أفانين
البودكاست
أقلام

“البودكاست” وتحولات الإعلام: بناء الثقة في زمن غرف الصدى

بقلم : حسين الإبراهيم

حسين الإبراهيم
حسين الإبراهيم

 ماذا يعني أن يتحول البودكاست من مساحة هامشية للهواة إلى منصة في قلب الصحافة الحديثة؟

• كيف استطاع البودكاست أن يعيد تشكيل العلاقة بين الصحفي والجمهور في زمن الإعلام الرقمي؟

• لماذا أصبح البودكاست اليوم أداة للتثقيف وبناء الثقة، وليس مجرد وسيلة ترفيهية؟

• ماهي التحديات التي تواجه البودكاست وهو يسعى لترسيخ نفسه كصحافة بديلة؟. 

منذ سنوات قليلة، كنا ننظر الى البودكاست كمساحة جانبية للهواة، لا تتجاوز حدود التجارب الفردية أو الحوارات غير الرسمية. لكن اليوم، ومع التحولات المتسارعة في الإعلام الرقمي، أصبح البودكاست في قلب النقاش حول مستقبل الصحافة الحديثة.

في الكونغرس العالمي للإعلام 2024، لم يكن الحديث عن البودكاست مجرد استعراض لتقنيات جديدة، بل محاولة جادة لفهم كيف انتقل من الهامش إلى مركز صناعة المحتوى، وكيف بات يفرض نفسه كأداة رئيسية لإعادة تشكيل العلاقة بين الصحفي والجمهور.

الجلسة التي حملت عنوان “تطور وسائل الإعلام: البث الصوتي والصحافة والمرونة الإذاعية” كشفت عن ملامح هذا التحول، حيث أكد الخبراء أن البودكاست لم يعد مجرد وسيلة ترفيهية، بل أصبح منصة للتثقيف، بناء الثقة، وإعادة تعريف الصحافة في زمن الخوارزميات والانتشار السريع. وبينما يواصل الراديو حضوره التقليدي في مناطق عدة، يفتح البودكاست آفاقًا جديدة للصحافة الرقمية، ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام وسيلة إعلامية عابرة، أم أمام حجر أساس في مستقبل الإعلام؟

من الهامش إلى المركز

قبل عقدين من الزمن، كان البودكاست أقرب إلى تسجيلات شخصية تُبث عبر الإنترنت بلا ضوابط تحريرية واضحة. لم يكن يُحسب له وزن في صناعة الإعلام، بل كان يُعتبر امتدادًا للهوايات الفردية أو محاولات بديلة للراديو التقليدي. لكن هذا التصور تغيّر جذريًا مع صعود الإعلام الرقمي وتحوّل الجمهور نحو منصات أكثر مرونة وتفاعلية.

اليوم، أصبح البودكاست في قلب المشهد الإعلامي، يفرض نفسه كأداة رئيسية لإنتاج محتوى صحفي وتحليلي، ويمنح الصحفيين والمبدعين مساحة للتجريب بعيدًا عن قيود المؤسسات التقليدية.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تحوّل برنامج “The Daily” الذي تنتجه صحيفة نيويورك تايمز إلى مصدر يومي للأخبار والتحليل، يستمع إليه ملايين الأشخاص، ويُعتبر امتدادًا للصحافة المكتوبة في صيغة صوتية أكثر قربًا من الجمهور.

وفي الوطن العربي، برزت منصات مثل “بودكاست فنجان” في السعودية، التي أصبحت مساحة حوارية مفتوحة تناقش قضايا فكرية واجتماعية بعمق، بعيدًا عن الإيقاع السريع للأخبار اليومية. كذلك، أطلقت مؤسسات إعلامية كبرى مثل الجزيرة وبي بي سي عربي برامج بودكاست متخصصة، لتواكب التحول الرقمي وتصل إلى جمهور جديد يبحث عن محتوى معمّق يمكن الاستماع إليه في أي وقت.

هذا الانتقال من الهامش إلى المركز لم يكن مجرد توسع في الشكل، بل إعادة تعريف لدور الصحافة نفسها. فالبودكاست لم يعد مجرد وسيلة ترفيهية، بل أصبح منصة لإنتاج المعرفة، وبناء الثقة، وتقديم سرديات بديلة تتجاوز ما يُعرض في نشرات الأخبار التقليدية. إنه يفتح المجال أمام الصحفيين لتجريب أساليب سردية جديدة، ويمنح الجمهور فرصة للتفاعل مع المحتوى بطريقة أكثر شخصية ومرونة.

البودكاست كصحافة بديلة

لم يعد البودكاست مجرد وسيلة ترفيهية أو مساحة للهواة، بل أصبح اليوم منصة صحفية بديلة تعيد تعريف العلاقة بين الصحفي والجمهور. في زمن تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات والهواتف، يمنح البودكاست المستمع فرصة للتوقف، الإصغاء، والتعمق في القضايا بعيدًا عن ضجيج العناوين السريعة. إنه يتيح للصحفيين مساحة للتجريب السردي، ويمنح الجمهور إحساسًا بالشراكة المباشرة، حيث يصبح المستمع جزءًا من الحوار لا مجرد متلقٍ سلبي.

في جلسة “تطور وسائل الإعلام: البث الصوتي والصحافة والمرونة الإذاعية” خلال الكونغرس العالمي للإعلام 2024، شدد الخبراء على أن البودكاست يمثل أكثر من مجرد صيغة تقنية جديدة؛ إنه أداة لإعادة بناء الثقة بين الإعلام والجمهور.

• د. حمد الكعبي أشار إلى أن تبني البودكاست في الشرق الأوسط جاء متأخرًا نسبيًا، لكنه أحدث تأثيرًا كبيرًا، محذرًا من أن الإعلام التقليدي قد يفقد أهميته إذا لم يتكيف مع هذا التحول.

• إيناس الرفاعي ركزت على المخاطر المرتبطة بغرف الصدى، حيث يمكن أن يتحول البودكاست إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج نفس الأفكار دون تنوع أو نقد.

• كيفن واي براون تحدث عن دور البودكاست في تعزيز الشفافية والمساءلة، خاصة في أفريقيا حيث ما يزال الراديو الوسيلة الأكثر انتشارًا، لكنه يرى أن البودكاست يفتح أفقًا جديدًا للتفاعل المباشر مع الجمهور.

• أما أنوب أومن فقد وصف البودكاست بأنه “حجر أساس الإعلام الحديث”، مشبهًا تأثيره بالثورة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي قبل عقد من الزمن.

هذه الأصوات تكشف أن البودكاست لم يعد مجرد خيار إضافي، بل أصبح جزءًا من البنية الإعلامية الحديثة، يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الصحافة: كيف يمكن الحفاظ على النزاهة في فضاء مفتوح؟ وكيف يمكن استثمار هذه المرونة لبناء إعلام أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على مساءلة السلطة؟

المرونة الإذاعية والتكامل

على الرغم من أن البودكاست يفرض نفسه اليوم كأحد أبرز أدوات الإعلام الرقمي، فإن الراديو ما زال يحتفظ بمكانته التقليدية، خاصة في مناطق مثل أفريقيا والشرق الأوسط، حيث يشكل وسيلة رئيسية للوصول إلى الجمهور. هذا الحضور المستمر للراديو يفتح المجال أمام رؤية جديدة لا تقوم على الصراع بين الوسيلتين، بل على التكامل بينهما.

في جلسة الكونغرس العالمي للإعلام، شددت إيناس الرفاعي على أن الراديو ما زال يتمتع بقدرة فريدة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا في البيئات التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية الكاملة. في المقابل، أشار كيفن واي براون إلى أن البودكاست يوفر مساحة أكثر مرونة، حيث يمكن للمستمع أن يختار المحتوى الذي يناسبه ويعود إليه في أي وقت، مما يعزز التفاعل الشخصي ويمنح الجمهور إحساسًا بالملكية على تجربته الإعلامية.

هذا التباين لا يعني أن أحدهما يلغي الآخر، بل يكشف عن إمكانية التكامل:

• الراديو يظل وسيلة جماهيرية فورية، قادرة على نقل الأخبار العاجلة والرسائل العامة بسرعة.

• البودكاست يقدم محتوى معمقًا، تحليليًا، وشخصيًا، يمكن أن يواكب الراديو ويكمله عبر تقديم خلفيات موسعة أو تحقيقات معمقة.

في الواقع، بدأت بعض المؤسسات الإعلامية بدمج الوسيلتين، حيث تُبث البرامج أولًا عبر الراديو ثم تُعاد صياغتها كبودكاست متاح عند الطلب، مما يضمن استمرار الحضور الجماهيري مع توفير مرونة رقمية. هذه الصيغة المزدوجة تعكس أن مستقبل الإعلام ليس في استبدال وسيلة بأخرى، بل في بناء منظومة متكاملة تستجيب لتنوع الجمهور واحتياجاته.

التحديات

إذا كان البودكاست قد نجح في الانتقال من الهامش إلى المركز، وفي تقديم نفسه كصحافة بديلة تتكامل مع الراديو، فإن هذا الصعود لا يخلو من تحديات جوهرية تهدد مصداقيته واستدامته. فكما أشار الخبراء في الكونغرس العالمي للإعلام، فإن قوة البودكاست تكمن في مرونته، لكن هذه المرونة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُضبط بمعايير واضحة.

أبرز هذه التحديات يتمثل في غرف الصدى، حيث يقتصر المحتوى على إعادة إنتاج نفس الأفكار داخل دوائر مغلقة، مما يضعف التنوع ويحد من قدرة الإعلام على تمثيل تعددية المجتمع. هذا الخطر يجعل البودكاست عرضة لأن يصبح أداة للتأكيد على القناعات المسبقة بدلًا من فتح آفاق جديدة للنقاش. كذلك، هناك الخلط بين الرأي والتغطية الصحفية، إذ قد يختفي الخط الفاصل بين السرد الشخصي والتحقيق الصحفي، مما يهدد نزاهة المحتوى ويضع المستمع أمام مشهد إعلامي مشوش.

إلى جانب ذلك، يواجه البودكاست تحديًا في غياب المعايير الأخلاقية الواضحة. ففي الوقت الذي تلتزم فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية بمواثيق تحريرية صارمة، يظل البودكاست فضاءً مفتوحًا قد يفتقر إلى الضوابط التي تضمن المصداقية والشفافية.

هذه التحديات لا تعني أن البودكاست مشروع هش، بل تكشف عن الحاجة إلى تنسيق وتكامل بين الوسائل المختلفة، بحيث يستفيد البودكاست من خبرة الراديو في الانضباط التحريري، ويضيف إليه مرونته الرقمية وقدرته على الوصول إلى جمهور متنوع. بهذا الشكل، يصبح البودكاست ليس مجرد بديل، بل جزءًا من منظومة إعلامية متكاملة قادرة على مواجهة أزمات المصداقية وبناء ثقة جديدة مع الجمهور.

الفرص والتحولات المستقبلية

رغم التحديات التي تواجه البودكاست، فإن الفرص التي يفتحها أمام الإعلام الحديث تبدو أوسع وأكثر تأثيرًا. فالبودكاست لا يقتصر على كونه وسيلة لنقل الأخبار أو الآراء، بل أصبح أداة للتثقيف، وبناء الثقة المجتمعية، وتمكين فئات جديدة من المشاركة في صناعة المحتوى. هذه المرونة تمنحه قدرة فريدة على التكيف مع احتياجات الجمهور، وتجعله منصة قادرة على إعادة تشكيل المشهد الإعلامي في السنوات القادمة.

أحد أبرز هذه الفرص يتمثل في التعليم والتثقيف. فالبودكاست يوفر محتوى يمكن أن يُستخدم كأداة تعليمية، سواء في المدارس أو الجامعات أو برامج التدريب المهني، حيث يتيح للطلاب والمتعلمين الوصول إلى معلومات معمقة بأسلوب سردي جذاب. كما أنه يفتح المجال أمام الصحفيين لتقديم تحقيقات استقصائية أو ملفات تحليلية بطريقة مبسطة، مما يعزز وعي الجمهور ويمنحه أدوات لفهم القضايا المعقدة.

إلى جانب ذلك، يشكل البودكاست فرصة لـ بناء الثقة بين الإعلام والجمهور. ففي زمن تتراجع فيه مصداقية بعض المؤسسات الإعلامية، يمنح البودكاست المستمع إحساسًا بالشفافية والحميمية، حيث يسمع الصوت مباشرة من الصحفي أو المقدم، ويشعر بأنه جزء من الحوار. هذا القرب يعزز العلاقة بين الطرفين، ويعيد للصحافة دورها كجسر بين الحقيقة والمجتمع.

ومع استمرار هذا التحول، يطرح البودكاست سؤالًا جوهريًا حول المستقبل: هل سيصبح منصة رئيسية للصحافة الرقمية، أم سيظل مكملًا للوسائل التقليدية؟ ما يبدو واضحًا هو أن الإعلام يدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد البودكاست على الهامش، بل أصبح في قلب الصحافة الحديثة، يكتب فصولًا جديدة في قصة الإعلام، ويمنحها أفقًا أكثر إنسانية ومرونة.

حجر أساس لإعلام أكثر إنسانية

من الهامش إلى المركز، قطع البودكاست رحلة قصيرة في الزمن لكنها عميقة في الأثر. لم يعد مجرد تسجيلات جانبية للهواة، بل أصبح اليوم في قلب الصحافة الحديثة، يفرض نفسه كمنصة لإنتاج المعرفة، وبناء الثقة، وتمكين الأصوات الجديدة.

لكن هذا التحول لا يخلو من مسؤولية؛ فالتحديات التي تواجه البودكاست – من غرف الصدى إلى غياب المعايير الأخلاقية – تفرض على الصحفيين والمبدعين أن يوازنوا بين الحرية والالتزام، بين الإبداع والمصداقية. وفي المقابل، تكمن الفرصة في أن يصبح البودكاست حجر أساس لإعلام أكثر إنسانية، أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على مساءلة السلطة.

ذات صلة

التصحيف والتحريف

suwaih

محمود حسن إسماعيل.. ظاهرة فنية متفردة في دوحة الشعر

suwaih

لغة تهرب من صخب الشارع .. العربية تتحول إلى كائن مكسور الجناح

suwaih

التيكتوكر والبلوجرالتكتوكر والبلوقر والتفاهة رواد المشهد الحالي

suwaih

الصحافة النقدية ونفق الرأي

suwaih

تجريف منظّم لإرث العراق الحضاري

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية