فتحي نصيب
تعد التنشئة السياسية والاجتماعية أحد أهم العناصر التي تقوم عليها الدول، منذ “دولة المدينة” في أثينا وحتى الدولة القومية في العصر الحديث.
فالدولة –أية دولة- وبصرف النظر عن نظامها الاقتصادي أو الاجتماعي ودرجة تقدمها أو تأخرها، تسعى إلى غرس القيم والمبادئ في نفوس مواطنيها، وذلك بهدف تنشئة الأفراد اجتماعياً وسياسياً من أجل خلق حس “المواطنة” أو لإعدادهم للقيام بالأدوار والوظائف العامة.
ومفهوم التنشئة –بهذا المعنى- ليس حديثاً، فقد أشار إليه “إفلاطون” ونبه إلى أهميته وخطورته، ولذلك عهد للدولة –وليس للأفراد- مهمة القيام بهذه العملية.
وقد تطور هذا المفهوم مع تطور الحركة الفكرية والاجتماعية للمجتمعات البشرية، ولذلك نجد العديد من المفكرين والفلاسفة قد اهتموا بعملية التنشئة، وطوروا أساليب ووسائل القيام بهذه العملية، حيث أشار كل من “مكيافللي” و”جان جاك روسو” إلى التنشئة وغاياتها ودورها في بناء الدولة.
وتتعدد القنوات التي تقوم بوظيفة التنشئة، وتختلف هذه القنوات باختلاف الدول والأوضاع الاجتماعية والثقافية السائدة في كل دولة، إلا أنه يمكن حصر هذه القنوات في الآتي: المدرسة، وسائل الإعلام البصرية والمقروءة والمسموعة، دور العبادة، جماعات الرفاق، الأندية، ويمكن تصنيف هذه القنوات إلى نوعين رئيسين:
أ- القنوات الرسمية: أي التي تخضع إلى إشراف مباشر من المؤسسات الرسمية للدولة مثل: المدرسة ووسائل الإعلام.
ب- القنوات غير الرسمية: وهي التي لا تخضع إلى الإشراف المباشر من الدولة مثل الأسرة وجماعات الرفاق.
ونحصر الحديث هنا على قناة واحدة وهي الإذاعة المرئية، حيث تشير بعض الدراسات الإعلامية وكذلك دراسات استطلاعات الرأي إلى أهمية هذه القناة وانتشارها وتأثيرها، حيث تعد الأداة الأكثر انتشاراً، فهي دخلت كل بيت تقريباً، بل ربما وجد أكثر من جهاز مرئي في البيت الواحد، إضافة إلى أن عدد الساعات التي يقضيها الأفراد أمام هذا “الصندوق السحري” تفوق الساعات التي يقضيها الأفراد في قراءة الصحف أو المجلات.
ومن هنا يبرز السؤال المهم: ما هي القيم والتوجهات التي تقدمها لنا الشاشة الصغيرة؟ هل تسعى برامج القنوات المرئية إلى الارتقاء بالتذوق الفني والجمالي للأفراد؟ هل تسهم هذه القنوات في رفع المستوى الثقافي والفكري لدى مشاهديها؟.
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات نشير إلى هذه الملاحظات:
أولاً: نحصر الحديث هنا على برامج محددة تقدمها لنا الإذاعة المرئية وهي الأعمال التمثيلية وتشمل: المسلسلات والأفلام والمسرحيات والتمثيليات دون غيرها من البرامج، وذلك لاعتقادنا أنها تشد المشاهدين أكثر من غيرها نظراً لوجود النجوم من ممثلين وممثلات بها، إضافة إلى خلو بعض البرامج من القيم والتوجهات مثل برامج الرياضة على سبيل المثال.
ثانياً: زيادة مشاهدة الأفراد لهذه الأعمال في بعض المناسبات ومنها شهر رمضان الكريم.
ثالثاً: إننا سنتكلم عن هذه الأعمال بشكل عام، ولن نورد أمثلة ونترك ذلك لعقل وفكر القارئ الكريم، كما أننا نشير إلى وجود استثناءات في هذه الأعمال، حيث يصل بعضها إلى قمة الأعمال الفنية ولكنها تظل مجرد استثناءات تؤكد القاعدة العامة.
أولاً: الأعمال الدرامية من حيث المضمون:
يمكن تحديد المضامين التي تحملها هذه الأعمال في الآتي:
أ- أعمال تمثيلية ليس لها صلة بالواقع الذي يعيشه المواطن العربي من محيطه إلى خليجه، ومن شماله إلى جنوبه، فهي غير محددة في “مكان” أو “زمان” معينين؛ فلا إشارة إلى مكان أو نوع الأحداث، أو زمانها، وحتى أسماء الشخصيات لا يمكن أن تومئ إلى قطر بعينه، فلا يعرف المشاهد مكان وقوع الأحداث لا من خلال لباس الممثلين ولا من خلال لهجتهم، فهم يتحدثون بالفصحى، ليس بهدف إعلاء شأن اللغة العربية وإنما لغرض تسويق هذه الأعمال في جميع القنوات العربية.
وشخصيات هذا النمط من الشرائح العليا في المجتمع: مهندسون، أطباء، صحفيون كبار، فنانون، وكلهم يعيشون في قصور فخمة، فالمطبخ وحده بمساحة ملعب كرة سلة، أما الحديقة الأمامية فهي توازي مساحة أربعة ملاعب كرة قدم، وعدد الخدم يعادلون عدد “3” منتخبات قومية بمدربيهم واحتياطيهم ومرافقيهم.
إضافة إلى هذا الحشد البشري، تعيش بعض الحيوانات – زيادة في نكاية المشاهد العربي البائس- كالقطط السعيدة والكلاب المدللة التي تطوق أعناقها سلاسل من الذهب الخالص، وتأكل اللحوم نيئة أو مطهوة على الطريقة الفرنسية، ولا تتناول سوى شرائح اللحم التي لا تراها آلاف العائلات العربية إلا من العيد إلى العيد.
ولا داعي لشرح رفاهية العيش وبذخ الملابس وأسطول السيارات المركونة أمام هذه القصور، وكأنها تقول للمشاهد “مت بغيظك”.
أما “التيمة” الرئيسية فتتلخص في: الجنس والمال، فالجميع يخون الجميع، الأزواج والزوجات وأصحاب المهنة الواحدة، وشعار الجميع “الغاية تبرر الوسيلة”.
والمشاهد لهذا النمط لا يعرف عن أي مجتمع يتحدثون؟ وهل الأحداث والشخصيات موجودة على أرض الواقع؟ وإذا كانت كذلك فكم تشكل نسبتها مقارنة بالأغلبية الساحقة من المجتمع؟ والأهم ما هي القيم التي تسعى هذه الأعمال إلى ترسيخها في أذهان المشاهدين وخاصة قطاع الشباب؟
ب- النمط الآخر يتمثل في الأعمال التي تجيد الهروب من الواقع والحاضر نحو الماضي البعيد، حين يقدم التاريخ العربي في أزهى صوره، حيث الانتصارات على الأعداء لا يمكن تصورها، أي نقيض الواقع المعاش.
إلا أن المبالغة في تمجيد هذه الفترات التاريخية تقع في خطأ جسيم وهو تنزيه الشخصيات من كل نقص، فجميع الشخصيات فاضلة تماماً، وكأنهم ملائكة، حيث الصدق والشجاعة والإقدام والكرم وآخر القائمة من الأخلاقيات الفاضلة، وتطفح هذه الأعمال بالمبالغة بل والتطرف في عرض الصور والأحداث، مما يدفع المرء للتساؤل المشروع حول مدى صدق هذه الأعمال في تصويرها لحقب زمنية وتاريخية مضت؟
ويدخل في إطار هذا النوع بعض الأعمال التي لا تنتمي إلى العصر الذي نعيشه، فهي ضد الحداثة بكل أنواعها: ضد الحاسوب والسيارة والطائرة واحترام قيمة الوقت وقيم الإنجاز وتمجد الحياة البدائية في نمط الحياة وآلية التفكير.
ج- النمط الثالث يدعى “الواقعية” أي تقديم الحياة المعاصرة بشكل يبدو –في الظاهر- أنه يناقش الواقع العربي كما هو، إلا أن مضمونها يحمل أفكاراً أقل ما يقال عنها أنها عنصرية، حيث تظهر صورة الأب المتسلط والزوج المتجبر، فالمرأة في هذه الأعمال لها صورتين نمطيتين لا ثالث لهما: شخصية المرأة الخانعة تماماً، فالأم خادمة، والزوجة صورة سلبية عن الزوج، وكذلك الأخت والابنة والموظفة والعاملة، أما إذا تمردت المرأة على واقعها فلابد –في نهاية المسلسل- من أن تدفع الثمن، حيث يدبر المؤلف والمخرج حادثا ما يجعلها معاقة إلى آخر العمر، كحادث سيارة أو حريق، وبالطبع فإنها ترتد خاسرة نادمة تطلب الصفح والغفران.
د- النمط الرابع يتمثل في الأعمال الضاحكة أو الساخرة، والملاحظ أن هذا النمط العربي في الإضحاك، يختلف عن مثيله الأوروبي مثلاً، فالسخرية عندنا لا تصل قمتها إلا إذا كانت الشخصيات من ذوي الإحتياجات الخاصة، كشخصية البصير أو الأصم أو الأبكم، أو الذي يعاني تأتأة أو فأفأة، ويدبر المؤلف مواقف يعتقد أنها تثير فينا الضحك، وعادة يترافق مع فقد الحواس بله وعته عقلي “وهو أمر بعيد عن الواقع تماماً”، ولا يفرق المؤلف بين المرض العقلي والمرض النفسي، والسؤال: هل تعد هذه الشخصيات مادة جيدة للسخرية؟ ألا توجد مواقف أخرى في الحياة يمكن أن تثير فينا الضحك والترفيه؟
هـ- هناك نمط منتشر في الأعمال التمثيلية وهي التي تقدم شخصيات “ورقية”، أي شخصيات نمطية من أول المسلسل حتى آخر حلقة منه، فالطيب طيب دائماً، والشرير يقطر شراً تجاه الجميع، جيرانه، زملاؤه في العمل، وحتى زوجته وأبنائه، والغريب أن الذين يمثلون الأدوار الشريرة هم النجوم من الممثلين والممثلات، في حين أن شخصية الطيب والخيّر تتسم بالهشاشة وضعف الأداء في السلوك والكلام معاً، فهو طيب مع الجميع وأكثر مسيحية من المسيح نفسه، ليس فيه حياة، ودود وأرق من فراشة، وباختصار لا تقدم هذه الأعمال شخصيات مركبة لها إيجابياتها وسلبياتها كأي مخلوق على وجه الأرض.
ثانياً: من حيث الشكل:
باستثناء الأعمال من النمط الأول، فإن الإنتاج فقير وهزيل، فأغلب اللقطات داخلية، ونادراً ما تصور المشاهد الخارجية، لارتفاع كلفة الإنتاج، إضافة إلى أن الكثير من الأحداث والوقائع لا يشاهدها المتفرج بل يسمع عنها، فعلى سبيل المثال يرد حوار بين شخصيتين أو أكثر –وخاصة في الأعمال التي تسمى تاريخية تجاوزاً- حول معركة أو موقعة حربية، فيخبر الأول الثاني إن المعركة دامت من الصباح الباكر حتى آخر الليل، مات فيها آلالاف وجرح فيها عشرات الآلاف وأسر فيها المئات وكانت المغانم كثيرة.. كل هذا في جمل حوارية لا نشاهد لقطة واحدة تقنعنا بصحة هذه الأخبار.
وهناك فقر شديد في المجاميع ورتابة في الحوار وبطء في حركة “الكاميرا”، وثقل وملل إلى حد بعيد.
ففي مشهد بأحد هذه الأعمال تتابع آلة التصوير بطل المسلسل حيث يركب سيارته ويسير بها في شوارع عديدة ثم يناور ليصف السيارة ويخرج منها ويقفل الباب ويتجه إلى بيته… دون هدف من هذا الطول في المشهد أو حوار أو نقله درامية، ولو حذف المشهد بكامله لما تأثر المسلسل إطلاقاً.
تخلو معظم هذه الأعمال من لقطات ذكية أو موسيقى تصويرية مناسبة أو جهد مبذول في تقديم صورة جمالية للمشاهد، بل إنها لا تحترم عقل ووقت المشاهدين.
إن القيم والتوجهات التي تحملها مثل هذه الأعمال، شكلاً ومضموناً، لا تنمي ذوقاً أو تهذب نفوساً، ولا تقدم ترفيهاً والمحصلة هو عزوف المشاهد عنها والانتقال إلى قنوات أخرى -أجنبية في الأغلب- هروباً من أعمال تدعي أنها فنية.
