قراءة فى رواية (مصنع السكر) للكاتب المبدع محمد شعير
قد يظن القارئ أن مصنع السكر باعتباره عنوانا رئيسا هو المكان الذي دارت فيه الأحداث، ولكن سيكتشف أنه ليس إلا وهما، وأنه – أي مصنع السكر – ليس إلا علامة سيميائية ورد ذكرها فيما لا يقل عن أربع مرات؛ مثلت أربع محطات رئيسة ومفصلية في الرواية، لنرجيء الحديث عنها إلى نهاية المقال حتى لا نكشف عن سر الرواية بسهولة.
مصنع السكر رواية مخاتلة من الناحية الفنية، حيث احتفظ الكاتب بمفاجأة رائعة فى نهاية العمل ، وعلى ذلك يظن القارئ أن راوي العمل هو زياد أو ورد أو سهير السكرى أو شام أو سائد أو أى اسم من الوارد ذكرهم فى النص، لكن الكاتب فاجئنا باسم الراوى في المنعطف الأخير من الرواية ليصنع لنا مفارقة رائعة، جعلتنا لا نعيد النظر فى جوهر العمل فقط بل نعيد القراءة من جديد.
مصنع السكر رواية جاءت فى خمسة عشر فصلا، منها تسعة فصول غير مقسمة إلى مقاطع، وستة فصول جاءت مقسمة إلى مقاطع، ثلاثة فصول قسمت إلى خمسة مقاطع و فصلين كانا فى أربعة مقاطع وفصل واحد جاء فى ثلاثة مقاطع، وكل الفصول جاءت تحت عناوين مختلفة مما سهل كثيرا من مهمة القارئ، ليس فقط لأنه كان يلتقط أنفاسه بين فصل وآخر بل لأنه يتذكر أحداث كل فصل بسهولة ويسر.
**عندما يكون الكاتب منغمسا فى قضايا وطنه الذى يعيش فيه ووطنه الأكبر المحيط به فإنه يكون حريصا أن يأتى إبداعه معبرا عن هذه الهموم التى تكاد تكون عامة بين الأقطار العربية، لذا ليس غريبا أن تدور الرواية فى قطرين عربيين ، مصر وسوريا، حيث الهم مشترك والمعاناة متشابهة، والبشر يشتركون فى دائرة الظلم الواقع عليهم ويشتركون فى أحلام الخلاص من هذه الكوابيس.
** ليس من دور الناقد طرح الحكاية هنا، بل من شأنه مناقشة الإشارات والدلالات التى قد تجلى النص لقارئه وتقترح عليه مداخل مختلفة للقراءة.
فإذا تحدثنا عن القضية الرئيسة التى يطرحها الكاتب من خلال عمله فإننا سنجد أنفسنا أمام قضايا كثيرة كثرة ما يعانيه الوطن العربى.
** فمثلا نجد أنه يسلط الضوء على مجريات أحداث سوريا خاصة بعد ثورتها، ومن خلال (ورد) وأسرتها وأصدقائها والمحيطين بها، نكاد نعايش الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي ونرى رأي العين آثار الاستبداد السياسى والقهر الذي وصل لمرحلة التعذيب والتغيير، وما (أم ورد) عن ذلك ببعيد.
**ومن القضايا التي نلمسها من خلال حركة السرد ودراما الأحداث قضية مواقع التواصل الاجتماعي إذ الرواية كلها لم تكن إلا بسب تلك العلاقة التى اشتعلت شرارتها من خلال الفيس بوك وإعجاب (ورد) السورية المثقفة القارئة ب(زياد) المصري رسام الأغلفة الشهير، ثم تتطور العلاقة لتنزلق إلى علاقة جنسية ساخنة عبر الفضاء الأزرق، وما صوره الكاتب لا يخص ورد وزياد بل إشارة لعلاقات شاذة أصبحت من الشيوع بحيث كادت أن تكون واقعا جديدا.
** ومن خلال الرواية نعرف كيف يعيش بعض الفنانين حياة مضطربة، فليست الأمور كما يظن الناس من أن حياة المشتغلين بالفن حياة هادئة، بل هى حياة صاخبة بها من الضجيج الكثير، ولكن أحدا غير الفنان لا يشعر به، ولذا كان زياد المضروب بالفن رسما للأغلفة وقراءة الأعمال الإبداعية يعيش حياتين، حياة زوجية شابها الملل والإهمال ومن ثم انخرط فى علاقة الحب مع ورد وعلاقة الجنس مع سهير السكرى وعلاقة شرب المسكرات مع صديقه هاني الدندراوي ربما تصلنا رسالة مفادها أن انشغال علياء الجمال زوجة زياد عنه ربما يكون هو السبب فى انسياقه فى مثل هذه العلاقات.
** ثم نأتى إلى قضية زواج القصر من الأثرياء العرب، استخلصناها من قصة سهير السكرى وما الذى أدى بها إلى انغماسها فى الحياة الجنسية الفجة ، ثم تكون نهايتها الانتحار.
** ولا ينسى أن يعرج على آفة الإنسانية المستشرية ليس فى وطن بعينه بل فى العالم أجمع، آفة الطائفية المقيتة، التى تخلف تطرفا قذرا، استنبطنا هذا من خلال موقف هانى فى انتخابات النقابة وكيف تآمروا عليه حتى أسقطوه فى هذه المنافسة لأجل مسيحيته، وهى الطائفية نفسها هى التى تستغلها القوى العظمى من أجل إشعال الفتن بين الشعوب ومن ثم السيطرة عليها.
**ولأن الرواية لا تكون رواية بقضاياها فقط بل بفنياتها وتقنياتها وطريقة عرضها فدعوني أحدثكم قليلا عن التقنيات الفنية لهذا العمل الرائع.
١- الراوى
قد يهيأ للقارئ أنها رواية أصوات، بمعنى أن كل بطل يتولى جانبا من رواية الأحداث فيبدوا مشاركا إذا تكلم عن نفسه بضمير الأنا، ويبدو عليما إذا تحدث عن الآخر بضمير ال هو، تلك هى واحدة من خدع الرواية، فمن الوهلة الأولى نتماهى مع صوت الرواي باعتباره مشاركا، فإذا ما تعددت الأصوات ظنناها رواية أصوات حتى نكتشف أو يكشف لنا الكاتب عن المفاجأة الكبرى وهى أننا كنا فى رواية داخل الرواية، لنكتشف أن راوية هذه الرواية ليست إلا شهد ابنة زياد التى كانت تكتب قصة والدها مع كل هؤلاء الأبطال.
لعبة فنية رائعة لعبها الكاتب بتمكن شديد.
** لعبة الاستباق عادة ماتكون داخل العمل بحيث يستبق الكاتب سرد بعض الأحداث التى لم تقع بعد، لكن الاستباق هنا كان استباقا فى زمن الرواية الحالي لنجد أنفسنا نعيش أحداثا فى سنة ٢٠٥٠ ، فأى خيال جامح هذا !!
** ومن تقنيات العمل الاسترجاع، حيث اعتمد عليه الكاتب فى كل الأحداث الآنية والانتقال منها إلى أحداث ماضية خاصة فيما يتعلق بسوريا وما حدث فيها على مدار خمسين عام مضت، وكذا لحظات الفلاش باك التى سردت سهير السكرى ماضيها وما حدث لها.
ثم أن المفاجأة الكبرى أن تكون الرواية كلها فلاش باك جاءنا من المستقبل الآتي، حيث اكتشفنا أن الرواية ليست إلا ما كتبته شهد ابنة زياد عام ٢٠٥٠ لكنها كانت تسترجع ما كان من أمر أبيها منذ سبعين عاما.
إذن التقنيات متداخلة وممتعة تحتاج إلى قارئ يجيد التلقى بآذان واعية وفهم منفتح على آفاق التأويل.
***فإذا جئنا إلى اللغة وجدنا أنفسنا أمام لغة أدبية مفارقة للغة الصحافة الجافة _ ملحوظة _ الكاتب يعمل صحافيا _ ومع ذلك فقد جاءت اللغة عذبة عذوبة الأدب الراقى، كثيرة الاستعارات والتشبيهات والمجازات اسمع معى هذه الجمل : رسمت الحيرة غلاف كتابى ص ٥٩
لماذا نكأت الجراح ؟ أكان لابد أن تضيء الأنوار فى غرفة الأحزان ؟ أن تشعل النيران في بئر الذكريات؟
هذه بعض نماذج فقط إذ الرواية جعلت من لغتها الجميلة نهجا لها وقاعدة ولم تأت الاستعارات أو المجازات على سبيل الاستثناء أو الصدفة.
ووثيق الصلة بأمر اللغة أمر الحوار الذى أجاد الكاتب توظيف لغته العامية المصرية أو اللهجة السورية إجادة كبيرة، فقد جاء الحوار مناسبا ليس من حيث المستوى الثقافي للأبطال بل من حيث جنسية الشخصية، فقد جعل لهجة ورد وشام وسائد وكل أسرة ورد تتحدث بلهجتهم المحلية حتى لكأننا نعيش بينهم أو يعيشوا معنا، وكذا اللهجة المصرية التي جاءت مناسبة للمستوى الثقافي للمتحدثين.
** لاشك أن اللغة هى العمود الفقرى للعمل الأدبي، هى الوعاء الذى يقدم فيه الكاتب موضوعه، ومن خلال اللغة قد نستشف ثقافة الكاتب، فمن خلال المعلومات والأحداث التاريخية التى ساقها عرفنا كم كان متأثرا بلغة القرآن عبر تناصات متناثرة داخل العمل ، يقول فى ص ٩١ : هل أتاك حديث أمى ، ويقول فى ص ١٠١ : ضل سعي فى السياسة وأنا أحسب أننى أحسن فهما.
** وليس غريبا أن نجده يستعين بمقاطع من الأغنيات الدالة دلالة معنوية كأنها خلفية للسرد أو تمهيد للحالة النفسية للمتلقي فنراه يستعين بأغنية زياد برجى: (شو حلو حبيبي شو حلو) عند حديث ورد عن زياد، فيما يستعين بأغنية وردة (حبك مفرحنى فرح الطير بطيرانه) عند حديث زياد عن ورد.
** وفى هذا السياق يحمد للكاتب قدرته الكبيرة على الحديث عن المشاهد الساخنة من دون فجاجة أو مباشرة.
** حرص الكاتب على تذييل بعض الفصول بجمل مثيرة للفضول مثل: القادم صادم، القادم مثير، يختم بمثل هذه الجمل بعض الفصول مما يجعلنا فى حالة من الترقب.
** فى كثير من الأحيان وجدناه يعتمد على المونولوج الداخلى لبعض الشخصيات للكشف عن طبيعتها أو عما يدور برأسها أو فضح خبيئتها.
** خلت الرواية من أمرين كفيلين بنقض أى عمل فنى، فقد خلت من التقريرية إلا في بعض فقرات لا تكاد تلاحظ مثلما جاء حديث والد زياد عن الجنس والتفريق بينه وبين الحب ، أما الأمر الآخر الذي خلت منه الرواية أو كادت فهو أخطاء اللغة نحوا وصرفا، فقد عشنا مع صفحات طوال نقرأ باسترسال من دون أن نتوقف عند أخطاء فجة كما يحدث في كثير من الأعمال حيث لفت نظري خطأ مطبعي فى ص ١٣٩ ؛ حيت كتبت كلمة متظاهرين ( متظاهين ) وفي ص ١٧٢ كتبت كلمة (غام) بدلا من كلمة (غاب) وهذا دليل على أن الرواية جاءت بلغة جميلة ومن أسباب جمالها خلوها من الأخطاء.
** ليس من الإنصاف أن نختم هذا المقال من غير الإشارة إلى فلسفة اختيار الأسماء التي أجاد الكاتب – فيما يرى كاتب هذا المقال- فمثلا اسم البطلة (ورد)، وكيف يرتبط هذا الاسم بالروائح الزكية وبما لهذه الروائح من تأثير على الحالة المعنوية للبطل الذى جاء اسمه (زياد)، ربما من الزيادة والنهم الذي كان يتسم بهما البطل خاصة فى نهمه للحب و شوقه إلى الجنس.
ثم انظر إلى (شام) صديقة البطلة وهما من سوريا قلب الشام النابض، أما (سهير السكري) فيها من ظلال السهر والسكر الذى كانت تتركه فى فم زياد إثر اللقاءت الخاصة
(وعلياء) وما أدراك جمال الاسم الذى يعطينا احساسا بالعلو والسمو عن النقائص، فقد كانت تعمل فى مركز مرموق ولم تكن لتنزلق لترهات زياد ونزواته التي لا تنتهي.
أما سائد هذا السورى الذى كان رئيسا لورد ثم زوجا لها فكأنما ساد أمرها مرتين.
ونأتي إلى شهد، وفيه من الشهود والشهادة، حيث اكتشفنا أنها هي التى قصت علينا القصة كأنها كانت شاهدة على كل الأحداث.
** وربما كان من الضروري التنويه عن بعض الملاحظات والأسئلة التى راودت كاتب هذا المقال.
**سؤالي الأول يتعلق بالراوية (شهد) وهي هنا ليست الراوية العليمة بل راوية مشاركة من داخل النص فهي إذن شخصية درامية وهنا يحق لنا أن نسأل كيف عرفت تفاصيل الحكايات الجنسية وهى عذراء ولم يمسسها بشر، فكيف لها بهذه التفاصيل؟
**والسؤال الثانى باعتبارها واحدة من شخصيات العمل، وهى لم تذهب قط إلى سوريا ولم تطأ قدماها أرضها، فكيف لها بمعرفة شوارع وحارات سورية التى لم تعش فيها من الأساس؟؟
** سلمنا مع الكاتب أن شهد هى راوية العمل فلماذا يصر الكاتب فى أكثر من موقف أن يؤكد أن زياد أو ورد هما من يحكيان الحكاية عبر كسرهما للحائط الرابع مع القارئ كما ورد فى الفصل المعنون بعنوان (حلم الثانى من إبريل).
** لم أفهم كيف صور الكاتب زياد بوصفه نهما للجنس وعلى استعداد لعمل أي شيء كي يشبع رغباته وفى الوقت ذاته يشعر بأنه سيقع في الحرام إذا لم يخبر زوجته أنه تزوج عليها ؟؟
** المباشرة كانت واضحة في الاسهاب فى الحديث عن الزواج الثاني ص ١٥٥.
** وأخيرا كنت قد وعدتكم بالحديث عن جمال العنوان (مصنع السكر ) وكيف أنه جاء ذكره فى مواقع أربعة؛ وهي: ذكر في وصف وفاة أم ورد التى ماتت بجوار معمل السكر هناك فى سوريا، وذكر فى واقعة انتحار سهير بجوار مصنع سكر الحوامدية.
وهانى مات متأثرا بعطب أصاب مصنع السكر فى جسم الانسان حيث مات متأثرا بارتفاع شديد فى معدل السكر عنده.
وأخيرا كانت ورد هى مصنع السكر الأساس فى حياة زياد، فكيف لا تكون الرواية بعنوان مصنع السكر!!
صممت الغلاف م. عبلة خوري شاعران لم يلتقيا إلا مرةً واحدة في مهرجان شعري، فنشأت…
من تماسٍّ مبكّر مع الكتاب واللغة، إلى مشروع سرديّ مشدود بين الذاكرة والهوية وتحولات الواقع…
الرواية تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة والتاريخ يضيء هذا الحوار على تجربة الروائي سيد أحمد…
أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مبادرة “السنة الوطنية للقراءة” لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها واحدة…
“تذكر دوماً أنني أحبك” رواية جديدة للأديبة وفاء شهاب الدين عن دار اكتب للنشر صدر حديثًا…
صدر أخيرًا عن «دار ليبيا المستقبل» كتاب نقدي جديد بعنوان «فاعلية الواقعية السحرية في الرواية…