النقد

“الحلم الذي ينأى” قصص ليبية تبحث عن الدفء في رماد العبث

في كتابة نصيب مزيج من الخرافة واليومي، ومن الواقعي والسحري، بطريقة تُذكر بتجارب ماركيز التي تُحوّل الجرح المحلي إلى أسطورة إنسانية.

صلاح الدين راشد

المجموعة القصصية “الحلم الذي ينأى وقصص أخرى” للكاتب الليبي فتحي نصيب، تبدو كأنها دفتر أسرار مكتوب تحت ضوء خافت، حيث تنفتح العتمة على أسئلة الإنسان وهو يحاول، بقلق شفاف، أن يفهم معنى وجوده داخل عالم يضغط عليه من كل الجهات. القصص هنا لا تقدم حكايات بقدر ما ترسم خارطة روحية يختلط فيها الواقع بالحلم، ويقف السارد على حافة جرح داخلي يتسع كلما حاول تضميده. إنها كتابة تُنصت للإنسان في هشاشته القصوى، وتُمسك باللحظة التي تهتز فيها الروح بين شهوات الأمل وتصدعات الخيبة.

منذ الصفحات الأولى تتشكل طبقة داخلية تشبه توترا قديما ينمو في الظلال: قمع يتسلل إلى الحياة كأنفاس ثقيلة، وأمل عنيد يرفض أن يخفت. قصتا “الزيارة” و”العطب” تمثلان هذا الصراع بأوضح تجلياته.

في “الزيارة” نرى بطلًا لم يعد يفرق بين صمته وصوت الطارقين على بابه. الانتظار يتحول إلى كائن له جسد، والرعب يصير عادة يومية يكتسب معها البطل حاسة إضافية تمكنه من استشعار قدوم جلاديه. والعلاقة بين الطرفين تغدو خيطا مشدودا يربطهما في دائرة مغلقة: لا فريسة تنجو ولا صياد يرتاح. هذا الشعور المعلّق يحيل القارئ إلى العالم الكافكاوي، حيث تصبح السلطة ظلا بلا وجه، ويغدو الإنسان مجرد احتمال منسي داخل دهاليز الخوف.

أما قصة “العطب” فتفتح بابا لسخرية سوداء تلتهم المنطق. ثلاثة أقزام في زي عمال النظافة يتولون التحقيق، وكل شهادة تُضاف إلى ملف البطل تتناقض مع الأخرى، حتى يتشقق تعريفه لنفسه بين شيخ يتلو القرآن ورجل يقرأ سارتر. يتكسر صوته تدريجيا، ويتحوّل إلى لغة غير مفهومة، كأن العطب لم يصب شخصه فقط، بل ضرب قدرة الإنسان على صياغة ذاته أمام سلطة لا تعترف بمعنى الحرية أو معنى الفرد.

أسلوب نصيب ينسل من بين الأصابع مثل حلم. الأمكنة تتحرك، والوجوه تظهر وتختفي، والواقع يبتعد خطوة تلو الأخرى ليكشف منطقة رمادية تذكّر بلوحات دالي. هذا ما التقطه رشيد منسوم حين قال إن عالم نصيب يبدأ بالحيرة وينتهي بها، غير أن هذه الحيرة ليست ضعفا، إنها حالة يقظة تُسائل الواقع وتفتحه على احتمالاته الخفية. وتتجلى هذه الحالة بقوة في: توجّس رجل يظن نفسه مُراقَبا، ثم يكتشف أن الرجل الأصلع ذا النظارة السوداء هو الذي يخشاه ويسأله عن سبب مراقبته. المشهد ينقلب، والضحية تصبح مرآة لجلاد خائف. إنها لعبة مرايا تُذكر بمتاهات بورخيس، حيث لا يعرف أحد من يراقب من، ولا أين تبدأ الحقيقة أو تنتهي.

عالم نصيب يبدأ بالحيرة وينتهي بها، غير أن هذه الحيرة ليست ضعفا، إنها حالة يقظة تُسائل الواقع

في “المدينة” حكاية عن وحدة حارقة تبدأ بوصف إنساني مألوف، ثم تتكشف الحقيقة المذهلة: الراوي قط يتجول في مدينة تغص بالجوع والعزلة. والتحول لا يصنع مفارقة هزلية فقط، إنما يعيد تعريف الألم باعتباره شعورا يتقاسمه البشر مع الكائنات الأصغر. فالمدينة هنا مساحة منفى، والأنثى التي يشتم رائحتها القط هي الخيط الأخير الذي يربطه بجدوى البقاء، ورغم بساطة الحكاية، هناك عمق وجرح.

رغم سريالية الجو وضغط السلطة، يحتفظ النص بجذر شفهي يذكّر بذاكرة البيوت الليبية وحكايات الجدّات. إلا أن هذه البساطة تنفتح على طبقات من الحسّ الإنساني الدافئ الذي يحرس قيمة الحرية وحق الإنسان في حياة صغيرة نظيفة.

في قصة “البيت” نجد فارس يعيد ترتيب الغرفة مرة بعد مرة، كأنه يعيد ترتيب روحه لا أثاثه. حلمه ببيت يتقاسمه مع جمانة هو محاولة لاستعادة مساحة تُشبهه بعيدا عن أنوف الآخرين ووصايتهم. الغرفة تصبح ساحة معركة صغيرة بين رغبة في الحياة وتدخل يقتل أبسط الأمنيات.

أما في “اللعبة” فنحن إزاء مشهد ينتزع فيه الحفيد اللعبة من جدته المسنة التي تبكي كالأطفال. خلف هذه الحركة البسيطة يختبئ موت الطفولة، وعودة الزمن إلى نقطة لا ترحم أحدا. الحياة كلها تتحول إلى لعبة نخسر فيها شيئا بعد آخر حتى نصل إلى عتبة البكاء ذاته.

“الحلم الذي ينأى” عمل وافد من مسافة إنسانية شاسعة. نصيب يكتب من موقع الألم الليبي المجبول بالحصار والقلق، لكنه يرفعه إلى مستوى أوسع يلامس تجربة الإنسان أينما كان. في كتابته مزيج من الخرافة واليومي، ومن الواقعي والسحري، بطريقة تُذكر بتجارب ماركيز التي تُحوّل الجرح المحلي إلى أسطورة إنسانية.

الحلم الذي ينأى

هذه القصص لا تُقرأ كأوراق، وإنما تُعاش كأنفاس متقطّعة تكشف لنا أن الحلم حين يبتعد لا ينطفئ، بل يدفعنا إلى ملاحقته، لأن البقاء نفسه قد يكون محاولة دائمة لإنقاذ ما تبقى من ضوئنا الداخلي.

​إن ما يميز تجربة فتحي نصيب في “الحلم الذي ينأى وقصص أخرى” ليس الحرفية في بناء القصة فقط، إنما هو الدفء الإنساني المتوهج تحت رماد السخرية والعبث. هذه المجموعة تكمن جاذبيتها في كونها تجعل القارئ شريكا، لا متلقيا، في تجربة الانكسار والبحث عن الخلاص. ولتبيين ذلك ثمة عناصر يجب الوقوف عندها.

​أولًا، في جمالية الصدق الوجداني: تتجلى قصص نصيب كآهات متراكمة، ففي قصة “البيت” نلمس جمالية الحنين البشري الفطري إلى المأوى، إلى الركن الخاص الآمن بعيدا عن أنوف ووساوس الآخرين. إن شغف البطل بترتيب المقاعد وإخفاء سلك الهاتف خلف الستارة ليس فعلًا ميكانيكيا، إنه تأسيس شعائري للحرية، محاولة يائسة ورائعة لتنظيم الفوضى الوجودية داخل جدران بسيطة.

​ثانيًا، في تفرد الأسلوب العميق: يمتاز نصيب بقدرته على الإيجاز المكثف الذي يخترق مسام الوعي. إننا لا نقرأ أحداثا، بل نقرأ نبضات قلب مهددة. أسلوبه يجمع ببراعة متناهية بين بساطة الحكي الشفوي (وهذا ما أشار إليه بعض النقاد الذين تناولوا تجربته)، وبين تقنية فنية راقية تخفي دلالات عظيمة. قصة “المدينة” التي تنتهي بكشف هوية الراوي (كقط)، هي ليست خدعة سردية، إنما تعبير وجداني متفرد عن مدى تجريد المنفى والوحدة للإنسان، حتى يصبح كائنا يبحث عن رائحة فصيلته في الأزقة، وهي ذروة إنسانية مؤلمة ترتقي بالقصة من مجرد حكاية إلى صيحة وجودية كونية.

​ثالثًا، في التميز الجريء للمقاربة: تتجلى القوة الحقيقية في قدرة نصيب على تناول مواضيع القمع والرقابة في “الزيارة” و”العطب”، ليس عبر الشعارات الصارخة، بل عبر الترميز الكابوسي الصامت. إنه يمس شغاف الروح التي تخاف، الروح التي تنهار حواجزها اللغوية أمام الاستجواب العبثي. هذه القصص ليست سجلًا تاريخيا، إنها استنطاق لضمير الضحية في لحظة انكشافها الأعظم.

​هذه المجموعة هي إثراء عميق ومتميز للأدب العربي والإنساني. إن فتحي نصيب، بوجدان مكشوف وأسلوب متفرد، لا يروي القصص، بل يزرع فينا بذرة الحلم الذي ينأى، تاركا خلفه إحساسا بأننا خرجنا للتو من تجربة حية، رغم مرارتها، أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والحرية. وتبقى قصصه، بكل ما فيها من تمزق وحيرة، همسًا لا ينقطع في سكون القلب.

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

6 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

7 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ