خليفة الخضر
عندما عاد الأمير والفارس العربي أسامة بن منقذ من دمشق وشاهد هول فاجعة الزلزال الذي ضرب سوريا عام 1157 للميلاد، ولم يجد من أهله أحد في قلعة شيزر بمحافظة حماة السورية؛ وقف وردد قصيدة شعر خلّدت القلعة، وظلّ يتداولها الناس عقب كل زلزال.
اسم تلك القصيدة “حمائم الأيك”، ومن أبياتها:
هذي قصورُهُمُ أمست قبورَهُمُ كذاكَ كانوا بها من قبلُ سكّانا
ويحَ الزّلازِلِ أفنَت مَعشَري فإذا ذكَرتُهُم خِلتُني في القوم سَكرانا
تعتبر شيزر من القلاع السورية ذات الطابع العسكري، وهي مقصد سياحي لكل من يزور سوريا من سواح عرب أو أجانب، ممّن يجدون ضالتهم بها. إذ تمنح القلعة زائرها العديد من القيم والمشاعر الإنسانية.
بلدة شيزر التي تضمّ القلعة، تتبع لمنطقة محردة بريف محافظة حماة الشمالي، وتبعد عن مركز مدينة حماة قرابة 30 كيلو متراً.
يتضح من رسائل “تل العمارنة” المكتشفة في مصر عام 1887، أن لموقع شيزر حصة من تلك الرسائل العائدة إلى عصر الفراعنة في الألف الثاني قبل الميلاد، إذ كان يحمل اسم (سنرار، سيزر، وشنزار، وزنزار). وفي العهد السلوقي الذي امتد قرابة ثلاثة عقود في سوريا (القرن الثالث قبل الميلاد)، حملت شيزر اسم: سدزارا، لاريسا، ثم توسيزر.
بعد ذلك، عادت المنطقة لتحمل اسمها، شيزر. ونستدل بذلك من بيت شعر للشاعر العربي امرئ القيس عندما مر بها قاصداً قيصر الروم في القرن السادس الميلادي، حين قال:
تتألّف شيزر من قسمين: القلعة، وهو الحصن الذي يقع على الأكمّة الرابية التي تُعرف باسم “عرف الديك”، وقسم منخفض يمرّ من شماله نهر العاصي، وهو المدينة. وتعاقبت على المنطقة أمم متعددة تصارعت من أجل السيطرة عليها.
دخلها الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح صلحاً سنة ٦٣٨ ميلادية، ثم استولى عليها الإمبراطور البيزنطي نكفوروس الثاني فوكاس، الذي أقدم على حرق جامعها وأقام فيها حامية رومية، ثم نجح ابن الصمصامة الفاطمي في استعادتها في نهاية القرن العاشر، غير أن الإمبراطور البيزنطي باسيليوس عاد وحاصرها، وسيطر عليها وأجلى عنها سكانها المسلمين.
ظلّت شيزر في قبضة الروم البيزنطيين إلى أن تمكّن “سديد الملك”، أبو الحسن علي بن منقذ، من الاستقرار فيها، وجعل منها إمارة مستقلة تعاقب على حكمها أولاده وأحفاده. ثم عاشت تحت حكم القوى المسيطرة.
ظلّت شيزر في عهد الزنكيين والأيوبيين إلى أن دمّرها التتار في 1260 للميلاد، ومن ثم أعاد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس إعمارها بعد أن هزم التتار. حاول الفرنجة استعادتها، فصدّهم الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وأعاد بناء قلعتها، كما تشهد الكتابة المحفورة على بوابتها.
بين عهد المماليك والعثمانيين لم يطرأ تغيير على شيزر إلا أنها بدأت تتلاشى حتى أصبحت خربة لا يسكنها إلا عدد قليل لا يتجاوز المئة شخص، وأضاف عليها العثمانيون مسجداً لا تزال جدرانه قائمة.
هجرت القلعة كلياً من المزارعين القلة القاطنين فيها عام 1930 وسكنوا السهل المطل على سهل الغاب. لتتحول المنطقة إلى مقصد سياحي وسفح أثري تقصده بعثات أثرية أجنبية تدرس القلعة وترمم أجزاء منها وتنقل التربة عنها.
عقب اندلاع الثورة السورية في آذار عام 2011، اتخذها جيش نظام الأسد المخلوع مقراً عسكرياً يرصد من خلاله تحرّك قوات المعارضة السورية على القرية والتقدم نحو مدينة حماة.
بعد استعراض التسلسل الزمني الذي مرت به القلعة عبر التاريخ، نسلط الضوء الآن على ما تحتويه من بقايا حضارات سابقة.
ستصعد على درج مرمم كان في وقت سابق جسراً لمنع الغزاة من السيطرة على القلعة المحاطة بخندق اصطناعي وآخر مائي (مجرى نهر العاصي). ما إن تصل إلى باب القلعة حتى يراودك سؤال عن سبب ميلان الجدار، وهذا سر من أسرار العمارة العسكرية التي لا تسمح لمقتحمي القلعة من دكّها بالعواميد الخشبية التي كانت تستخدم لتحطيم بوابات القلاع.
عندما تقف أمام الباب وتنظر نحو الأعلى، ستشاهد فوّهة في السقف على شكل مستطيل، كان يستخدمها الجنود المدافعون لصب الزيت المحروق على مقتحمي القلعة.
بعد دخولك البوابة الرئيسية المزينة بشريط من الكتابات المبعثرة على جانبيها، تعود إلى عهد السلطان المملوكي الناصر قلاوون؛ ستواجه بوابة ثانية على شكل حرف (z)، الغرض منها كان عرقلة المقتحمين عليها.
تمتاز القلعة بأربعة عشر برج دفاعي منتشرة في محيطها، وتطلّ جميعها على سفح القلعة المبني على شكل هرمي لكي يعيق تسلق المهاجمين. واليوم، لم يبق إلا برجين قائمين من الأبراج التي تعرضت لدمار كلي أو جزئي؛ منها ما تهدم في الزلزال الذي ضرب المنطقة في شباط عام 2023، وبعض جدران الأبراج أيلة للسقوط بسبب الإهمال.
بعد دخولك القلعة، ستمر بسوق مسقوف على يمينك، وعلى اليسار ستجد 5 محال تجارية، مع وجود أساسات أرضية ربما تعود لمحال أخرى تشوهت معالمها بعد أن سُكنت القلعة من قبل الأهالي. في المحال الخمسة، ستجد بقايا زجاج، وحديد (صناعة حدوة الحصان)، وفخار، ومكان لتجميع المياه. ويستدل من تلك اللُقى أن المحال كانت وظيفتها قائمة على صناعة كل ما يخدم المقاتلين للدفاع عن قلعتهم التي ترتفع جدرانها قرابة الأربعين متراً عن سطح الأرض، وأوسع عرض لها يبلغ ٧٠ متراً، وطول يصل إلى ٤٥٠ متراً.
يتميز مسار قلعة شيزر أنه مستقيم يمر من البوابة الرئيسة للقلعة حتى البرج في الجهة المقابلة الذي كان مخزناً للأسلحة. في طريقك من البرج الأول حتى الأخير، ستمر من المحال وستجد على يمين ويسار الطريق بقايا أبراج دفاعية وبقايا منازل مهجورة وحجارة تعود إلى عهود خلت، عليها آثار نقوش لمدافن بيزنطية قديمة. ستجد أيضاً مسجداً عثماني الطراز، ومبنى يحتوي على غرف لا يوجد فيها أي نوافذ، وغرفة صغيرة يعتقد أنها كانت سجناً لاحتجاز الأسرى.
هناك أيضاً في طريقك إلى البرج الأخير، الكثير من صهاريج المياه المحفورة في الصخر، كان يتم تجميع المياه فيها، سواء كانت مياه الأمطار أو مياه نهر العاصي، تحسباً لأي حصار محتمل للقلعة.
كل ما ستراه عيونك في ذلك المكان عبارة عن فنون وحيل عمرانية سخرها الإنسان لحماية نفسه من أي عدو محتمل قد يقتحم قلعته ويسيطر عليها، ولكن ما حدث للقلعة من دمار لم يكن بسبب اقتحامها أو السيطرة عليها، وإنما بسبب زلازل عدة لا نعلم كم أزهقت من الأرواح، ومنها أرواح أهل صاحبها، ابن منقذ، الذي خلّد بقصيدته ذكرى أحد تلك الزلازل.
بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان فلسفة الكتابة في المعتقل وقراءة في سوسيولوجيا أدب الحرية…
فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…
"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…
تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…
سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…
شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…