بُنيت هذه المكتبة الفخمة، التي أُسست في أواخر القرن الأول الميلادي (حوالي 98-102 م) وأهداها مؤسسها تيتوس فلافيوس بانتاينوس إلى مواطني أثينا، لتكون واحة للمعرفة. ورغم أن تاريخ أثينا يزخر بالصروح العظيمة، فإن بانتاينوس تكتسب أهميتها من شيء مادي بسيط لكنه نادر: لوائحها التنظيمية التي نجت عبر ألفي عام.
تخيل نفسك تعبر أروقة الآغورا عند شروق الشمس. لكي تدخل حرم هذه المكتبة، كان عليك أن تتوقف أمام عمود رخامي يحمل قواعدها الصارمة، المنحوتة بأحرف لاتينية ويونانية: “لا يُسمح بإخراج أي كتاب لأننا أقسمنا يمينًا.”
هذه الجملة ليست مجرد قاعدة إدارية، بل هي شهادة على قيمة الكتاب في ذلك العصر. كان يمين الموظفين والمشرفين هو الضمان الوحيد للحفاظ على المجموعة الثمينة من لفائف البردي. فالكتابة كانت تتطلب جهدًا هائلاً، والنسخ كانت مكلفة للغاية، مما جعل الكتب موردًا غير قابل للاستبدال بسهولة. لهذا السبب، كانت مكتبة بانتاينوس مكانًا للدراسة والتأمل الحصري؛ لا يمكن للقارئ سوى الاستمتاع بالمعرفة داخل جدرانها الهادئة.
أما عن إيقاع العمل، فكان النقش يحدد ساعات الافتتاح بدقة كلاسيكية: “من الساعة الأولى حتى الساعة السادسة.” كانت الحياة تبدأ مع أول ضوء، وكانت ساعات الدراسة محدودة لتنتهي مع منتصف النهار، ربما لتقليل خطر إتلاف اللفائف بسبب الإضاءة الاصطناعية (كالمصابيح الزيتية) أو بسبب حرارة اليوم.
تشير مكتبة بانتاينوس، بهيكلها النموذجي الذي أحاطته الأروقة، إلى اندماج الثقافة اليونانية والرومانية. لكن النقش المكتشف هو ما يمنحنا اتصالًا فريدًا ومباشرًا. إنه لا يقدم فقط دليلًا على نظام إداري صارم، بل يفتح نافذة حميمة على الاحترام العميق الذي كان يحظى به الكتاب ومكانته التي كانت محمية بقسم مقدس في قلب أثينا القديمة.

المنشور السابق
