أفانين
الضياع في غابة الإنسانية المتوحشة
التحقيقات واللقاءات

الضياع في غابة الإنسانية المتوحشة

الكاتبة والباحثة الاستاذة

إيمان أبو شاهين يوسف

في العقود الأخيرة من تاريخ البشرية، شهد العالم تحولات جذرية على المستويات الأخلاقية، الإجتماعية والإقتصادية، أدت الى ما يمكن وصفه بِ “غابة

إنسانية متوحشة”. 

هذه الغابة البشرية تفتقر الى المحبة والرحمة والتسامح ، ويعلو فيها صوت الانانية والمصالح الذاتية على حساب القيم والأخلاق والمبادئ.  الانسان في هذه الغابة لم يعد ينظر الى أخيه الانسان كقيمة إنسانية، بل اصبح يراه مجرد وسيلة يستغلها من أجل تحقيق غايات ومصالح شخصية. والمجتمعات  تحولت في كثير من وجوهها، إلى بيئة عدوانية غير آمنة على المستوى القيمي والإنساني، وأضحى الفرد فيها مرهون لنظرية  “البقاء للأقوى”، كما أصبح محكوم بصراع ليس من أجل  تأمين العيش وحسب،  بل من أجل إثبات الوجود في عالم لا يعترف إلا بالقوة والمنفعة. 
ولم تعد فيه الرحمة فضيلة، بل سلعة زهيدة تتقاذفها الأرجل  في هذا السوق المتوحش. يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو،” أن الإنسان في العصر الحديث فقد إحساسه بالمعنى ، ووجد نفسه في وضع ” عبثي” يعيش فيه بين العدم والرغبة في إيجاد هدف. وفي ظل غياب معنى سامٍ للوجود، يصبح الإنجراف وراء الغرائز والمكاسب المؤقتة هو السبيل الوحيد للهروب من القلق الوجودي”. ويذهب الفيلسوف جان بول سارتر أبعد من ذلك، حين يؤكد أن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”، أي أن عليه أن يصنع ذاته بنفسه.  
لكن المجتمعات الرأسمالية وجهت هذه ” الحرية ” نحو التملك والاستهلاك، لا نحو التحرر الروحي أو الأخلاقي”.
لذلك أصبح الضياع في ظل هذه البيئة المتوحشة التي صنعها الانسان بنفسه، قدرا مشتركاً تعيشه البشرية ولو في صمت،  وخسر الانسان جوهره منذ استبدل القيم بالمصالح، والرحمة بالانانية، والمعنى بالإستهلاك. وبقدر ما ظن أنه يقترب من السعادة عبر امتلاك المزيد، كان في الحقيقة يغرق أكثر في دوامة لولبية من الوهم الذي لا نهاية له.ودخل في حلقة نفسية معقدة، تتغذى على الخوف من الفشل، والشعور بالنقص، والمقارنة الدائمة. 
هذا الضياع لم يقتصر على فرد أو أفراد من المجتع  بل إنه مأزق جماعي، والانسان فيه لم يفقد اتزانه الداخلي وحسب ، بل فقد أيضا إحساسه بالإنتماء والمصالح المشتركة. لم تعد  للانسان أي علاقة حقيقية بالأخر، ولا حتى بذاته. بل صار وحيداً، تائها، يفتش عن دفء في عالم بارد، ويبحث عن معنى في زحمة لا ترحم، وغاب خلف الأوهام. واصبح كل ما حوله يدفعه ليواصل الركض واللهاث، دون ان يدري أنه يركض في فراغ، وأنه ضائع في غابة الإنسانية المتوحشة.

ذات صلة

الصحافة‭ ‬الورقية..في‭ ‬مواجهة‭ ‬الطوفان‭!!‬

suwaih

بالفيديو.. طرابلس الغرب .. حاضنة حضارة البحر الأبيض

suwaih

الفنانة السورية سحر فوزي: عائدة إلى المسرح وأحب الأدوار الإشكالية

suwaih

عائشة الأصفر: تناول المقموعين والمهمشين من همومي الجوهرية

suwaih

هل تعرّضت السيرة الهلالية للإقصاء في ليبيا ؟

suwaih

الكاتبة الرومانية دوينا روشتي :في الادب كل شيء شخصي

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية