أعتبرف بأن الفيس بوك محرض قوي على الكتابة
اللغة جسد الشعر لكن الشعر يمنحها الحياة
أنقدتني الكتابة مما تعرضت له من الغدر والفقد وما واجهته في الحرب
يموت الشعر عندما يتحول إلى آلية ميكانيكية تعمل بالذهن والعقل

حاورها: عصام أبو زيد
ترى الشاعرة الليبية (المقيمة في فرنسا) عائشة إدريس المغربي أنه لا يمكن الكتابة من خارج التجربة الشخصية، وتضيف في حوار مع «الجوبة»، ما اقصده بالتجربة هو التجربة الحياتية بمجموعها الإنساني وما يملكه الشاعر من قدرة على النقاط تفاصيل الحياة في داخله وحوله ومشاهدتها وقراءتها، وقدرته على السفر خارج الذات وداخلها. إنه اللحن الذي ينطلق منذ طفولته حتى نهاية العمر، موسيقي الحياة بعنفها وسحرها وعشقها ومللها وجمالها وحزنها والأسى الغامر الذي يعبرنا كالموج ويتبدد على الشاطئ. إن الذين يرون أن الشعر يأتي من الخيال، أقول لهم أن الخيال لا يأتي إلا من تراب التجربة الحياتية بكل تفاصيلها.
وعائشة إدريس المغربي شاعرة وكاتبة ليبية صـدرت لهـا سـتـة دواويـن شعرية، ومسرحية، وروايـة وهـي: “الأشـياء الطبية” 1996 م، “البوج بسر أنثاي” 1986 م،” أميرة الـورق” 1999م، “صمت البنفسج” 2007 م، ا”لحياة الافتراضية للسعادة” 2017 م، “قبلة في طابع بريد” 2019م، رواية “يحدث” عن دار أروقة في القاهرة 2013م، ومسـرحية بعنوان “بائعة الزهور” 2014م، عن مشورات وزارة الثقافة في ليبيا، كما صدرت لها قصائد مترجمة إلى الفرنسية ضمن كتاب شعري يضم قصائد عن غزة، وترجمات أخرى.
**تقنية الكتابة**
وفـي سـؤال عن تقنية الكتابة وألياتها: أجابت المغربي: «كثيرًا ما يصادفني السؤال عن تقنية الكتابة وألياتها وأشعر بغرابة هذا السؤال؛ فالقصيدة، كلّ قصيدة تخلق آلياتها الداخلية حسب ما تتبدى الحالة الشعورية للحظة؛ فأحيانًا يولد الفرح من لحظة أسى عميقة، وفي لحظة أخرى تدفعني الطبيعة بقوة تجاه الحب، وربما تولد السعادة في النص من حزن عميق!»
وأضافت: «لا أحترف الكتابة أبدًا، وأبداً كلّ نص جديد كأنني أكتب لأوّل مرّة كما نعيش حالة الحب بارتباكها وعفويتها ودهشة اكتشاف المشاعر والأحاسيس مثلما يرتبك الماء على الجلد كأنما يكتشف ملمسه لأوّل مرّة، فكلمة “أحبك” لا تفقد أبدًا صدقها ودهشتها، ولا تملك قواعده مسبقة وأليات وتقنيات ثابتة.. إنها هي كما النص في قلبي حين أكتب».
وأوضحت المغربي “أخـاف حـقّـا من امتلاك آلية وتقنية خاصة لكتابة الشعر ستتحول إلى آلة إكراه. هذا المستوى من الكتابة سأظل أتعثر في أخطائي وانسانيتي …بكثير من المتعة. أرتبك أمام اللغة كثيرا…. أشعر دائمًا برغبة في تفكيكها وكسر عظام قواعدهـا. أشعر أنها لعبة من ألعاب الطفولة التي لم أعرفها وعليّ أن أكسرها حتى أشعر بمتعة الألفة معها. وأكـدت الإدريسـي “إن لغة اليومي هي الآقرب إلى قلبي. لا أحب الصور المعقدة والكلمات الفخمة العظيمة؛ لأنّها جوفاء مثل طبل فارغة ومليئة بالهراء”.
**دوافع الكتابة**
وعـن أسـباب ودوافـع الكـتابـة؛ قالت المغـربي: «رغـم سـلطة الكتابة وقدرتها العظيمة إلا أنّ أسـبابها غريبة وغير مفهومة. الكتابة تشبه الحب، فكلاهما ساحر ومهيمن وقـوي… لكن أسـبابه مجهولة. ليس هناك قواعـد للكتابة؛ بل كلّ نص يخرق القواعـد الجمالية التي أكتبها في النص السابق وكذلك تفعل قصص الحب… هذا يجعلنا نتوقف عن الهواء الذي يضعه النقاد عن كتابة الشعر واسـتخراج ثوابت وتصنيف للشعر».

واستطردت المغربي «ليس مقصدي أن أخترق القواعـد، لكنني لا أوّمـن بالثوابت في الشعر؛ لأنني أنطلق من الحرية.. وهى الشعاع الأول للشعر والكتابة عمومًا. فكلّ نص يضع قواعده الجمالية كي يخرقها في النص اللاحق، وهذا ما أداوم عليه».
وكشفت المغربي «احتجت إلى سنوات كثيرة من ممارسة الكتابة حتى أعرف كيف أقابل الشعر. كان موجوداً في قلبي طوال الوقت، كان في حياتي وتاريخي وتفاصيلي.
الكتابة عموماً، والشعر تحديداً، حين يتحول إلى آلية ميكانيكية تعمل بالذهن والعقل بموت الشعر. إن القدرة على اكتشاف التفاصيل الصغيرة في يومك هذا جزء مهم من الكتابة حيث الذاتي أهم من الموضوع لأنّ الموضوع إذا لم يتحول إلى ذاتي ينقد صدقه.
وترى المغربي أنّ اللغة جسد الشعر، لكن الشعر يمنح الحياة للكلام، لهذا الشعر حر في اللعب مع اللغة واختراقها وكسر قواعدهما.
الكتابة والمعاناة
وفي سؤال عن علاقة المعاناة بالكتابة:
أجابت المغربي: «استمتع بالكتابة حتى وأنا أكتب عن الأسى والحزن والحرب والفقد… الكتابة لا تعدبني كما يرى بعضهم. غاية الإنسان وهدفه في كل ما يفعله هو المتعة المطلقة؛ لهذا لا أجد هدفاً أسمى من أن تقودنا الكتابة إلى السعادة والإحساس باللغة والمتعة حين نكتب وحين نقرأ. لقد احتجت إلى رحلة طويلة من حياتي خلف المشاكل حتى وصلت إلى هذه النتيجة».
وأضافت المغربي «في رحلة حياتي أنقذتني الكتابة مما تعرضت له من الغدر والفقد وما واجهته في الحرب. لقد انتصرت أخيراً للحياة لأنني شاعرة، وصارت الحرب السخيفة مجرد لعبة أفوز في مواجهتها دون أن أملك جيشاً واسلحة. فالشعر له القدرة
على أن يجعل الحياة القاسية محتملة؛ لأنّه يكشف لنا قيمة وجمال الحياة في جانبها الآخر… هذا ما جعلني أنجو من الحرب؟
ومن تقنية السرد في كتابتها الشعرية؛ أوضحت المغربي «السرد مهم في تجاري الشعرية؛ لأنّ عمتي اعتمادت على ترديد القصص على مساممي في فترة طفولتي، وعمتي هي الأقرب إلى في طفولتي من أمي. فقد كانت أمي سلطة قوية وجبارة، وكانت تحكم العائلة الكبيرة وليس عائلتنا فقط… صحيح أنّها كانت تتمتع بسلطة قوية وسط مجتمع ذكوري صارم… لكن لا أعلم الأسباب التي تجعل القبيلة تمتح امرأة هذه السلطة. أما أبي فقد كان الأكثر حدثاً ودهتاً، ولي معه ذكريات رائعة وجميلة، وكانت لنا مغامرات كثيرة… كان يؤمن بي ويشجعني على الكتابة رغم أنّه لا يجيد القراءة أو الكتابة».
**الشعر والقارئء**
وفي سؤال عن رؤيتها للشعر وماذا يمثل لها: أجابت المغربي: «الشعر في قلبي مثل لحن لا ينقطع. أعيش الشعر في كل لحظة في حياتي، وكم كتبت من قصائد في أحلامي ونهاري وانشغالاتي. إنّه دائمًا هنا يجعل الحياة محتملة ومبهجة. أنا لا أضع قواعد وتعريفًا للشعر. إنني أكتب عنه كما أحس علاقتي به، وهذا لا يلزم الآخرين بما أقوله».
وعن القارئ ودورة: ترى المغربي «أنّ القارئ مهم جدًا بالنسبة لي، لكنّه لا يحضر إلا بعد كتابة النص، والثالوث التقليدي في النظريات الجمالية «الص – الكاتب – القارئ» لا يعمل لدى كما تتحدث هذه النظريات. أنا القارئ الأول لنصي وأخذ المتعة الأولى… أحقق لحظة الاكتمال والنشوة، لكنّها لحظة صغيرة وساحرة مثل عمر الوردة تنتهي بعد لحظات من الكتابة لتبدأ الحاجة إلى الكتابة مجدداً.. حاجة ملحة لا يمكن أن تنتهي».
وأضافت المغربي «النص والقارئ بينهما علاقة تبدأ متأخرة بالنسبة لي: حين يخرج نصي من سلطتي ويبدأ رحلته الخاصة بعيدًا
عني ويكون علاقات كثيرة ومتغيرّة من الزمن حتى بالنسبة لي».
وعن إعادة النظر في النص الشعري بعد كتابته: قالت المغربي «إنّ أجمل لحظات الكتابة هي التي تأتي في لحظة واحدة
كدقة القلب. لا أحب إعادة الكتابة والتدقيق وترميم وجه القصيدة. أحبها عارية ومنطلقة وعفوية بكل عيوبها وفتنتها. فالشعر مثل الحب لا يجب التكرار.. لهذا لا يفقد سحره ،ودهشته. الشعر يرتبط بالموسيقى كثيرًا فكلامها يذوب في الهواء، ولا يمكن أن تلمس جسده رغم الوسائط المادية التي يتحقق بها.
—
**حركة النشر**
وفي إجابتها عن سؤال حول واقع النشر في العالم العربي: قالت المغربي: «هناك علاقة مرتبكة مع النشر، خاصة مع وسائل
النشر الإلكتروني بجانبها الإيجابي والسلبي؛ فتد أصبح اللقاء بالقارئ مباشرًا وفورياً. وأصبح الكتاب متوافرًا للجميع.. لكن النشر
الورقي صار ضعيفًا ومهينًا للكاتب إلا ما رحم ربي من دور النشر، وليس هناك احترام لحقوق الكاتب من قبل الناشر حتى أصبح
الأمر فقط رغبة الكاتب في تويّيق أعماله لا أكثر، وأنا أتحدث عن النشر في العالم العربي بالتأكيد. وأكدت المغربي «أعترف بأن الفيس بوك محرض قوي على الكتابة».

