجتمع. هنا تتحول المأساة الفردية إلى صراع اجتماعي وأخلاقي أوسع.
في الأدب العربي نجد مثالًا مشابهًا في رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، فشخصية سعيد مهران ليست مجرد مجرم يسعى للانتقام، بل تجسد تحولات المجتمع المصري بعد ثورة 1952. شعوره بالخيانة يعكس انهيار منظومة القيم التي كان يؤمن بها، وهكذا تصبح الشخصية مرآة لصراع اجتماعي تاريخي.
يتفق رينيه ويليك مع هذا الموقف، الذي يرى أن الأدب بطبيعته “ناموس اجتماعي”، يستخدم اللغة والرمزية وأدواته التقليدية كوسائل للتواصل داخل المجتمع، وهي أدوات لم تتكون إلا في إطار اجتماعي محدد.
يتطور التحليل عند لوكاتش إلى جدلية الذات والموضوع؛ فالإنسان كائن تاريخي، وتاريخه الشخصي لا يتشكل في عزلة نفسية مغلقة، بل عبر تفاعله مع الواقع الموضوعي العام. الشخصية الروائية تتأثر بالعالم كما تؤثر فيه، وتشكل التاريخ كما يُصاغ بها. الرواية، بوصفها بنية فنية ذات طابع تاريخي، لا تكتفي بعرض التجربة الفردية، بل تكشف عن العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، بين الخاص والعام، وبين الذات والواقع.
في مقابل هذا التصور، يوجه لوكاتش نقدًا للاتجاهات الطليعية التي تصوّر الإنسان ككائن منعزل، لا تاريخيًا، محبوسًا داخل تجربته الذاتية، حيث تتحول الشخصية إلى كشف تدريجي لحالة روحية جامدة، ويغدو العالم الخارجي عاجزًا عن أن يكون مجالًا للفعل أو التغيير. هنا يصبح الزمن الروائي دائرة شعورية مغلقة، والسرد أقرب إلى استبطان مستمر، لا دراما تاريخية، كما يظهر في أعمال كافكا، كامو، وسارتر، حيث يُقدّم العالم كقوة غامضة أو فضاء عبثي، والشخصية ككيان ذاتي عاجز عن الفعل الاجتماعي.
يُميّز لوكاتش بين الإمكانات المجردة، التي تنتمي إلى عالم الذات وحدها وتظل احتمالات ذهنية قد لا تتحقق، والإمكانات المحددة، التي تنشأ من العلاقة الجدلية بين الذات والواقع، وتتجلى في الممارسة الفعلية والصراع والتجربة الحسية. التجربة الفعلية وحدها هي التي تميز بين الإمكان الوهمي والواقعي، فإذا اختُزل الإنسان في إمكاناته المجردة، تتحلل الشخصية إلى شظايا نفسية وتنقطع عن العالم.
ومن هنا يصل لوكاتش إلى مفهوم “النظرة إلى العالم”[2]، الذي يمثل أرقى تعبير عن وعي الشخصية. فالشخصية الروائية لا تكتمل إلا إذا امتلكت منظورًا يعكس قضايا عصرها، ويتجلى في سلوكها ونوازعها ودوافعها. هذا المنظور ليس خطابًا نظريًا مجردًا، بل خلفية معرفية ونفسية تتبدى في الأفعال والصراعات. ويرتبط هذا المفهوم بفكرة “الانعكاس الفني للواقع”، حيث يتجلى غنى الواقع في تعدد صراعاته، إذ لا يعمل الناس جنبًا إلى جنب فحسب، بل من أجل بعضهم وضد بعضهم، ومن هذا الصراع تتفتح الفردية الإنسانية. فالأدب – في هذا المنظور – لا يكتفي بسرد قصة فردية، بل يعرض من خلال الشخصيات أنماطًا اجتماعية تعكس روح العصر. ومن أمثلة ذلك ما نجده في روايات أونوريه دي بلزاك، ولا سيما في عمله الكبير “الكوميديا الإنسانية”، حيث تظهر مئات الشخصيات التي تمثل الطبقات الاجتماعية المختلفة في فرنسا بعد الثورة، من الأرستقراطية المتراجعة إلى البرجوازية الصاعدة[3]، بحيث تصبح الشخصيات سجلًا حيًا للتحولات الاجتماعية. كذلك تقدم روايات تشارلز ديكنز صورة واضحة للمجتمع الإنجليزي في العصر الفيكتوري، إذ تكشف شخصياته أوضاع الفقراء والأطفال العاملين وظروف المدن الصناعية. وفي الأدب الروسي أيضًا نجد أن شخصيات ليو تولستوي تمثل في رواياته بنية المجتمع الإقطاعي الروسي وعلاقاته الطبقية، حيث تتحول الشخصيات إلى مرايا تعكس القيم الاجتماعية والصراعات التاريخية في عصرها.
يبلغ التحليل ذروته عند مفهوم “النمط”، بوصفه المعيار المركزي للأدب الواقعي عند لوكاتش. النمط ليس متوسطًا حسابيًا لشخصية اجتماعية، ولا مجرد فرد فريد، بل مركب عضوي يربط الخاص بالعام في لحظة تاريخية حاسمة، حيث تتجسد التحديات الإنسانية والاجتماعية، وترتقي الفردية إلى مستوى نموذجي دون فقدان خصائصها الفردية. الشخصية النمطية تكشف حدود البشر وإمكاناتهم في مواجهة الفعل التاريخي، وتصبح الرواية ساحة للصراع بين الإنسان والتاريخ.
أتفق كليًا مع هذا الرأي، لأن الأدب قد يتجاوز شروط الانعكاس الاجتماعي المباشر ويحتفظ برؤيته الخاصة. فليس من الضروري أن تكون الشخصية الروائية مرآة اجتماعية مكتملة حتى تكتسب قيمتها الفنية. وقد أشار بعض النقاد إلى مخاطر إخضاع الأدب لتفسير اجتماعي أو طبقي صارم، إذ قد يؤدي ذلك إلى الحكم على العمل الأدبي وفق معايير أيديولوجية أكثر منها فنية. وفي هذا السياق، يلاحظ رينيه ويليك أن النقاد الماركسيين كثيرًا ما شككوا في إخلاص الكتّاب ذوي الأصل البورجوازي الذين انضموا إلى البروليتاريا:
“ويلاحظ في روسيا أن الكتّاب ذوي الأصل البورجوازي الذين انضموا للبروليتاريا خضعوا بشكل مستديم للشكوك في إخلاصهم، وعزى كل تخلف فني أو مدني إلى أصلهم الطبقي. ومع هذا، فإنه إذا كان التقدم – بالمعنى الماركسي – يقود مباشرة من الإقطاعية عبر الرأسمالية البورجوازية إلى “دکتاتورية البروليتاريا، فإنه يكون من المنطقي أن يمتدح الماركسي التقدميين” في أي وقت من الأوقات. وعليه أن يمتدح البورجوازي الذي ناضل الإقطاعية التي تخلفت في المراحل الأولى من قدوم الرأسمالية، ولكن كثيرًا ما ينتقد الماركسيون كتابًا على أساس نظرة القرن العشرين، أو كما فعل سميرنوف وجريب، وهم من الماركسيين الناقدين لعلم الاجتماع الشعبي(Vulgar Sociology) يستنقذون الكاتب البورجوازي وذلك بالاعتراف بالقيمة الإنسانية العالمية له”[4].
اتقق مع هذا الرأي نظرًا لأن الشخصية الروائية لا تكون دائمًا انعكاسًا مباشرًا للواقع الاجتماعي، إذ قد تنفصل عنه جزئيًا أو كليًا نتيجة طبيعة الإبداع الأدبي. فالشخصية قد تكون نتاج الخيال الفني أو المبالغة أو السخرية أو الرمز، وليس مجرد تسجيل واقعي للمجتمع. ولهذا يحذر من التعامل مع الأدب بوصفه وثيقة اجتماعية حرفية، لأن الكاتب قد يعيد تشكيل الواقع وفق رؤيته الجمالية أو الأيديولوجية، وهذا منطقي لأن الأدب يختلف كليًا عن علم الاجتماع.
أما الاتجاه الطليعي، فينطلق من فرضية أن الإنسان يعيش عزلة جوهرية، وأن علاقته بالعالم علاقة انقطاع واغتراب، فتتحول الشخصية إلى ذات معذبة، منغلقة على تجربتها الداخلية، ولا تُبنى عبر جدلية مع محيطها الاجتماعي. هنا يتحول الزمن الروائي إلى دائرة شعورية مغلقة، والسرد إلى مونولوج داخلي، مع تقنيات مثل تيار الوعي والتشظي الزمني، لتعكس تفكك التجربة الإنسانية وعدم استقرارها في العالم الخارجي.
ومن أبرز الأمثلة التي تجسد هذا التصور عالم فرانز كافكا، حيث تُقدّم الشخصية بوصفها كائنًا محاصرًا بقوى غامضة لا يمكن تحديدها بدقة. ففي رواية “المحاكمة” مثلًا، يجد البطل نفسه متهمًا دون أن يعرف طبيعة التهمة أو مصدر السلطة التي تحاكمه. إن الغموض ليس عنصرًا تقنيًا فحسب، بل هو تعبير عن رؤية ترى العالم نظامًا مغلقًا يستعصي على الفهم. والشخصية هنا لا تواجه خصمًا اجتماعيًا محددًا، بل تواجه قدرًا مجهولًا، ما يعمّق إحساسها بالعجز والعزلة.
وتتجلى الرؤية ذاتها في أعمال ألبير كامو، ولا سيما في “الغريب”، حيث يظهر البطل منفصلًا عن المعايير الاجتماعية والأخلاقية السائدة، غير قادر على الاندماج في النسق العام للقيم. إن اغترابه لا يُفسّر بظروف طبقية أو تاريخية محددة، بل يُقدّم بوصفه تعبيرًا عن عبث الوجود ذاته. فالعالم عند كامو ليس ساحة صراع يمكن إدراك قوانينه، بل فضاء لا عقلاني، لا يمنح أفعال الإنسان معنًى ثابتًا.
في هذا السياق، يرى صلاح السروري أن الشخصية الروائية من المنظور الاجتماعي ليست كيانًا نفسيًا معزولًا، بل بنية دلالية تمثل موقعًا داخل شبكة العلاقات الاجتماعية[5]، أي أنها تموضع اجتماعي ناتج عن شروط تاريخية وثقافية وسياسية محددة. يتوسع لوسيان جولدمان في مفهوم “رؤية العالم” ليشمل رؤية جماعية، موازنًا بين “وعي قائم” تشكّل عبر الخبرة التاريخية والاجتماعية، و”وعي ممكن” يمثل الحد الأقصى للإدراك دون فقدان طبيعة الفرد أو الجماعة، ويؤكد أن الشخصية الروائية تعكس بنية وعي اجتماعي.
يتقاطع هذا مع ميخائيل باختين[6] الذي يرى أن كل فعل وكلمة للشخصية يحمل شحنة أيديولوجية[7]، بحيث تصبح الرواية مجالًا لتعدد الأصوات والصراعات الأيديولوجية ضمن الخطاب السردي، بعيدًا عن كونها مجرد انعكاس مباشر للقوى الاجتماعية، ويبرز الاهتمام بالبنية الأدبية وديناميكيتها في النصوص.
انطلاقًا من هذا الإطار النظري يمكن قراءة رواية “النبيذة” بوصفها نصًا يجمع بين البعد الاجتماعي والبعد الذاتي في بناء الشخصية. ففي هذا السياق، تتصدّر تاج الملوك المشهد بوصفها الشخصية المحورية التي يتجسد فيها التاريخ في هيئة جسد أنثوي يرفض الزوال. فهي تظهر في مرحلة الشيخوخة والمرض بوصفها “جلدًا على عظم.. كل شيء فيها تكرمش إلا عنادها”، وهو وصف يجمع بين هشاشة الجسد وصلابة الذاكرة. ويجعل هذا التناقض الشخصية قريبة من مفهوم الشخصية النمطية عند لوكاتش، لأنها لا تمثل ذاتها الفردية فحسب، بل تجسد تجربة جيل كامل عاش التحولات السياسية والثقافية في العراق. إن تمسكها باسمها الكامل ورفضها الاستجابة لمن يناديها بنصفه يعكس دفاعًا رمزيًا عن الهوية، إذ يتحول الاسم إلى مستودع للذاكرة التاريخية، وتصبح الذات الفردية حارسة لماضٍ مهدد بالزوال.
غير أن شخصية تاج الملوك لا تنحصر في بعدها النمطي فقط، بل تكشف أيضًا عن توتر دائم بين الذات والواقع. فهي تعيش صراعًا بين عالمها الداخلي المشبع بالذكريات والعالم الخارجي الذي تغير جذريًا، بحيث يصبح الماضي زمنًا مستمرًا داخل الوعي لا مجرد مرحلة منقضية. وهنا تتجلى جدلية الذات والموضوع التي تحدث عنها لوكاتش، إذ تتحول الذاكرة الشخصية إلى مساحة يلتقي فيها التاريخ الفردي بالتاريخ الوطني، فتغدو الشخصية مرآة لجرح جماعي.
أما شخصية وديان فتمثل بعدًا مختلفًا داخل هذا التكوين السردي، وديان بوصفها شخصية مختلفة في بنيتها النفسية والاجتماعية، إذ تمثل نمطًا أكثر واقعية وأقل انغماسًا في الماضي. فهي عازفة كمان فقدت جزءًا من سمعها بسبب عقاب سلطوي، ما يجعل الصمم علامة مزدوجة: علامة جسدية وأخرى رمزية تشير إلى قمع الصوت الأنثوي في المجال الفني. ومع ذلك لا تتحول الشخصية إلى ضحية خالصة، بل إلى وسيط بين الآخرين، إذ تقدم نفسها بقولها: “أنا رسولة مدام شامبيون.. انتدبتني مثلما يُنتدب السفراء”. هذا الدور الوسيط يجعلها حلقة وصل بين الشخصيات والأزمنة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء تصور باختين للرواية بوصفها فضاءً حواريًا تتجاور فيه أصوات متعددة. فوديان لا تمثل رؤية واحدة للعالم، بل تعمل كقناة يلتقي من خلالها خطاب تاج الملوك العاطفي بخطاب منصور السياسي. وهكذا تتحول الشخصية إلى حامل لخطاب اجتماعي داخل النص، أي إلى ما يسميه باختين صوتًا أيديولوجيًا داخل البنية الحوارية للرواية.
وبذلك تكشف الرواية عن شبكة معقدة من العلاقات بين الشخصيات، حيث لا تُبنى الشخصية بوصفها فردًا معزولًا، بل بوصفها نقطة تقاطع بين الذاكرة الفردية والتاريخ الاجتماعي. ومن خلال هذا التفاعل بين الذاتي والجماعي، تتحول الشخصيات إلى مجازات إنسانية عن الذاكرة والمنفى والهوية، وهو ما يمنح الرواية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التفسير الاجتماعي المباشر.
هكذا يظهر التدرج في المنظور الاجتماعي: من مركزية الإنسان عند لوكاتش، إلى جدلية الذات والموضوع، إلى الإمكانات المجردة والمحددة، إلى النظرة إلى العالم والنمط، ثم تطوير الفكرة عند جولدمان إلى رؤية جماعية، وانتهاءً بالبعد الأيديولوجي عند باختين. وفي جميع هذه المراحل يظل الإنسان هو النقطة البؤرية، ليس كذات معزولة، بل ككائن اجتماعي تاريخي إشكالي، يحمل وعيًا وينتج وعيًا، ويخوض صراعًا مستمرًا لتحقيق انسجامه مع عالم يتحداه باستمرار.
في حين تقوم الفكرة البنيوية على النظر إلى الظواهر الثقافية والأدبية باعتبارها أنساقًا لا أجزاء متفرقة؛ فهي تسعى إلى الكشف عن الأبنية الكامنة التي تنظّم المعنى بدل الاكتفاء بوصف العناصر منفصلة. يرتكز الاتجاه البنيوي في تناوله للشخصية الروائية على منطلق مغاير تمامًا للاتجاه الاجتماعي؛ إذ لم تعد الشخصية تُعامل بوصفها كيانًا إنسانيًا مكتملًا، بل باعتبارها عنصرًا ضمن نسق، بنية أوسع، جزءًا من نظام علاقات. لذلك لم يكن غريبًا أن يُقال إن الشخصية كانت “من أقل مباحث البنيوية حظًا من التوفيق”، بل إن بعض البنيويين عدّوها عنصرًا “أيديولوجيًا” ينبغي الحذر منه. هذا الحكم يكشف أن المشكلة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل مسألة تتصل بجوهر الرؤية المنهجية ذاتها.
ينبع هذا الموقف من أن البنيوية لا تنطلق من الفرد بل من البنية، ومن ثم فإن الشخصية لا تُفهم باعتبارها ذاتًا نفسية أو تاريخية، بل “عنصرًا من عناصر العمل الفني” يخضع لشبكة من العلاقات. ولهذا لم ينشغل البنيويون بالشخصيات من حيث تفردها الإنساني، بل اتجهوا إلى تطوير نظرية فلاديمير بروب حول “الوظائف” أو “الأدوار”. فالشخصيات عنده تُختزل إلى أدوار ثابتة مثل: “الشرير، المساعد، الواهب، البطل، البطل الزائف، المرسل، والفتاة موضوع البحث”. ما يهم هنا ليس من تكون الشخصية، بل ما تؤديه من فعل داخل الحكاية.
في هذا السياق، أعتقد أن الشخصية لا تُدرس بوصفها فردًا نفسيًا معزولًا، بل بوصفها بنية دلالية تعكس علاقات اجتماعية وتاريخية، وهو ما أكده المنظور الاجتماعي للأدب، إذ إن الشخصية نتاج جدلي للعلاقة بين الفرد والمجتمع، وهو ما يتقاطع مع رؤية لوكاتش التي ترى الرواية مجالًا للكشف عن التوتر بين الذات والواقع: “البنيوية تستند إلى نظرتين أساسيتين ترتبطان بعلم العلامات؛ أولاهما هي أن الظواهر الاجتماعية والثقافية ليس لها “جْوهر” (essence) بالمعنى الفلسفي؛ أي ليس لها كيان صلب يمكن تعريفه في ذاته، بل يمكن تعريفها من زاويتَين؛ الأولى هي أبنيتها الداخلية، والثانية هي المكان الذي تشغله في كل ما تنتمي إليه من نظم اجتماعية وثقافية”[8].
هذا يعني أن تحليل الشخصية يشمل البنية الشكلية (التراكيب الداخلية والصفات) والبعد الدلالي (الدلالات الاجتماعية والثقافية المترتبة عليها). ويمضي تزفيتان تودوروف أبعد من ذلك حين ينقل عن توماشيفسكي أن “البطل ليس ضروريًا للقصة”، لأن القصة يمكن أن تُفهم بوصفها نظامًا من الوظائف. وحين حلل رواية علاقات خطرة لم ينطلق من الشخصيات، بل من ثلاث علاقات كبرى سماها “المستندات”، وهي: “الرغبة، التبادل، والمشاركة”. هذا التحول الدلالي من “الشخصية” إلى “العلاقة” يعكس هاجسًا تصنيفيًا واضحًا، حيث تصبح البنية أهم من الكينونة.
ويمضي تزفيتان تودوروف أبعد من ذلك حين ينقل عن توماشيفسكي أن “البطل ليس ضروريًا للقصة”، لأن القصة يمكن أن تُفهم بوصفها نظامًا من الوظائف. هذا التحول الدلالي من “الشخصية” إلى “العلاقة” يعكس هاجسًا تصنيفيًا واضحًا، حيث تصبح البنية أهم من الكينونة.
في هذا السياق، جرى استبدال مصطلح “الشخصية” بمصطلح “الفاعل”، لأن الشخصية تنتمي إلى منظور نفسي ينبغي تجاوزه. المصطلح الجديد أكثر تجريدًا، ويقيس موقع الكيان داخل البنية السردية دون الالتفات إلى طبيعته الإنسانية. يصل هذا التجريد ذروته عند أ. ج. جريماس، الذي صاغ نموذجًا عامليًا قائمًا على ستة عناصر موزعة على ثلاثة محاور: الرغبة، الاتصال، والامتحان، تُختزل في ثنائيات مثل: ذات/موضوع، مرسل/مرسل إليه، مساعد/معارض. الفاعل هنا ليس بالضرورة إنسانًا؛ فقد يكون فكرة أو قوة أو جماعة، والمهم موقعه ضمن البنية السردية. كما يميز جريماس بين “بنية العامل” و”بنية الفاعل”، حيث يمكن لعامل واحد أن يتجسد في عدة فواعل، أو لفاعل واحد أن يمثل عدة عوامل، ما يجعل الشخصية نقطة التقاء لبنيات متعددة.
مع ذلك، لم تسلم هذه النماذج من النقد. رأى بارت أن نموذج جريماس “قاصر” ولا ينطبق على عدد كبير من القصص، واعترض جوناثان كوللر على العلاقة بين المرسل والمرسل إليه، بينما قيل إن نموذج تودوروف يطبق على أعمال محددة فقط دون تقديم دليل تجريبي كافٍ.
هكذا، نجحت البنيوية في تجريد الشخصية إلى موقع تركيبي واضح، ما أعطى دقة شكلية للتحليل، لكنها في المقابل عرضتها لخطر فقدان بعدها الإنساني. يبقى السؤال معلقًا بين الرؤيتين: هل الشخصية كائن يعيش في التاريخ، أم وظيفة تتحرك ضمن بنية؟ وربما تكمن خصوبة الدرس النقدي في التوتر الدائم بين هذين التصورين
بينما يرتبط مفهوم الشخصية عند التفكيكيين ارتباطًا مباشرًا بتحول مفهوم “الذات” في زمن ما بعد الحداثة. فقد ارتبط الأدب الحديث منذ عصر الحداثة بظهور مفهوم الذات بوصفها كيانًا واعيًا ومسؤولًا، بدءًا من “الكوجيتو” لرينيه ديكارت، ومن خلال مفاهيم الهوية والوعي والنفس عند جون لوك، وصولًا إلى تمركز الذات عند فيخته في “الأنا الأعلى”، وهيجل في “الوعي المطلق”، ونيتشه في مفهوم “الأنا” كفاعل في إرادة القوة، وفرويد في مفهوم “الإيجو”. كما ساهم جون لانجشو أوستن في بلورة دور اللغة من خلال (Speech Act Theory)، إذ يرى أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل أداة للتأثير في العالم وتغيير السلوك، ويفرق بين فعل الكلام، قوة فعل الكلام، ولازم فعل الكلام، لتوضيح طبيعة الإدراك والشيء الواقعي وكيفية تفاعل الفاعل مع الواقع المادي. يتبنى ج. هيلس ميلر هذا المعنى، معتبرًا أن “الأدب كلام تنجز به أفعال”، مؤكدًا على فاعلية المتكلم المادية لا مجرد إنتاج الكلام.
مع ذلك، لا تتعامل التفكيكية مع الفاعل كمركز ثابت، بل كموقع للمساءلة والتفكيك. فهي تنطلق من الوجود المادي العياني للذات وتعترف بفاعليتها، لكنها في الوقت نفسه تفكك منطوقها، مطلقة ما يسميه النقاد “تفكيك وحدة الذات”. إذ تنتقد الهيمنة في الخطاب وتستعيد الأصوات الهامشية، فتتحول الشخصية إلى شبكة نصية متعددة الأصوات، بما يتسق مع رفض التفكيكية لفكرة “المركز” البنيوي. تشير ليندا هتشيون إلى أن تمثيل الذات في الصورة الفوتوغرافية يعكس ما يحدث في الكتابة: “الذات المصورة ليست هي الشيء ذاته”، ما يؤكد الشرخ بين التمثيل المقدم عن الذات والذات نفسها، وهو ما يتطور عند جاك دريدا في مفهوم “الصوت الذي يحرس الصمت”، حيث يسعى النظام الصوتي إلى فرض هيمنته على المضمر والمستبعد، في محاولة لترميم الكينونات المنسية التي حجبتها البنية المركزية.
على مستوى السرد الروائي، يتطور تمثيل الذات تاريخيًا؛ قدمت رواية “روبنسون كروزو” لدانيال ديفو تصويرًا مباشرًا للذات بضمير الأنا، ثم طورت روايات القرن التاسع عشر أسلوب ضمير الغائب، ما أتاح تمثيل ذاتين متجاورتين: ذات الراوي وذات الشخصية. وجاءت روايات القرن العشرين بتمثيل تيار الوعي مباشرة، كما في مناجاة مولي بلوم في “عوليس” لجيمس جويس. ويرى والاس مارتن أن الهوية لا توجد داخلنا، بل في العلاقة بين الشخص والآخرين، وتتحقق بوصفها “حكاية” يجب أن تروى وتنظم سرديًا، انسجامًا مع ما ذهب إليه صموئيل هنتنغتون: “لكي نعرف من نحن فلابد أن نعرف من ليس نحن”.
من منظور التفكيكية، التفكير في الشخصيات بوصفها ذوات أخلاقية مستقلة هو وهم موروث من تاريخ السرد الخيالي؛ فهذه الشخصيات لا تمثل أحدًا فعليًا، ويجب الفصل بينها وبين الأشخاص الواقعيين لتوضيح “كيف تُصنع استجاباتنا بواسطة بلاغة السرد”، التي تقدم “نوعًا من التحكم التقني” يحاكي الاستجابات دون منح خبرة معرفية حقيقية. وبالتالي، إذا كان السرد الحداثي يبحث في الانسجام المعرفي في عالم متفسخ، فإن سرد ما بعد الحداثة يركز على الجانب الوجودي المتعلق بالذات والهوية.
خلاصة الموقف أن التفكيكية تقتصر على تكرار مقولات الخلخلة واللعب، ولم تقدم تصورًا نظريًا متكاملًا للشخصية الروائية، فتصبح الشخصية منزوعة المركز، منقسمة، محاطة بشروخ لا تنتهي، ذاتًا لا تستقر على تعريف، ولا تُمنح وحدة، بل تُترك في لعبة الاختلاف الدائمة؛ ليست جوهرًا، ولا وظيفة مستقرة، بل أثرًا يتشكل ويتلاشى داخل شبكة من الأصوات والصمت في آن واحد.
شخصيًا، أرى أن كل اتجاه له قيمته الخاصة، لكن الميل الأقوى بالنسبة لي يكون للمنظور الاجتماعي بوصفه المدخل الأقدر على فهم تشكل الشخصية ودلالتها، دون إغفال الأدوات التي يوفرها التحليل البنيوي والتفكيكي. فالشخصية ليست كيانًا نفسيًا منعزلًا، بل بناء دلالي يتشكل داخل شبكة من العلاقات التاريخية والاجتماعية. إنها كائن سردي يحمل بصمات بيئته وقيم عصره، ويجسد الصراع الدائم بين الفرد والواقع الذي يحيط به. بهذا المعنى، لا تُختزل الشخصية في موقعها الطبقي أو في تفسير سلوكي مباشر، بل تُفهم بوصفها نقطة التقاء بين الذاتي والجماعي. هنا تتجلى أهمية تصور لوكاتش الذي يرى أن الرواية الواقعية تكشف العلاقة الجدلية بين الذات والتاريخ، وأن الشخصية لا تكتمل إلا من خلال تفاعلها مع الواقع. فالفردية في هذا المنظور ليست نقيضًا للمجتمع، بل ثمرة من ثمراته وصورة من صور صراعاته. كما يدعم تفضيلي لهذا المنظور مفهوم رؤية العالم عند جولدمان الذي يربط البنية الفنية للأدب بالوعي الجماعي الذي نشأت فيه، بحيث تصبح الشخصية الروائية تعبيرًا عن منظومة من القيم والمعتقدات تتجاوز حدود التجربة الفردية، وعليه فهو ربط بين الشكل والمضمون عكس نظريات المقاربات الخارجية أو النظريات البنيوية التي تهتم بعنصر دون الآخر. ومع ذلك، فإن تحليل الشخصية اجتماعيًا يجب أن يظل واعيًا لمغالطة القصد؛ فنية المؤلف أو نواياه لا تفسر الشخصية تفسيرًا نهائيًا، لأن المعنى يتشكّل أيضًا من البنية الداخلية للنص ومن تأويل القارئ. بهذا المعنى، يسمح الاتجاه الاجتماعي بفهم الشخصية بوصفها كيانًا مركبًا: ذاتًا إنسانية لها عمقها النفسي، وفي الوقت نفسه نتاجًا تاريخيًا يعكس علاقات القوة والقيم السائدة. إن هذا التصور المتوازن يفتح المجال لتحليل الشخصية تحليلًا متعدد الأبعاد، يجمع بين دراسة أفعالها ودوافعها، وبين فهم السياق الذي يمنح تلك الأفعال دلالتها.
خاتمة
تبيّن من خلال هذا العرض أن مفهوم الشخصية الروائية قد شهد تحولات واضحة في مسار النقد الأدبي الحديث، إذ لم يعد يُنظر إلى الشخصية بوصفها مجرد عنصر حكائي يؤدي دورًا في سير الأحداث، بل أصبحت موضوعًا نظريًا يعكس تصورات مختلفة عن الإنسان وعلاقته بالعالم. فقد أبرز الاتجاه الاجتماعي، كما يتضح في أطروحات جورج لوكاتش ولوسيان جولدمان، ارتباط الشخصية بالبنية التاريخية والاجتماعية، حيث تُفهم بوصفها تعبيرًا عن موقع الإنسان داخل شبكة العلاقات الاجتماعية. في المقابل، اتجهت بعض المقاربات الحديثة إلى إعادة النظر في هذا التصور، فتعاملت مع الشخصية باعتبارها بنية داخل نظام سردي أو تجليًا لغويًا يتشكل داخل النص، كما يظهر في طروحات رولان بارت وغيرها من المقاربات البنيوية والسيميائية.
ومن ثم تكشف هذه المسارات النقدية المتعددة عن أن دراسة الشخصية الروائية لا تنفصل عن التحولات الفكرية والمنهجية التي شهدها النقد الأدبي المعاصر، إذ يرتبط كل تصور للشخصية برؤية أوسع لطبيعة النص الأدبي ووظيفته. وفي هذا السياق، يقدّم الفصل الثاني من كتاب صلاح السروري عرضًا منهجيًا لهذه الاتجاهات، كاشفًا عن تعدد المقاربات النقدية التي تناولت الشخصية الروائية، وعن الكيفية التي أسهم بها هذا التعدد في تعميق فهمنا للبنية السردية للرواية. وبذلك يتضح أن دراسة الشخصية الروائية تمثل مدخلًا مهمًا لفهم تحولات النقد الروائي الحديث ومساراته النظرية المختلفة.
الهوامش
محمد عناني. المصطلحات الأدبية الحديثة. وندسور: مؤسسة هنداوي، 1996. النسخة الإلكترونية، 2023، ص 96.
صلاح السروري. نقد الرواية، القاهرة،2025، ص 19.
يميز لوكاتش في رأيه الشكل الروائى بوجه عام، أو على الأقل أحد جوانبه الرئيسية، وشكل الرواية الذي درسه لوكاتش هو الذي يتميز بوجود بطل روائي أطلق عليه “البطل المشكل”. والرواية عنده هي تاريخ بحث متدرج، بحث عن القيم الحقيقية في عالم متدرج أيضًا، ولكن على مستوى آخر بطريقة مختلفة، ولكنها تلك التي – غير أن يعبر عنها صراحة في الرواية – تنظم بطريقة ضمنية جماع عالمها . ومن الطبيعى أن هذه القيم خاصة بكل رواية، وتختلف من رواية لأخرى. والرواية كجنس ملحمى تتميز وعلى عكس الملحمة أو القصة بالانقطاع الذي لا يمكن وصله بين البطل والعالم. ويقدّم لوكاتش تحليلًا لطبيعة ضربين من ضروب التدرج؛ تدرج الأبطال وتدرج العالم الذي ينبغي أن يؤدي إلى وجود تضاد تكويني، يُعد هو الأساس لهذا الانقطاع الذي يميز لوكاتش في رأيه الشكل الروائى بوجه عام، أو على الأقل أحد جوانبه الرئيسية.وشكل الرواية الذى درسه لوكاتش هو الذى يتميز بوجود بطل روائی أطلق عليه “البطل المشكل”. والرواية عنده هى تاريخ بحث متدرج، بحث عن القيم الحقيقية في عالم متدرج أيضاً، ولكن على مستوى آخر بطريقة مختلفة، ولكنها تلك التي – بغير أن يعبر عنها صراحة في الرواية – تنظم بطريقة ضمنية جماع عالمها . ومن الطبيعى أن هذه القيم خاصة بكل رواية، وتختلف من رواية لأخرى. والرواية كجنس ملحمى تتميز وعلى عكس الملحمة أو القصة بالانقطاع الذي لا يمكن وصله بين البطل والعالم. ويقدّم لوكاتش تحليلاً لطبيعة ضربين من ضروب التدرج تدرج الأبطال وتدرج العالم الذي ينبغى أن يؤدى إلى وجود تضاد تكويني، يُعد هو الأساس لهذا الانقطاع الذي لا يمكن وصله من ناحية ويعتبر مجالًا متشابكًا بقدر كاف شكل ملحمي من ناحية أخرى. ويمكن القول إن الانقطاع الجذري بين البطل والعالم هو الذي أدى إلى التراجيديا أو إلى الشعر الغنائي، في حين أن غياب هذا الانقطاع أو وجود انقطاع ولكنه عارض هو الذي أدى إلى الملحمة أو إلى القص. (السيد يسين، التحليل الاجتماعي للأدب، عمان، الأردن، 1991، ص 41).
ويليك، رينيه، ووارن، أوستن. نظرية الأدب، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، ص 149.
المرجع السابق.
في ضوء ما تم عرضة في الفصل الأول، وبالاستناد إلى التصور الذي يربط بين “البناء التحتي” و”البناء الفوقي”، بوصف الأول محدّدًا لشروط الإنتاج المادي والاجتماعي، والثاني انعكاسًا فكريًا وثقافيًا لهذه الشروط، يمكن فهم العمل الأدبي – ومنه الشخصية الروائية – باعتباره نتاجًا غير منفصل عن سياقه التاريخي والاجتماعي. فالأدب، بوصفه أحد مكونات البناء الفوقي، لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل في إطار شبكة معقدة من العلاقات التي يفرضها الواقع الاجتماعي التاريخي، بما يحمله من تناقضات وتحولات. ومن ثم، فإن الشخصية الروائية لا تُختزل في بعدها النفسي الفردي، بل تتجاوز ذلك لتغدو تمثيلًا دلاليًا لموقع اجتماعي محدد، يتحدد وفق شروط الإنتاج وعلاقاتها في لحظة تاريخية بعينها. وبهذا المعنى، تصبح الشخصية تعبيرًا عن بنية وعي تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتعكس – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – التوتر القائم بين ما هو كائن في الواقع الاجتماعي وما يمكن أن يكون، أي بين الوعي القائم والوعي الممكن، في إطار رؤية للعالم تتشكل تاريخيًا وتُعاد صياغتها فنيًا داخل النص الروائي. (بتصرف صلاح السروري، نقد الرواية، القاهرة،2025، ص 19).
لم تكن مدرسة باختين مهتمة باللغويات المجردة التي شكلت لاحقًا أساس البنيوية (structuralism)، بل اهتمت باللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية. فكان الاستبصار الأساسي الذي توصل إليه فولو شينوف هو أن “الكلمات” (slovo) تفهم على أنها “خطاب” (discourse) أو تلفظ (utterance) علامات اجتماعية دينامية نشطة، تحتمل معاني ودلالات مختلفة لدى الطبقات الاجتماعية المختلفة، في مواقف أو سياق باقات اجتماعية وتاريخية مختلفة. ومن ثم، هاجم اللغويين ومنهم سوسير الذي الذين عالجوا اللغة بوصفها نسقا مجردًا أنيًا (synchronic) غیر تاريخي. (رامان سيلدن، بيتر ويدوسون، بيتر بروكر. دليل القارئ إلى النظرية الأدبية المعاصرة. ترجمة جابر عصفور وحسام نايل، تقديم محمد عناني. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006، ص63).
يتقاطع التصور الاجتماعي للنص الروائي مع ما يطرحه ميخائيل باختين وجوليا كريستيفا حول العلاقة العضوية بين اللغة والأيديولوجيا، إذ يرفض باختين إمكانية فصل النص عن سياقه الاجتماعي، مؤكدًا أن الخطاب الأدبي يعيد إنتاج الواقع عبر تمثيلات لغوية مشبعة بالرؤى الاجتماعية. ومن هنا يطرح مفهوم “الأيديولوجيم” بوصفه وحدة دلالية–أيديولوجية تتجلى داخل العمل الأدبي، حيث تصبح كل كلمة حاملة لرؤية معينة للعالم. وفي هذا الإطار يصرّح باختين بأن: “كل كلمة هي منتج أيديولوجي، وهي دومًا تعبير عن وجهة نظر خاصة بالعالم، فاللغة تنزع إلى الدلالة الاجتماعية”، وهو ما يجعل “الأيديولوجيم” تمثيلًا مكثفًا لوعي اجتماعي يتجسد عبر الخطاب الروائي. غير أن جوليا كريستيفا تعيد توظيف المصطلح ضمن منظور سيميائي، حيث ترى أن العمل الأدبي ينتمي إلى ممارسة دلالية مغلقة نسبيًا، إذ تقول: “إن كل عمل أدبي ينتمي إلى الممارسة السيميائية، ويكون باعتباره أيديولوجيمًا منتهيًا ومغلقًا”، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الرواية تحديدًا تكشف عن طابع ملتبس لهذا الأيديولوجيم، بما يسمح بانفتاح الدلالة وتعدد مستويات التأويل. ومن ثم، يتضح أن الاختلاف بين التصورين يكمن في أن باختين ينظر إلى “الأيديولوجيم” بوصفه تعبيرًا حيًا عن وعي اجتماعي متحرك داخل اللغة، بينما تميل كريستيفا إلى تأطيره داخل بنية نصية سيميائية، رغم إقرارها بتعقيد الرواية وقدرتها على زعزعة هذا الانغلاق. وبذلك، يغدو “الأيديولوجيم” أداة تفسيرية مركزية لفهم الشخصية الروائية، لا باعتبارها كيانًا فرديًا معزولًا، بل بوصفها تمظهرًا لبنية أيديولوجية أوسع، تُفصح من خلالها عن موقعها داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والتاريخية، وتُعبّر عن “رؤية للعالم” تتجاوز الفرد إلى الجماعة. (بتصرف صلاح السروري. مفهوم الرواية، القاهرة، ص 23).
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…
رسالة شكر من مي عمر لجمهورها ومجموعة MBC بعد تفاعل واسع مع مسلسلها الجديد إحتفلت…