لماذا إطالة التقديم والفيلم أهمّ؟

تعليقات، فيها شيءٌ من نقد، مستلّة من تفاصيل تقنية، تنبثق من متابعة يوميات الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي، لكنّها غير محصورة بها فقط، فالحاصل أنّ دورات مهرجانات دولية، تُقام في مدنٍ عربية وأجنبية، تشهد تفاصيل كهذه، فالأجنبيّ “يتدرّج” في تشابهه بالعربيّ، في مسائل كهذه.

التعليقات هذه غير لاغية أهمية أفلامٍ، لبعضها صدى دولي سابق. فالأفلام تلك، والعروض الأولى لبعضها حاصلةٌ في دورات أخيرة لمهرجانات دولية، تُثير متعة مُشاهدة، وحشرية تأمّل في مسائلها، ورغبة في اكتشاف مزيدٍ من إشارات تدلّ على خرابٍ في ذات وروح، أو في بيئة وجماعة، أو تعكس جميلاً ومُفرحاً، وإنْ يكن الجمال والفرح نادِرَين في كوكبٍ منهار. إشارات تؤكّد جمالية نصوص سينمائية، لن تحجبها أمورٌ تقنية، يُمكن إصلاحها إنْ يكن هناك من يكترث بإصلاحها.

تقديم معظم الأفلام، السابق على عروضها، يطول أحياناً، ما يُغرقه في تفسيرات وتبريرات “تُروِّج”، وإنْ بشكل غير مباشر، لما سيُقدَّم أمام مشاهدين ومشاهدات، يُفترض بهم/بهنّ “تلقّي” كل فيلمٍ من دون أي شيءٍ مُسبقٍ عنه، مع أنّ كثيرين وكثيرات مطّلعون جيداً على ما يختارون مشاهدته. تعليق كهذا يُكتب قبل وقتٍ (العربي الجديد، 11 يوليو/تموز 2025)، إذْ يُراد للتقديم أنْ يكون شهادة “حُسن سلوك” و”نيّة طيبة” و”اجتهاد ذاتي لصُنع سينما محلية في بلدٍ مُصاب بأعطابٍ”، وتبريراً يستبق مشاهدة، يُفترض بها وحدها أنْ تكشف الفيلم بهناته وإيجابياته، فلا النقد عاجزٌ عن تبيان هذا كلّه، ولا مشاهَدة مهتمّ/مهتمة، يتابعان ويقرآن ويبحثان ويسألان، قبلها (المشَاهَدة) وبعدها.

موقف

التقديم تطول مدّته أحياناً، ما يعني أنّ انتهاء العرض يتأخّر عن الموعد المُحدَّد سلفاً (بداية العرض تتأخّر عن موعدها أصلاً، خاصة في مهرجانات عربية)، وهذا يؤدّي إلى تأخّر عن مشاهدة فيلمٍ آخر. أساساً، معظم العروض في مهرجانات سينمائية عربية، وفي نشاطات ثقافية وفنية أخرى، غير بادئة في مواعيدها المُحدّدة، فعاملون وعاملات في المهرجانات (وبعضهم/بعضهن متطوّعون، يجب إخضاعهم لتدريبٍ متكامل في كيفية تنظيم كلّ شيءٍ يُكلّفون بتنظيمه) غير عابئين بوجود جمهور يريد المُشاهَدة، إذْ ينتظر بعضهم/بعضهنّ وصول عددٍ أكبر، أو وصول أعضاء لجان تحكيم، وفرق عمل، أو يستمرّون في إدخال قادمين وقادمات إلى الصالات للمُشاهدة، مع أنّ الفيلم المختار معروضٌ قبل وصولهم بدقائق، تبلغ عشر أو أكثر بقليل، أحياناً. وهذا، بدوره، مزعجٌ كثيراً.

والتقديم يتمثّل بكلامٍ، يكاد لا ينتهي، لمُقدِّم/مُقدِّمة فيلم، وعامل/عاملة فيه، والترجمة تُطيل الوقت أيضاً. والطامة الأخرى أنّ هؤلاء، أو بعضهم/بعضهنّ على الأقل، يريد إشاعة جوّ هادئ، فيُلقي نكتاً، غير مُضحكة غالباً.

بعض هذا حاصلٌ في عرضٍ لـ”اللي باقي منك”، للفلسطينية الأميركية شيرين دعيبس، في الدورة 59 (4 ـ 12 يوليو/تموز 2025) لمهرجان كارلوفي فاري، كما في عَرضَي “أرض الوهم” (2022) لكارلوس شاهين، و”على حافة البركان” (2023) لسيريل عريس، في النسخة الأولى (8 ـ 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لـ”التقطها مُجدّداً” (14 فيلماً لبنانياً مُنتجاً بين عامي 2019 و2025)، في متروبوليس ـ بيروت.

فمن جهة، هناك كلامٌ أقرب إلى ثرثرة، وتبريرات تقول (ضمناً وعلناً) ارحموا صانعي/صانعات ما ستُشاهدون، لأنّ إنتاجه صعبٌ، والظروف قاسية، والضغوط رهيبة. ومن جهة أخرى، هناك إطالة لا فائدة لها إطلاقاً، باستثناء استدرار عطفٍ مسبق على ما يُمكن أنْ يكون سيئاً أو عادياً أو أقلّ من المتوقّع. هذا يرفع حاجزاً لا مرئياً بين مُشاهِدٍ/مُشاهِدة مهتم، وفيلمٍ يجب أنْ يُشاهَد من دون تقديمٍ، يكون (التقديم) مملاً ومزعجاً، ومسيئاً للمُشاهِد/المُشاهِدة، وللفيلم وصُنعه، ولعرضه وللصالة التي يُعرض فيها.

أهذا عابر وغير مهمّ، أمْ جزء من سلوك مهني غير سليم؟ الإجابة واضحة: يجب أنْ يُختَصر التقديم إلى كلمات قليلة جداً، تكتفي بعموميات عن الفيلم وصانعه أساساً، وليُترك النقاش إلى ما بعد العرض. لكنّ نقاشاً كهذا يطول أحياناً، ما يُؤخّر بدء العرض التالي في الصالة نفسها، أو يؤخّر المهتمّ/المهتمّة عن اللحاق بموعد العرض التالي في صالة أخرى. أمّا النقاش، فبعضه مهمّ، إذْ إنّ مشاهِدين/مشاهدات كثيرين يمتلكون وعياً معرفياً رائعاً، ويُفكّكون شيئاً مما يُشاهدون، ويطرحون أسئلة ويُثيرون تساؤلات، وهذا رائع ومهمّ. لكنْ، يجب إيقاف النقاش في وقتٍ محدّد، لأنّ البرنامج يقول بعروض لاحقة. والنقاش قابلٌ للاستمرار، وإنْ لوقتٍ قليل، خارج الصالة.

تعليقات كهذه غير حائلةٍ دون متعة مشاهدة، وإنْ مُربِكة في بداياتها، فالأفلام أهمّ وأجمل، غالباً. المأزق كامنٌ في أنّ إطالة كهذه تُقدِّم، أحياناً، أفلاماً عادية، كي لا توصف بأوصافٍ أسوأ.

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

4 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

5 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

6 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ