الثقافة

فتحي نصيب : سيرة مُعزَّزة لكاتبٍ عاش التجربة وكتبها

يُعدّ فتحي نصيب واحدًا من أبرز الأصوات السردية والفكرية في ليبيا خلال العقود الأربعة الأخيرة، لما تمتاز به تجربته الأدبية من عمق إنساني وفلسفي، ولما تتمتّع به سيرته الشخصية من زخمٍ نابع من المعاناة والتجربة والسفر والانغماس في العمل الثقافي العام.
فالكتابة عنده ليست مجرد نشاط إبداعي، بل شكل من أشكال المقاومة، ووسيلة لاستعادة الإنسان من براثن القمع والرقابة والغياب، لذلك غالبًا ما تتداخل في نصوصه مفردات الذاكرة والسجن والحرية والبحث عن المعنى.

السجن: التجربة التي صاغت الكاتب

تعرض فتحي نصيب للاعتقال السياسي في سن مبكرة، وقضى عشر سنوات كاملة في السجن — تجربة وسمت وعيه ونحتت صوته الأدبي، وتحوّلت لاحقًا إلى خلفية أخلاقية ومعرفية لنصوصه.
لم يكن السجن مجرد حدثٍ عابر، بل مرحلة تأسيسية جعلته أكثر احتكاكًا بأسئلة الوجود والعدالة، وأقرب إلى فهم هشاشة الحياة وقيمة الحرية، وهي ثيمة تتكرّر في أعماله القصصية ومقالاته الفكرية.

التكوين العلمي: الاقتصاد والسياسة بوصفهما عدسة لفهم العالم

يحمل فتحي نصيب:

  • بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية – جامعة بنغازي (1994)
  • دبلوم دراسات عليا في العلوم السياسية – جامعة بنغازي (1996)

هذا التكوين العلمي منح كتاباته قدرة على الجمع بين البعد الإنساني والبعد التحليلي، فصار قارئًا دقيقًا للواقع السياسي والاجتماعي، وباتت مقالاته النقدية تحمل طابعًا فكريًا واضحًا، قائمًا على الفهم لا على الانفعال، وعلى التفكيك لا على الشعاراتية.

المسار المهني والثقافي: من الصحافة إلى إدارة الثقافة

يتميّز فتحي نصيب بنشاط واسع داخل المؤسسات الإعلامية والثقافية، ومن أبرز مناصبه:

  • مدير إدارة التعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة (2012–2015)
  • رئيس تحرير مجلة “الهدف”
  • المشرف الثقافي لصحيفة “الهلال”
  • مدير تحرير مجلة “فضاءات”
  • مدير تحرير صحيفة “البلاد”

ولا يتوقّف نشاطه عند العمل المؤسساتي؛ فقد كان من المؤسسين لمنظمة “فال” للدفاع عن حرية الفكر والإبداع (2012)، وهي مبادرة تعكس حرصه على حماية الفعل الثقافي في بيئة غالبًا ما تتأرجح بين التقييد والانفراج.

الإعلام الثقافي: صوت يحاور الآخر

قدّم فتحي نصيب عددًا كبيرًا من البرامج الإذاعية ذات الطابع الثقافي، منها:

  • الباب المفتوح
  • محراب الفكر
  • كاتب وقصة
  • مرفأ الليل
  • أدوات الاستفهام
  • ديوان العرب
  • قصص وحكايات

هذه البرامج لم تكن مجرد مساحة للحديث، بل منصات حوارية عملت على تعزيز الذائقة العامة، وربط المتلقي الليبي بالإنتاج الأدبي العربي والعالمي، وإحياء حضور الأدب في الإعلام المفتوح.

حضور عربي واسع

لم يقتصر نشاطه الثقافي على الداخل الليبي؛ بل شارك في أمسيات وندوات في معظم العواصم الثقافية العربية:
بغداد – القاهرة – دمشق – عمّان – تونس – أصيلة – مراكش – بنغازي – طرابلس.

هذه المشاركات رسّخت اسمه في الذاكرة الثقافية العربية، ووضعت كتاباته ضمن سياق أوسع يتجاوز الحدود المحلية.

النشر في الصحافة العربية

نشر فتحي نصيب أعماله ومقالاته في مجموعة من المجلات والصحف، منها:

  • الفجر الجديد
  • الأسبوع الثقافي
  • جيل ورسالة
  • فنون
  • أخبار بنغازي
  • البلاد
  • أويا
  • برنيق
  • الكاتب العربي
  • أقلام العراقية
  • أدب ونقد المصرية
  • المساء المصرية
  • الأهرام الدولي
  • العرب
  • العربي الكويتية

وهو ما يكشف عن ديمومة حضوره في الإعلام الثقافي واستمرار تفاعله مع المشهد العربي.

إصداراته المنشورة

يملك فتحي نصيب رصيدًا أدبيًا متنوعًا، يجمع بين القصة القصيرة والمقالات الفكرية، من أبرزها:

1. المَدّ – مجموعة قصصية (1979)

عمل مبكر صادر في نهاية السبعينيات، لكنه صودر سياسيًا، ما يدل على جرأته الأولى في مواجهة الخطاب الرسمي.

2. مرايا السراب – مجموعة قصصية، مجلس الثقافة العام (2007)

مجموعة تبحث في الهشاشة الإنسانية وتحوّلات الذات الليبية في مواجهة العزلة والضياع.

3. مقاربات في الفكر والأدب – مقالات نقدية وفكرية، وزارة الثقافة الليبية (2013)

كتاب يرصد تحولات الثقافة الليبية ويفتح نقاشات حول السرد، الهوية، والحداثة.

الحلم الذي ينأى

4. الحلم الذي ينأى – مجموعة قصصية، دار روافد المصرية (2020)

أحد أهم أعماله الحديثة، يمتزج فيه السرد بالمجاز، وتكشف قصصه عن نبرة ناضجة تستثمر التجربة والحكمة والخيال.

  • المقامات – تأملات فكرية
  • هو وهي – حوارات وتساؤلات

وهما مشروعان يبدو أنهما يسعيان إلى توسيع مجال اشتغاله من السرد القصصي إلى النص المفتوح على الفلسفة والعلاقة الإنسانية.

فتحي نصيب… رؤية تحليلية

من يقرأ أعمال فتحي نصيب يكتشف أن الكاتب:

  • يكتب من داخل التجربة لا من خارجها.
  • يعيد طرح السؤال الوجودي بطريقة سردية لا تخلو من الشفافية.
  • يشتغل على اللغة بوصفها مرآة للوعي وبنية للذاكرة.
  • يوظّف خبرته السياسية في قراءة تحولات المجتمع الليبي.
  • يظل وفيًا لوجع الإنسان وحنينه، مهما تغيّرت الأزمنة.

لهذا يظهر في كتاباته دائمًا الإنسان الهشّ، المطارد، الباحث عن الضوء.

ختامًا

سيرة فتحي نصيب ليست مجرد قائمة مناصب أو أعمال؛ إنها مسار كاتب نجا من الاختناق وكتب الحياة.
كاتب اختبر السجن، وشارك في صناعة الوعي، وخاض شتات المدن العربية، وترك أثره في الصحافة والمؤسسات الثقافية، ومنح الأدب الليبي أحد أصواته الإنسانية العميقة.

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

4 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

5 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

6 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

7 أيام منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ