د.علي المبروك أبوقرين
الجودة ليست قرارًا إداريًا ولا برنامجًا وقتيًا ، بل فكر مؤسسي ومنهج حياة ، تُبنى به الأمم وتُصان به الأرواح ، وهي فلسفة تؤمن بأن لكل عمل قيمة ، ولكل تفصيل أثر ، ولكل إنسان حق في أن يتلقى الأفضل ويقدّم الأفضل ، وحين نُدخل هذه الفلسفة إلى التعليم الطبي والتدريب السريري والخدمات الصحية ، تَغرس في جوهر النظام الصحي والتعليم الطبي روح الإتقان ومسؤولية الإنسان تجاه الإنسان ، وفي التعليم الطبي ، تبدأ الجودة من تصميم المناهج التي تُخاطب العقل والفكر والضمير ، مرورًا بطرق التدريس الحديثة ، ووسائل التقييم الشفافة ، وانتهاءً بتخريج الطبيب القادر على الجمع بين العلم والرحمة ، والمعرفة والضمير ، وفي التدريب السريري ، تعني الجودة بإعداد الكادر الطبي في بيئة حقيقية ، يتعلم فيها مهارات الممارسة بأمان ، والتعامل مع المريض كقيمة لا كحالة ، وأما في الخدمات الصحية ، فالجودة لا تُقاس بعدد الأجهزة أو المباني ، بل بمدى سلامة الخدمة ، وكرامة المريض ، واستدامة النظام الصحي وعدالته ، والجودة في التعليم الطبي والتدريب السريري لا تقتصر على المناهج والمدرسين والمتدربين ، بل تمتد إلى البيئة التي تحتضن العلم والممارسة ، فالمباني والتجهيزات ليست ديكورًا ماديًا ، بل عنصرًا تربويًا وتدريبيًا حيويًا يعكس فلسفة المؤسسة ورؤيتها للجودة ، وتصميم القاعات والمختبرات والمستشفيات التعليمية يجب أن يُترجم مفاهيم السلامة ، والوظيفية ، والانسيابية ، والعدالة في الوصول إلى الخدمات ، فكل مساحة داخل المؤسسة ينبغي أن تُحفّز على التعلم والتفكير والتعاون ، وأن تُراعي العوامل النفسية والبيئية التي تؤثر في الأداء والتحصيل والإنجاز ، إن جودة المباني والتجهيزات الطبية والتعليمية تعني تكامل التصميم مع الوظيفة ، والمظهر مع المضمون ، والتقنية مع الإنسان ، فهي التي تُمكّن الطالب من الفهم بالمشاهدة والتفاعل ، والمتدرب من الإتقان بالممارسة ، والمريض من الثقة بالخدمة ، وتخلق في النهاية منظومة متكاملة تعكس هوية الجودة في أبهى صورها ، إن محترفو الجودة ليسوا إداريين وفنيين عاديين ، بل فلاسفة الإتقان وعلماء التفاصيل ، وهم من يقرأون الأخطاء قبل وقوعها ، ويقيسون الأداء بروح العدالة لا بالعقاب ،
ويتعاملون مع البيانات كنبض حيّ ، ومع المعايير كقوانين حياة ، ويتحلون بصفات دقيقة منها التحليل والحياد والموضوعية ، والإيمان بالتحسين المستمر ،
ويملكون مهارات علمية وفنية وإدارية متشابكة في فهم النظم وإدارة المخاطر ، وتحليل العمليات ، وتصميم الإجراءات ، والتقييم المبني على الدليل ، وصنّاع المعايير وواضعو الأدلة هم مهندسو الثقة ، الذين يُحوّلون المفاهيم المجردة إلى أدوات عملية قابلة للقياس والتطبيق ، وهم من يصوغون نظم الاعتماد ، ويُحدّثون الأدلة ، ويبتكرون أدوات القياس والمراجعة لتبقى الجودة حيّة متجددة لا جامدة ، وأما المدققون والمراجعون والمراقبون ، فهم ضمير المؤسسات ، الذين لا يبحثون عن الأخطاء ليعاقبوا ، بل ليبنوا ثقافة التحسين المستمر ، والمتخصصون في تأهيل المؤسسات لاعتماد الجودة ، هم صُنّاع التحول الحقيقي ، الذين ينقلون المنظمات من الأداء العادي إلى الأداء المتميز المستدام ، والاعتماد ليس غاية في ذاته ، بل أداة من أدوات الجودة تُترجم الفكر إلى ممارسة ، والمعيار إلى واقع ،
وهو الميزان العادل الذي يُقيم الأداء المؤسسي وفق معايير محددة ، ويُحوّل النوايا إلى التزامات ، والإجراءات إلى نتائج قابلة للقياس والتحسين ، فالاعتماد لا يمنح التميز ، بل يوثّقه ويؤكده ، ويُعيد تعريف المسؤولية المؤسسية على أساس من الشفافية والمساءلة والتطوير المستمر ، وحين تُصبح ثقافة الاعتماد جزءًا من وجدان المؤسسة ، يتحول إلى رحلة دائمة نحو الإتقان ، تُراجع فيها الذات لا لتُعاقَب ، بل لتتطور ، إنه باختصار مرآة الجودة ومحرّكها في آنٍ واحد ، لا يصنعها بل يُنضجها ، ولا يفرضها بل يُرسّخها .
قال رسول الله ﷺ ، ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه ) ، وبهذا الحديث النبوي تكتمل فلسفة الجودة ، ويتجلى المعنى العميق للإتقان كقيمة إنسانية وإيمانية في آنٍ واحد ، فالإتقان ليس مجرد أداء جيد ، بل عهد بين الإنسان وربه وضميره ومجتمعه ، أن يُؤدّي العمل بأمانة وكمال ، كما لو كان يقدم شهادة على نفسه أمام التاريخ . ومن هنا تظل الجودة ليست غاية تُبلغ ، بل مسار يُسلك ، وعقل يُفكر ، وروح تُؤمن بالإتقان ، إنها علمٌ يقوم على الدليل والمنهج ، ومعرفةٌ تُستمد من التجربة والخبرة ، وثقافةٌ تُبنى بالوعي والانضباط ، وأسلوبُ حياةٍ يعكس قيمَ الالتزام والشفافية والعدل والمسؤولية ، وهي ليست عملًا إداريًا ولا إجراءً مكتبيًا ، بل رؤية إنسانية متكاملة توحد الفكر والعلم والسلوك في منظومة واحدة هدفها الارتقاء بالإنسان والمجتمع ، بدون تطبيق نظم الجودة في التعليم الطبي والتدريب السريري والخدمات الصحية ، تبقى الجهود متناثرة ، والنتائج مؤقتة ، والأنظمة هشة لا تصمد أمام التحديات ،
أما حين تسكن الجودة في الفكر والوجدان تتحول المؤسسات إلى كائنات حيّة تنبض بالتحسين المستمر ، ويصبح الإتقان فطرة لا تكلّف ، وثقافة لا تُفرض ، ومسؤولية لا تُؤجل ، ولذلك فإن النهضة الحقيقية تبدأ من لحظة الوعي بأن الجودة ليست ترفًا تنظيميًا ، بل هي أعمق أشكال الاحترام للإنسان والحياة والعمل ، ومن لا يتقن لا يستحق أن يقود ، ومن لا يؤمن بالجودة لا يمكن أن يبني عمل يدوم ،،

