الجوانب الفكرية للرسوم والنقوش في الصحراء الليبية خلال عصور ما قبل التاريخ
د. التوفيق مسعود الهادي راشد– كلية الآداب / الاصابعة – قسم التاريخ
منذ عصور موغلة في القدم كانت الصحراء الكبرى عامة والصحراء الليبية خاصة تعج بالخيرات، حيث تكثر بها الوديان المليئة بالمياه والواحات. وكانت الجبال الداكنة التي نراها اليوم تكسوها الأعشاب والغابات وبها الكثير من الحيوانات مثل: الفيلة والزرافة وفرس النهر والتماسيح والنمور والنعام، فكانت بمثابة حديقة لشتى أنواع الحيوانات.
كان لا بد من قيام حضارات عريقة في تلك الصحراء التي كانت في يوم من الأيام ذات كثافة سكانية، فظهرت حضارة الصيادين، وهم الذين عبروا عن حياتهم اليومية بالرسم والنقش على الجدران للتعبير عن نشاطهم وحياتهم اليومية. فرسموا أنفسهم وهم يلبسون جلود الحيوانات لتمويه الحيوانات على جدرانهم، ونقشوا على الصخور الشباك المستخدمة في عمليات الصيد، ورسموا الأقنعة لأشكال الحيوانات المراد صيدها، والأسلحة الأخرى التي كانوا يستعملونها في الصيد مثل السهام والأقواس والحراب.
أما الرعاة، فقد جاءت رسوماتهم ونقوشهم أروع من الصيادين، حيث استعملت الألوان في الرسم وحاول فيها الفنانون إظهار حركة الحيوان والإنسان. ولذلك برعوا في فن الرسم والنقش، فأصبح من الطبيعي معرفة نمط حياتهم اليومية ونشاطاتهم. وخير الأمثلة على ذلك تلك الرسومات والنقوش التي وُجدت على ضفاف الأودية وداخل الكهوف وجدران الجبال، مثل وادي برجوج وأودية فزان وجبال الأكاكوس وتيبستي وتاسيلي وغيرها.
ومن هذا المنطلق جاءت أهمية هذا البحث. وحتى تكون دراسته سهلة وميسرة، تم تقسيمه إلى المباحث التالية:
منذ عصور موغلة في القدم كانت الصحراء الكبرى عامة والصحراء الليبية خاصة تعج بالخيرات، حيث تكثر بها الوديان المليئة بالمياه والواحات، وكانت الجبال الداكنة التي نراها اليوم تكسوها الأعشاب والغابات وتوجد في الصحراء الكثير من الحيوانات مثل الفيلة والزرافة وفرس النهر والتماسيح والنمور والنعام، فكانت بمثابة حديقة لشتى أنواع الحيوانات.
كان لا بد من قيام حضارة عريقة في تلك الصحراء التي كانت ذات كثافة سكانية، فظهرت حضارة الصيادين، وهم الذين عبروا عن حياتهم اليومية بالرسم والنقش على الجدران للتعبير عن نشاطهم وحياتهم اليومية. فرسموا أنفسهم وهم يلبسون جلود الحيوانات لتمويه الحيوانات على جدرانهم، ونقشوا على الصخور الشباك المستخدمة في عمليات الصيد، ورسموا الأقنعة لأشكال الحيوانات المراد صيدها، والأسلحة الأخرى التي كانوا يستعملونها في الصيد مثل السهام والأقواس والحراب. أما الرعاة فقد جاءت رسوماتهم ونقوشهم أروع من الصيادين، حيث استعملت الألوان في الرسم وحاول فيها الفنانون إظهار حركة الحيوان والإنسان، ولذلك برعوا في فن الرسم والنقش، فأصبح من الطبيعي معرفة نمط حياتهم اليومية ونشاطاتهم. وخير الأمثلة على ذلك تلك الرسومات والنقوش التي وُجدت على ضفاف الأودية وداخل الكهوف وجدران الجبال، مثل وادي برجوج وأودية فزان وجبال الأكاكوس وتيبستي وتاسيلي وغيرها.
ومن هذا المنطلق جاءت أهمية هذا البحث. ويهدف البحث بالدرجة الأولى إلى تسليط الضوء على معرفة المزيد من المعلومات حول الرسومات والنقوش في الصحراء الليبية الموجودة في أماكن متعددة، وتُعد حسب ما ذكره الباحثون بأنها كانت مهد الإنسان القديم، وإن رسوماتها تغطي فترات زمنية طويلة من تاريخ الإنسان القديم لدرجة عُرفت تلك الفترة بعصر الجرمنت الذين سيطروا على تلك الصحراء ودروبها، وتبين هذه الرسومات والنقوش علاقة الليبيين بالحضارات الأخرى.
وتكمن إشكالية البحث في ثلاثة أسئلة هي: كيف تمكن الإنسان القديم من معرفة الرسم والنقش على الصخور؟ وما الأسباب التي دعته إلى ذلك؟ وكيف تطور بعد ذلك إلى تلوين رسوماته؟
أما النطاق الجغرافي للرسومات الصخرية فإنها وُجدت معظمها في الصحراء الليبية والجبال المحيطة بها، وخاصة فزان أي في المناطق البعيدة عن الساحل، وتركزت في مناطق وأودية فزان. ويشير معظم الباحثين إلى أن الرسومات الصخرية في الصحراء الليبية لها أهمية كبيرة في كونها تغطي بمواضيعها كامل فترات فن الرسومات والنقوش الصخرية في تاريخ الإنسان القديم. والمنهج المناسب لهذه الدراسة هو المنهج التاريخي التحليلي لحاجة بعض المعلومات إلى تفكيكها وتحليلها.
تساؤلات الدراسة:
وقسمت هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث:
تعريف الرسوم والنقوش الصخرية: تمثل الرسوم والنقوش ضرباً من التعبير الإبداعي يتجسد في رسومات ونقوش قام بها الإنسان القديم على سطوح صخرية، وفي داخل الكهوف وخارجها وعلى ضفاف الأودية، أي في الهواء الطلق معرضة للهواء وضوء الشمس، للتعبير عن كل ما يحيط به من الأشياء. وتُعد تلك الرسومات والنقوش البدايات الأولى قبل معرفة الإنسان للكتابة (1).
يشير خزعل الماجدي إلى أن التقنية المستعملة من طرف أقدم أصحاب الرسومات والنقوش تبدو في أعين الفنان المعاصر شيئاً خارقاً من حيث إن النقوش عميقة ومتقنة، مما يدل على أنها حُفرت في الصخر أحياناً ورُسمت على الجدار أحياناً أخرى وبجهد وصبر كبيرين، مما أمكننا من التعرف على حياة الإنسان القديم في تلك العصور (2).
الأدوات التي استعملت في الرسوم والنقوش الصحراوية: استعمل الإنسان القديم عدة أدوات وطرق متعددة للرسم والنقش على الجدران والصخور، منها على سبيل المثال أدوات على شكل حدوة الفرس (U). وأحياناً استعمل الإنسان الصقل، وهو عبارة عن إعداد المكان أو الحجر قبل الرسم والتلوين، وهذه العملية تتم قبل بداية الرسم وغالبًا ما تكون في الرسومات الملونة. وهناك عملية أخرى استعملها الإنسان القديم أيضاً في النقش أو الرسم، وهي عملية التوتيد، وهي عبارة عن الدق أو الطرق، وتمثل ضربات متتالية على المكان بواسطة أزاميل أو منقار. وتقوم هذه العملية على ضربات مكثفة وعميقة ومحكمة (3)، حيث يمسك المنقار بيد ويدق بحجر باليد الأخرى كما يفعل الآن النحاسون حتى يصل العمل إلى الشكل المطلوب، وأن هذه التقنية تحتاج إلى جهد وصبر (4). وقد استخدم حجر الظران أو الصوان في النقش بحيث يكون للحجر حافة مدببة ربما يُنظمها الإنسان قبل بداية النقش (5).
شكل (1) أدوات من حجر الصوان استخدمت في النقش والرسم (عن خزعل الماجدي، المرجع السابق، ص 69. وكذا غانم، ص 63).
وهناك أيضاً طريقة التنقيط، وهذه ربما تكون على مواد لينة وليس على أحجار صلبة مثل الرسم على بيض النعام وبعض الأشياء الأخرى اللينة. ووصلت خبرة الإنسان القديم إلى استخدام الرمل كصنفرة أو تلميع للصقل وبلغوا في ذلك درجة عالية من الإتقان والجودة العالية (6).
كانت الألوان المستعملة متعددة منها: الأحمر الأرجواني، والأخضر، والأبيض، والأصفر، والأسود، وحسب خبرات الإنسان القديم (7). كانت البدايات الأولى الشحم المحروق، وأحياناً مخلفات النار أي الأخشاب المحروقة، ثم تطورت إلى الأصباغ المتعددة. وقد استعمل الإنسان القديم الريشة في التلوين التي عادة ما تكون من ريش النعام والطيور الأخرى وأيضاً من شعر بعض الحيوانات الأخرى، وأحياناً يستخدم الإنسان القديم أحد أصابعه في التلوين مع وضع المسحوق في كفه. وقد استعان الإنسان العصا الطويلة للرسم في الأماكن العالية (8). ومن وجهة نظري هذه الطرق لا زالت موجودة في الوقت الحاضر. ومن خلال زيارات الباحث لجبال الأكاكوس، لاحظ أن جُل الرسومات والنقوش قد وُجدت على الجهات الجانبية التي ربما كان يجلس بجانبها الإنسان أثناء وقت الفراغ، وأحياناً على صخور خارجية مسطحة ومرتفعة وفي أماكن مكشوفة.
أهم الآراء التي دارت حول ظهور الرسومات والنقوش الصحراوية: يشير ج. فلامند (G. Flamand) إلى أن أقدم تاريخ للرسوم الصخرية هو الألف السادسة قبل الميلاد، في حين يرى هـ. برويل (H. Breuil) أن بداية الرسوم الصخرية تعود إلى نهاية العصر الحجري القديم الأعلى، وتحديدًا إلى فترة الحضارة القفصية العليا، ويضيف أن رسوم الحيوانات التي ظهرت متأخرة في فزان لا يستبعد أنها تعود إلى العصر الحجري الحديث (9). ويخالف هذا الرأي هنري لوت الذي يشير إلى أن الرسومات الطبيعية في الصحراء الليبية تعود إلى الألف السادسة قبل الميلاد إن لم يكن سابقة لذلك. أما ج. كامبس (G. Camps) فيُرجح أن الرسوم الصخرية ذات الأسلوب الطبيعي والكبيرة الحجم التي تمثل الأبقار وغيرها تعود إلى فترة زمنية واحدة (10). كما يشير فوفري في غانم إلى أن الرسوم الصخرية ذات الأسلوب الطبيعي والكبيرة الحجم هي من بين المظاهر الأولى للعصر النيولتي في المغرب القديم (11). أما مهران فيشير إلى أن الرسومات الصخرية تمتد من حوالي منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد وحتى…
… منتصف الألف الأولى قبل الميلاد (12). ويضيف موري أن الرسومات الصخرية يصعب تحديد تاريخها بدقة متناهية، ويرى أنها تعود لفترة تاريخية تسبق الألف الثامنة قبل الميلاد. ويؤيد هذا الرأي هنري لوت، ويضيف أن الرسومات التي ترجع إلى دور الرعاة تعود إلى فترة زمنية طويلة تبدأ مع نهاية الألف السادسة قبل الميلاد وتنتهي مع نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد (13).
ومهما تعددت الآراء في هذا الموضوع، تبقى حقيقة الرسوم الصخرية شاهداً على حياة الإنسان القديم في الصحراء الليبية، والتي تُعد مهد النبات والإنسان والحيوان. وتشهد تلك الرسومات والنقوش بأن هناك حضارات عريقة قامت فوقها، وأنها كانت زاخرة بالبحيرات والأنهار والعيون والوديان، وتكسوها الغابات وبها شتى أنواع من الحيوانات، وبها حركة بشرية وتجارية من خلال تجارة القوافل الصحراوية.
الصحراء الليبية مهد الرسوم والنقوش الصحراوية: تتميز ليبيا منذ القدم بموقع جغرافي مهم جعلها عرضة لشتى أنواع الاستعمار القديم، وإلى شعوب وافدة إليها وحضارات قديمة قامت على أرضها، منها حضارة الفينيقيين والإغريق والرومان وغيرهم. فهي بمثابة جسر لكثير من الشعوب المهاجرة بين الشرق والغرب، ومن شمال البحر المتوسط إلى الصحراء الكبرى جنوباً. وبذلك لعبت الواحات الليبية في الصحراء الليبية دوراً مهماً في حركة الاستيطان والتحكم في طرق التجارة الصحراوية. ويشير هيرودوت إلى أن ليبيا القديمة تمتد من نهر النيل في الشرق حتى أعمدة هرقل في الغرب، ومن البحر المتوسط شمالاً حتى الحدود الجنوبية التي تتغير حسب الظروف السياسية بين فترة وأخرى (14).
لقد ورد اسم ليبيا في العديد من المصادر القديمة حيث تشير المصادر الفرعونية إلى أن القبائل الليبية تمتد إلى الغرب من وادي النيل خلال الألف الثانية قبل الميلاد، وأطلقوا عليهم اسم الليبو أو الريبو نسبة إلى إحدى هذه القبائل، وهي قبيلة الليبو المجاورة لوادي النيل التي كانت في صراع مع الفراعنة (15). كما ورد اسم ليبيا في عدة مواضع من التوراة بلفظ لوبيين ولوبيون (16). وظهر الاسم أيضاً في النقوش الفينيقية على شكل لوبي ولبيت، كما وُجد اسم ليبيا على نقش في معبد للإله آمون في المحيجيبة بالقرية الخضراء في ترهونة على شكل (لوبيم أرض الليبيين) (17). كما ورد الاسم عند الإغريق بمسميات عديدة فقد جاء على لسان هيرودوت على أن ليبيا في عصره هي إحدى قارات العالم القديم الثلاث (ليبيا وآسيا وأوروبا) (18). ثم أُطلق الاسم على شمال أفريقيا، ثم تقلص الاسم بعد ذلك وأصبح يطلق على قوريني (شحات الحالية) (19). وقد تداول الاسم الكتّاب المسلمون أمثال ابن خرداذابة وابن عبد الحكم اسم ليبيا بمسميات مشابهة (20). وهذا يعني أن الاسم كان متداولاً منذ أقدم العصور القديمة، غير أنه لم يأخذ معناه الحقيقي إلا بعد الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911م (21).
تشكل الصحراء الليبية الجزء الأوسط من الصحراء الكبرى، وهي المنطقة التي تشكل الجزء الأهم من الرسومات والفن الصخري؛ لأنها كانت خلال العصر الحجري القديم والأوسط تعج بالنباتات والحيوانات والبشر. والصحراء الليبية ليست كلها رمال، وإنما كانت هناك سلاسل جبلية مغطاة بالغابات بها الكهوف التي كانت مأوى للإنسان القديم، وهناك أيضاً مرتفعات صخرية وأودية جافة ربما كانت في يوم من الأيام فروعاً لأنهار دائمة الجريان مثل نهر النيل والنيجر. يعلّل ذلك وجود العديد من الرسومات لحيوانات مائية مثل الأسماك، حيث تظهر لنا الرسومات والنقوش صوراً للصيادين وهم…
… يستعملون الحراب الشائكة الطويلة وهم واقفون في القوارب (شكل 2)، ويشير البعض إلى أن رسومات القوارب كانت موجودة في الصحراء الليبية وعلى حواف جبال الأكاكوس وزنككرا. (شكل 2) عن باركنجتون، المرجع السابق، ص 661.
لقد كان سكان الصحراء الليبية مجبورين على صناعة القوارب وذلك لوجود البحيرات والأنهار، وأن تلك القوارب كانت من إنتاج أقوام ليبية؛ لأن الفنون والرسومات في الصحراء الليبية كانت سابقة لفنون وادي النيل (22). كذلك وُجدت رسومات للتماسيح وأفراس النهر مرسومة على تلك الأودية والصخور. وقد عاش الإنسان القديم داخل كهوف الجبال وعلى ضفاف الأودية وعبر عن حياته اليومية بالرسم والنقش على الحجر؛ يعلّل ذلك وجود العديد من الرسومات التي تؤكد ذلك، ومنها رسومات الفيل والزرافة والأسد والنمر والغزلان وحيوان المستدون الذي كان بحجم الفيل ويتغذى على نباتات كثيرة، ووجوده في الصحراء الليبية يدل على كثرة الغابات والمراعي فيها. وقد كان الإنسان يعبر في رسوماته عن العديد من أدوات الصيد التي كان يستعملها في صيد الحيوانات منها السهام والحراب والعصي وغيرها (شكل 3). (شكل 3) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
وعلى هذه الأودية والصخور وُجدت العديد من الرسومات والنقوش ومنها وادي الآجال ومكنوسة وجبل زنككرا الذي شهد أعرق الحضارات وهي حضارة الجرمنت، ووادي برجوج غربي فزان، ووادي غنيمة في شرقها (23).
لقد كانت تلك الصحراء ذات ظروف صحراوية تختلف تماماً عن الظروف الحالية من حيث خصوبة تربتها وغزارة أمطارها وكثرة أنهارها ومستنقعاتها، وبحيراتها تكسوها النباتات والغابات؛ مما ساعد على حياة الإنسان والحيوان على حد سواء (24). وهذا ما دلت عليه الرسومات والنقوش الصحراوية التي رافقت حياة الإنسان القديم. فوجود بقايا الأشجار والحيوانات المتحجرة دلالة على أن الصحراء كانت في يوم من الأيام ذات مناخ ممطر يختلف عما هو عليه الآن، ويعلّل وجود الأدوات المتحجرة مثل الفؤوس الحجرية وغيرها على أنها كانت ذات نشاط سكاني وملائمة للحياة البشرية (25).
لقد عبرت الرسومات الصخرية والفن الصخري عن حضارات عريقة في تلك الفترات المبكرة، منها على سبيل المثال لا الحصر حضارة الصيادين، وربما يكون الصيادون هم أصحاب تلك الرسومات. ولقد عبرت تلك الرسومات عما يجول في خاطر الإنسان القديم وأفكاره ونشاطاته، وتُعد الصحراء الليبية سجلاً فنياً حافلاً ومكتملًا لحياة الإنسان القديم، أمكن من خلالها معرفة حياته من جميع جوانبها (26).
المراحل التي مرت بها الرسوم الصخرية: مرت الرسوم والنقوش الصخرية بالعديد من المراحل قد تكون متشابهة إلى حد بعيد في مضمونها وأفكارها. وقد قسم المؤرخون هذه الرسومات والنقوش الصخرية حسب الموضوعات التي وُجدت من أجلها والمطابقة لها، وقد حددها المؤرخون في أربعة مراحل هي:
شكل (4) أشكال بشرية برؤوس مستديرة (نقلاً عن خزعل الماجدي، المرجع السابق، ص 141).
شكل (5) العربات التي تجرها الخيول (متحف شحات) تصوير الباحث.
وهذا التقسيم ليس هامشياً، وإنما جاء بناءً على تطور الفترات المناخية التي مرت بها الصحراء الكبرى عامة، والصحراء الليبية خاصة، وهي: الفترة المطيرة الأولى، ثم فترة الجفاف الأولى، بعدها الفترة المطيرة الثانية، يليها فترة الجفاف الثانية، والتي لا زالت مستمرة حتى الوقت الحاضر (31).
لقد رافقت الرسومات والنقوش الصخرية مرحلة العربة والحصان في تاسيلي والأكاكوس، ومن الملاحظ أن هذه الرسوم والنقوش تكون هندسية وذات رسوم وزخارف مستقيمة وخطوط متقاطعة، مثل العربة التي تجرها الجياد. وقد رافقت تلك الرسومات أيضاً عصر دخول الجمل في حوالي القرن الرابع الميلادي، فهناك نقوش صحراوية نُقشت بشكل منقط ترافق صور الجمل (32)، وهي بمثابة كتابة تصويرية، مثلها مثل الكتابة الهيروغليفية والمسمارية؛ لذلك يمكن أن تكون الكتابة الليبية القديمة كانت بدايتها من تلك الرسومات والنقوش الصخرية. وعن طريقها تمكن الباحثون من معرفة الحياة اليومية للإنسان القديم من جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية التي كان الإنسان القديم يتبعها في تلك الفترة. ففي فزان مثلاً وتحديداً في جرمة، كشفت التنقيبات على أمفورات منقوشة. فلم يخلف الجرمنت كتابة تدل على طرق حياتهم وتفكيرهم وثقافتهم، لكنهم تركوا لنا نقوشاً ورسومات في أماكن سكناهم وتنقلاتهم تدل على ذلك كله. فمن العربات التي تجرها الخيول، إلى حفلات الرقص التي كانوا يقيمونها في مناسبات مختلفة، إلى طرق صيدهم للحيوانات المتوحشة، إلى فنون الحرب والمصارعة، كل ذلك يدل على أنهم لهم قدرة عالية على العلم والتفكير.
لذلك يشير الباحثون إلى أن الهدف من معرفة ما تحتويه هذه الرسومات والنقوش الصحراوية هو الوصول إلى حل إشكالية ظهور الكتابة الليبية القديمة، (النص هنا غير واضح ومحتمل عكسه)، وأيضاً الأشكال البشرية، والوظائف التي كان يؤديها الإنسان القديم في الطبيعة، ومنها رسومات تظهر جماعة وهم يوجهون قطعانهم نحو المرعى المراد الرعي فيه، وآخرون يقومون بعملية قنص للحيوانات ويرتدون جلود الحيوانات المراد صيدها وصور شباكهم وأقنعة للتمويه، مثل أقنعة رؤوس الغزلان عند اقترابهم من الفريسة. كما وُجدت رسومات لها طابع سحري تعبدي مع وجود المعبودات، وبذلك أمكن التعرف على الآلهة والمعبودات التي كان الإنسان القديم يخشاها ويتقرب إليها (66).
يرجع السبب في ذلك إلى تجسيد مشاعر الخوف والتضرع. كما ظهرت أنواع من الرسومات والنقوش انعكاساً لابتكار الكتابة ظهرت على المزهريات والأمفورات وكذلك على الأعمدة. كما وُجدت الرموز الهندسية مثل النقط والخطوط المنحنية والمتقطعة والمنكسرة، وكذلك المثلث والدائرة والمربع. فجاءت جُل الرسومات في وضع حركي ينبض بالحياة (61). على سبيل المثال هناك حيوانات رُسمت بخطوط منكسرة، أما الأشخاص فيتم رسمهم على شكل مثلثين متعاكسين يعلوهما عمود صغير. (وُجد النقش على حائط الصخر بالجبل ربما زنككرا) مثل فيه جسم الشخص بمثلثين متقاطعين والأطراف بخطوط مستقيمة والرأس على هيئة رأس السهم (65).
فجاءت جُل الرسومات في وضع حركي ينبض بالحياة، وعُرف هذا العصر بـ “عصر الصيادين“؛ لأن الموضوع الرئيسي الذي كان يفكر فيه الإنسان في تلك الفترة هو الصيد. وقد استخدم الإنسان طرقاً وأدوات متعددة لصيد الحيوانات، وقد وُجدت تلك الأدوات على جدران الكهوف والجبال والمغارات التي كان الإنسان يلجأ إليها. والملاحظ هنا أن صور هذه المرحلة لا تكتفي برسومات الحيوانات فقط، وإنما الصور البشرية أيضاً التي تمثل إما رجالاً عراة أو رجالاً مسلحين (69). وقد قام الصيادون بتنفيذ تلك الرسومات بدقة وبأدوات بسيطة كانت مصنوعة من الحجارة، وإن الموضوعات التي تناولتها تلك الرسومات والنقوش كانت موضوعات واقعية. وهناك العديد من هذه الرسومات والنقوش في فزان مثل وادي برجوج ووادي تراغن (الذي تم اكتشاف أول صورة منقوشة فيه)، ووادي فضفاض في حمادة مرزق، وكذلك جبال الأكاكوس (Arrechin) قرب غات (67).
يشير باتيس إلى أن الرسم الجداري هو جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان القديم اليومية، وخير دليل على ذلك رسم يمثل اثنين من الصيادين متنكرين بلباس حيوانات ربما لغرض التمويه ويقتربون من ثور، وهذه عينة من فن التصوير البدائي. ورسم آخر يمثل حيواناً يمشي نحو فخ نُصب له، ويشاهد دقة الفنان في إظهار الأرجل الأربعة للحيوان. وجُل هذه الرسومات تشير إلى أشياء متحركة، وتعكس هذه الرسومات محاولات لرسم أشياء كان الإنسان يراقبها. ويمثل ذلك لوحة يجرها حصانان تنطلق هاربة من صاحبها الذي يحاول اللحاق بها وبيده سوطاً (68). وهكذا فإن الإنسان القديم في الصحراء الليبية قد ترك لنا أجود الأعمال الفنية الحقيقية. ومن أهم الرسوم تلك الرسومات التي وُجدت في وادي ماتخندوش التي تمثل زرافتين في حجمهما الطبيعي وخالية من العيوب، كذلك رسوم لفيلة. وقد وُجدت في عين غليون رسومات تمثل فيلين في حجمهما الطبيعي متبوعة بصيادين يتأهب أحدهما لإطلاق النبال على الفيلة.
ومن الرسومات التي تمثل النقوش تلك التي تمثل نقشاً لفرس النهر، وهي من أهم النقوش في جبال الأكاكوس، وقد تأكد أن تلك الرسومات قد رُسمت من الفنان نفسه (66).
أيضاً كان للرسومات الصخرية أهميتها لمعرفة أنواع من العبادات التي كان الإنسان القديم يقوم بها خلال عصور ما قبل التاريخ. فهناك رسومات تتحدث عن الموت والحياة، وهناك رسومات تميل إلى تقديس بعض الظواهر الطبيعية مثل الآبار والعيون، أو بعض الحيوانات التي كان الإنسان يخشاها، وخير مثال على ذلك الكباش والثيران التي تحمل أقراصاً بين قرونها (رسم 9). شكل (9) (وصف رسم الكبش أو الثور الحامل لقرص الشمس بين قرنيه). قدسهم الليبيون تحت مسمى الإله آمون (عن باتيس، المرجع السابق، ص 167، وكذا غانم، المرجع السابق، ص ص 151، 155). التي وُجدت في الصحراء الليبية قبل وجودها في وادي النيل
ويدل وجود تلك الرسومات في الصحراء الليبية على أنها كانت ذات كثافة سكانية، ليس هذا فحسب بل كانت تكثر بها الحيوانات أيضاً، وبذلك لا نبالغ إذا قلنا إن الصحراء الليبية كانت بمثابة حضارة عريقة استمدت منها باقي الحضارات القديمة الأخرى طرق وحياة الإنسان القديم عبر عصوره المختلفة
لقد أشارت الرسوم والنقوش الصخرية إلى أنواع الملابس التي كان يرتديها الليبيون القدماء. ويشير نوتن الذي اكتشف عدداً كبيراً من النقوش والرسوم الصخرية في جبل العوينات إلى وجود بعض أنواع من الملابس التي أظهرتها تلك الرسومات منها: العباءة الطويلة التي تتدلى من الأمام إلى الخلف والعباءة البيضاء وعلى جبال الأكاكوس رُسمت المرأة وهي ترتدي تنورة، وفي المكان نفسه أظهرت الرسومات رجلاً وهو يمارس حرفة الرعي، ويرتدي تنورة، ويحمل عكازاً. وتُعد العباءة من أشهر الملابس التي عرفها الليبيون، وقد ظهرت بكثرة في النقوش والرسومات المصرية القديمة. إلى جانب أن هذه الرسومات قد أوضحت لنا أدوات الزينة وأنواع الأحذية التي كان يستعملها الليبيون في الصحراء الليبية. وهكذا عن طريق الرسومات أمكننا معرفة أن هناك حضارة ليبية كانت قائمة في الصحراء الليبية لها الفضل الكبير على الحضارات الأخرى لمعرفة حياة الإنسان القديم من جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وانتقالها إليها.
لقد أظهرت لنا الرسومات والنقوش العلاقة بين الحضارة الليبية والحضارات الأخرى منها الحضارة الفرعونية والفينيقية والإغريقية، وعلى سبيل المثال ظهرت الرسومات التي تصور القوارب والحيوانات التي وُجدت على مقبض سكين جبل العرق في الوجه القبلي في وادي النيل، ذلك أن القوارب كانت موجودة في الصحراء الليبية قبل وادي النيل. كما أفادتنا صلاية الأسود التي ظهر عليها العديد من الرجال الذين يحملون العصي والرماح وأدوات الصيد، ويتحلى بعضهم بريشة أو خصلة من الشعر، وهي صفة من صفات الصيادين الليبيين في الصحراء الليبية. وأوضحت لنا صلاية منقوشة من الوجهين في الرسومات والنقوش الليبية بعض الحيوانات الموجودة في الصحراء الليبية من بينها الأسود والماعز والكلاب وغيرها. كما أظهرت لنا الرسومات العديد من الحيوانات التي تحصل عليها الفراعنة من الليبيين. كل ذلك يدل على ثراء الصحراء الليبية بالحركة من البشر والحيوانات المتعددة التي تم التعرف عليها من خلال تلك الرسومات والنقوش الصخرية، ولولا تلك الرسومات والنقوش ما أمكننا التعرف على حياة الإنسان في تلك العصور الغابرة وتنوع الحضارات في الصحراء الليبية.
الخاتمة: من خلال هذا البحث يتضح لدينا العديد من النتائج نذكر منها:
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…
بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…