خليفة السويح
حين وصلتني قصة” لا أثر للفراشات”، توقعت أن تكون مشوّقة ومليئة بالإثارة فقط، كما اعتدت من الكاتب وأسلوبه السردي الفريد، لكنني فوجئت بأنها أعمق وأجمل مما تخيلت. عمل أدبي يمسّ الروح ويترك أثرًا لا يُمحى. وجدت نفسي أفتّش بين السطور والجمل عن المعاني الخفية التي ينسجها الكاتب، أحاول أن ألتقط رسائله الرمزية والضمنية، أتنقل بين ظاهر النص وخفاياه، بين الوضوح والغموض، لأفكّ شفرات الوطن والحنين والخذلان التي تتخفى بين الكلمات.
عرفتُ الأديب فتحي نصيب منذ سنوات، ليس فقط ككاتب مميز، بل كإنسان دافئ، صديق هادئ الحضور، عميق التجربة، جمعتني به صداقة وزمالة فتحت لي نافذة على عالمه الإنساني والوجداني.
كان حين يحدثني عن الحياة، يبدو وكأنه يسرد فصولًا من رواية عاشها بكل جوارحه؛ فهو رجل حمل الوطن في قلبه، وتجول في أزقته وشتاته، واختزن الألم والحلم معًا.
لكنه حين يكتب، يتحوّل، كأنك أمام شخصية أخرى، مقاتل لا يُهادن، أو ملاكم على حلبة الحياة، يتحرك برشاقة الفراشة، لكنه يلسع بدقة النحل، وبقوة الدبابير.
أسلوبه السردي لا يُشبه أحدًا؛ عميقٌ دون تكلف، وشاعريٌّ دون مبالغة، يختار كلماته بعناية، ويزرع بينها شفرات ورسائل للقارئ، فيدعوه لاكتشافها، لا لقراءتها فقط.
في قصصه لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يصنع عالماً متكاملًا، يحفز القارئ على التفكير وعلى إعادة النظر في الواقع من زوايا لم يكن يراها.
فتحي نصيب لا يصرخ في وجه القارئ، بل يهمس له، لكنه همسٌ ثقيل بالمعنى، مشبع بالرمز، وأحيانًا بالوجع، ولذلك فإن قراءة أعماله ليست مجرد متعة فنية، بل رحلة روحية وفكرية، تعلّمنا أن خلف كل كلمة هناك تاريخ، وخلف كل صورة هناك وجع، وخلف كل صمت هناك صرخة نائمة.
يعتبر فتحي نصب احد الأدباء والكتاب البارزين في ليبيا والوطن العربي، يمتاز بأسلوب فريد وشيق في الكتابة القصصية، يجعل القارئ يغوص بين الكلمات ويعيد قراءة القصة اكثر من مرة متأثراً بوطنه ودائما كلماته مكتوبة بتراب الوطن، على قمم وسفوح الجبال تنشرها أمواج البحر لمن بداخله حب للوطن.
يستهل الكاتب قصته التي صاغها بوصف فريد للمجتمع الليبي في فترة الخمسينيات من القرن الماضي حيث الرجال يجتمعون في كل شهر في ليلة اكتمال البدر في منطقة تاكنس
( تقع على بعد 150كم شرق مدينة بنغازي الليبية) وبجمالٍ أسطوري بروح ساحرة مشبعة بالصوفية والتراث الليبي، خاصة في تصوير “الحضرة”، تمزج بين الواقعية الشعبية والأسطورة، بين الطقوس والتوق، وبين الجمال والوحشة، عندما تتعمق بالقصة تشعر أن ميرَة ليست مجرد فتاة تبحث عن عريس بل كأنها ترميزٌ لكل ما هو بعيد المنال، مقدّس، فهي مزيج بين البشر والجنيّة، تُمثّل الجمال القاهر المرتبط بالطبيعة والأسرار والغموض في مجتمع غير سوي يعشقون الجمال ولكن يخافونه، والفراشات التي ظهرت مع نساء القرية هي رمز للأنوثة والجمال، بجانب “شَجَراتِ الخَرُّوبِ الثَّلاثِ دائماتِ الخُضْرَة، اللاتي يَحْتَضِنَّ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا، فلا تكادُ عشرُ أذرعٍ تُحيطُ بجذعِ واحدةٍ منهنَّ” .
هنا تكمن عبقرية الكاتب وذكائه التي قصد بها ولادة ليبيا الحديثة متمثلة في الخروبات الثلاث ومدى وحدتها ووحدة أبنائها في (طرابلس وبرقة وفزان) الولايات التاريخية قبل الغائها في فترة المملكة الليبية في 26 أبريل 1963م التي وصفها بجمالها وخصوبتها وخروج ميرة من بين الخروبات الثلاثة ” كانت مِيرَة أَجْمَلَهُنَّ، ذاتَ شَعْرٍ يَصِلُ إلى كاحِلَيْها، لَها مِشْيَةٌ غَزَلانِيَّةٌ، صَوْتُها كَهَدِيلِ الحَمامِ، وَتَسْبِقُها دائِمًا رائِحَةُ الزَّنْبَقِ أَيْنَما حَلَّتْ”.
ليبيا الضاربة في التاريخ والتي تكالب عليها الأعداء وأهلها الذين يعرقلون نهوضها ومستقبلها كما وصفها الكاتب في آراء الأب وألام ونظرة ميرة للمستقبل رغم مؤامرات الغرباء عليها وسعيهم لنهب ثرواتها.
في منتصف السبعينيات اعتقل السيد فتحي نصيب رفقة عدد من المثقفين في زمن غاب فيه “البدر” وغابت فيه “الفراشات” وقفل “بيت جاره “الذي كانوا يجتمعون فيه.
ورغم الغربة والبعد عنها عاد اليها الكاتب يرافقه العمر في ليلة مظلمة حاملاً شوقًا لقريته في عزاء أحد أعمامه، وزار الخروبات الثلاث، لكن وجد أن كل شيء قد تغير ولا أثر للفراشات التي كانت تملأ المكان بالفرح والسعادة ، وزوال الأشياء الجميلة وخيانة الزمن للجمال.
وعلى الرغم من أن ميرة مازالت محتفظة برائحةِ الزَّنبق وشعرها الطويل، لكن أتعبها الزمان وأرهقها أهلها والغرباء وهي تناضل من اجل مستقبل أفضل، وهي التي كانت تروض أعدائها وتنشر خيراتها على الجميع، لكن المجتمع لا يثق بها بل يتربص بها والطامعون فيها يبحثون عن مصالحهم، وأبناؤها يتصارعون من اجل سراب.
نصل الى خاتمة مأساوية وواقعية بشكل صادم، عكس التمهيد الجميل الذي استهل به القصة.
يبدع الكاتب في الخاتمة الحزينة “فغياب الفراشات وخروج ميرة على عكازها “كأنها سيمفونية وداع، فكرة أن الجمال الأسطوري يشيخ، ولكن لا يعود يجذب الفراشات، تحمل شحنة فلسفية وإنسانية عميقة.
أنها ليست فقط قصة عن فتاة أو طقوس، بل رسالة عميقة وصادقة عن الوطن، عن المعاناة، عن الحب الذي لا يستطيع المجتمع أن يحتويه، وعن الزمن الذي يمضي ويغير كل شيء، أحيانًا إلى الأسوأ.
