أقلام

عن النيهوم، ورضوان أبوشويشة

بقلم: نورالدين سعيد

نورالدين سعيد

أعود لأقول (وجهة نظري في ما قرأت من أدب القصة القصيرة في ليبيا) أنني لستُ أمام خيارات صعبة، لكن لم يطربني أحد، أكثر مما أطربني إثنان فقط للأسف: صادق النيهوم في “من قصص الأطفال” ورضوان أبو شويشة في “موجة حب إلى غرناطة”.

القصة القصيرة أيها الناس، لا بد أن تضرب في أذنيك سماعاً بصرياً، يخلخل فيك رجفة قلبك فيهدأها بهذه الخلخلة ذاتها، فإن لم تركب فرساً في حياتك، فثق أن أفراس الكلمات هي التي تنحني لك لتصعدك على ظهرها، ترفعك مثل ريشة وتجلسك على سرج، ثم تقول لك الفرس بعدها، أنه سرج المتنبي؛ إن لم يعجبك أغير لك سرج عنترة، إن لم يعجبك، فهاك سرج عمر المختار، نعم، إن لم تشعر بكل هذا، فثق أن القصة التي تقرأها تشبه الكيكة التي قضمها الحاج المبروك ذات صباح فوجد بها مسماراً، علاة على طعمها الذي يشبه الأسبيرو بلا أية حموضة، وفوق كل هذا وذاك، نسي الطحان أن يغربل دقيقها قبل وضعها على جمر الفرن الممتلي بالكيروسين.

غمازات السيدة الأندلسية في الدمع الأندلسي عند رضوان، أنا من وضعهما أثناء القراءة، لأنني ببساطة كنت قارئاً مسانداً، وكنت أحفظ النص عن ظهر المخيلة. قال رضوان، يا نور، اكتب سيناريو، أو اتركنا وشأننا، وحين سألني عن وضع الغمازات في مقابل أعين السيدة الخضراوين، قلت له ببساطة شديدة، إنهما عطر ورد الجوري العربي أمام قصر الحمراء، رأيت بأم عيني محمد الثاني عشر يسقيهما بدموعه، في الليلة المقمرة التي قالت له أمه فيها: “لا تبكِ كالنساء على ملكٍ لم تحافظ عليه كالرجال!”.

عن النيهوم، ورضوان أبوشويشة

كنا في كافيتيريا كلية الفنون، نهض رضوان ليستلم القهوة قال: لن أضع لك سكراً، لكنني سأدعوا لك: “ربي يحطك في فلورنسا”.

حين عدت من فلورنسا، حكيت لرضوان عن كل تنبؤاته، وأحضرت له خبزاً ملكياً من بيتي، وحكاية فيلم نوفو تشينما باراديزو.

عند النيهوم كان شيخ القرية الطيب، أجمل من “الفقي” المشعوذ، لقد حذر السلطان من انهيار السلطنة على رأسه، وأن الكلب الأسود النتن المفقوء العينين، يتعقبه في الحلم كل ليلة، يشي بدمار المملكة، وقلت أن السلطان كان يسمع ولا يسمع لأنه يكره الكلاب. ليست المسألة هنا، بل في الحياكة في الحكاية، والجناس التصحيفي الذي في هذه الكلمة بالذات، حياكة النيهوم لنسيج السرد البالغ من العمر ستين عاماً، لم يزل شاباً، وأن شباب القصة الليبية ومحترفيها الجدد، ذكوراً وإناثًا، لم ينتبهوا إليه، لم ينتبهوا إلى علاماته..

مرة أخرى يضع النيهوم حزن العالم كله على مارد الجهل، وكيف أنه بدأ يقضم البلاد من شرقها إلى غربها، وكيف أن الشيطان، أكرمكم الله، أكلته الغيرة من النساء، وأن ذلك الحمال الذي كان هذا الشيطان قد التقاه في الجحيم، وهزء به، وفرح انه أغواه ليوصله إلى هذا المكان، كان أيضاً يراقبه وهو يعود إلى بيته متثاقلاً، حزيناً يكاد تعب النهار أن يرديه قتيلاً، ظن العفريت، أنه حزين لأنه عاد بلا مال، لكن هذا الأخير، أكل الطعم، وأن الحمَّال كان قد أخرج كيس النقود من مقدمة حذائه ورمى به إلى زوجته، ولم يعجبها أن به خمسة دراهم فقط، لقد كانت تنتظر منه أن يحضر نعجة العيد، غيرة الشيطان جعلته يطير مباشرة من الجحيم إلى بنغازي، ليتأكد بنفسه من كيد النساء في قرية الحمّال، وكيد زوجة هذا الأخير بالتحديد، لأنه لم يصدق الحمال المدعو مسعود ولد تفاحة، الذي رآه ينتظر دوره في الجحيم بلا مبالاة.. المختصر، أن عجنة النصوص عليها أن تتكيف مع عشرات الكتب في الفلسفة، في ألف ليلة وليلة..

والله لا أدري بالضبط، أنا فقط أقول رأيي.

أحدث المنشورات

قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات

فراس حج محمد| فلسطين لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر…

5 أيام منذ

استجابةً لتطورات الأحداث.. الجزيرة تطلق خدمة إخبارية جديدة لمدة 7 ساعات يومياً

"الجزيرة 2" منصة تلفزيونية إضافية تهدف إلى تقديم تغطية واسعة ومعمقة للعديد من القضايا العربية…

6 أيام منذ

ليبيا… أرض الحضارات وذاكرة النغم الخالد“ رحلة نغم”.. ملحمة تختصر وطنًا في لحن .

تزخر ليبيا بتنوع ثقافي وفني استثنائي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ…

7 أيام منذ

قراءة بنيوية نفسية في خاتمة كتاب “الثرثرات المحببة”

سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة (ناشرون فلسطينيون) تتجه هذه المقالة تحديداً نحو تفكيك خاتمة كتاب…

أسبوع واحد منذ

بناء الشخصية الروائية بين التنظير والتطبيق في مفهوم الرواية

شيماء مجدي اكاديمية ومترجمة مصرية تمثل الرواية أحد أهم الأجناس الأدبية التي عكست تحولات الفكر…

أسبوع واحد منذ

الدكتور الموسيقار عبد الله السباعي: العرب يستخدمون سلمًا مشوهاً..

بعد سنوات من التباهي بجماليات الموسيقى العربية، يفتح الموسيقار الدكتور عبد الله السباعي—الباحث والأكاديمي بجامعة…

أسبوع واحد منذ